أردت أن تكون هذه نصيحة فى كُليمات قليلات على جدار "فيس بوك" لعلها أن تصادف قارئا من إخواننا فى الخليج فيراجعها فى نفسه، فينتفع بها، فلما شرعت فى كتابتها تكاثرت الكُليمات حتى صارت كلمات، واجتمعت الكلمات فكانت جُملا، ثم فقرات، ثم إذا هى مقالة ذات شجون وفنون.
وإن أول ما نبدأ به أن نقول إننا لا نعلم يقينا هل تبرم إيران والأمريكان اتفاقا ينهى الحرب (الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية ٢٠٢٦) أم لا؟ ولا نعلم يقينا إن هم أبرموا هذا الاتفاق هل يوفون به أم تفسده الأهواء ووسوسات "الكيان الرجيم"؟! لكن ما أعلمه يقينا أن بلدان الخليج العربى قد أُلقيت فى حرب ليست حربها؛ بل هى حرب "الكيان"، وما أعلمه يقينا أنها صارت "ملطشة" تُصفع من كل المتحاربين، ولا بأس هاهنا من أن يحتمل أخى الخليجى منى كلمة "ملطشة" فهى وإن بدت ثقيلة جافية إلا أن الواقع كان أثقل منها وأجفى! ثم أظن (وليس كل الظن إثم) أن هذه البلاد إن لم تتدارك أمرها فستكون جزءًا من الغنائم ومناطق النفوذ التى يتقاسمها المتحاربون! وهذا مما لا نرضاه لأهلنا وجيراننا.
إنه ومن قبل أن ينجلى غبار المعركة، وينقشع دخان القنابل، وتصمت ضوضاء ترامب، فإن واجب الوقت على أهل الحل والعقد من إخواننا فى دول الخليج أن يراجعوا أمر سياستهم وتحالفاتهم جميعا، فهم قد وثقوا بحماية الخواجة، فقصفتهم إسرائيل وهم فى حماية الخواجة (الدوحة ٢٠٢٥/٩/٩)! ووثقوا بقواعد الخواجة فقصفتهم إيران هم وقواعد الخواجة! ووثقوا أنهم مشمولون بمظلة رامبو الأمريكى، فانحسرت المظلة عنهم وعن رامبو ذات نفسه، ووجدوا بلادهم وثرواتهم تحت مظلة (الجزية أو المساومة) الإيرانية!
وقبل ذلك وثقوا أن كل إمارة منهم تصلح أن تقوم دولة بذاتها، فهل وجدوا ذلك حقا حين جد الجد؟! وهل وجدوا أن سياسة الرفاهية والتنعم وبناء الأطول والأرفع والأضخم تغنى عن العلم والتعلم والتقنيات الحربية؟! وهل توطين وتجنيس الممثلين والممثلات، واستجلاب اللاعبين أشباه المعتزلين نفعتك حين كان جارك يستجلب صناعة الصواريخ والمسيرات ويوطنها بإيران؟!
وهل كان من الحكمة أن ترى جارك أو خصمك أو عدوك (أسمه كما شئت) يستمسك بمذهبه، ويضم إليه أبناء مذهبه من شتى البلدان والأجناس والألسن، ويحالفهم بالمال والسلاح، ويضمهم إليه فى اتفاقه مع الدول الكبرى، فيتباعد أخى الخليجى من أبناء مذهبه، ويسلمهم، ويسارع فى "العلمنة"، والتجافى عن الدين بدعوى الحداثة؟!
إن أكبر الضرر على أهل الخليج ليس إيران القوية، ولا إسرائيل النووية، ولا العراق الطامح، بل زيغ بوصلتهم عن الجادة الإسلامية المحافظة التى هى قوام مجتمعاتهم، وغياب (الهم الجامع) لدوله، واتكالهم على آخرين لحمايتهم، وإساءة فهم الحداثة، فهى عند بعضهم إما استيراد الحداثة المصنعة المستوردة دون توطين العلوم والصناعات، وإما استجلاب الرذائل الخُلقية على أنها الحداثة وما دونها ظلام ورجعية.
إنى لأزعم أن هذه الحرب (الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية ٢٠٢٦) هى أكبر انكشاف خليجى منذ قامت هذه الممالك والإمارات، فينبغى أن تحدث منهم أكبر المراجعات لسياستهم كلها، وإلا فإن المصير لن يرُضى إلا العدو.
-----------------‐-------------‐-----------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]







