في ظل المتغيرات العالمية والإقليمية المحيطة بوطننا العربي، والتحديات التي فرضتها الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، وحالة الانكشاف لوهم الحماية الأمريكية للمنطقة، يطرح السؤال نفسه (هل أصبح التكتل العربي ضرورة بقاء، أو للبقاء)؟
الإجابة على هذا السؤال صعبة ومُختلف عليها، والتجارب العربية في هذا الشأن ليس مُبشرة على مدى أكثر من 80 عاماً، إلا أن الأوضاع الراهنة، تؤكد أن هناك أولويات يجب أخذها بعين الاعتبار، ومن المهم أن تأخذها الدول العربية بجدية شديدة، وتعلية إرادة المصالح والمنافع.
ويظل الأمل في التكتل العربي، حلما يداعب البعض من أبناء هذا الوطن، الذي يضم 22 دولة عربية، ومن هنا جاءت أهمية الندوة التي نظمتها الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، وحاضر فيها المفكر والاقتصادي الكبير الدكتور جوده عبد الخالق وزير التموين والتضامن والعدالة الاجتماعية، تحت عنوان "التكتل الاقتصادي العربي في عالم متعدد الأقطاب"، وأدارها الدكتور سعيد عبد الخالق أستاذ الاقتصاد ورئيس مجلس إدارة الجمعية، بحضور مميز بينهم د. نبيل العربي أمين عام جامعة الدول العربية الجديد، ووزير المالية الأسبق د. سمير رضوان وحشد من الخبراء والمتخصصين الاقتصاديين.
وبذكاء السياسي والمفكر أضاف د. جوده عنوانا فرعيا لمحاضرته يحمل "إنما الذئب يأكل من الغنم القاصية"، في لفتة مهمة إلى أهمية التكتل العربي في مرحلة تعتبر من أخطر المراحل التي تمر بها الأمة، خاصة مع حالة التربص بالمنطقة من ذئبين، أولهما الولايات المتحدة الأمريكية، والتي لديها الكثير من الأطماع الخاصة، ولخدمة الذئب الثاني الذي يعيث فساداً في المنطقة، وهو إسرائيل.
ومن وجهة نظر د. جودة أن العالم على أبواب عالم متعدد الأقطاب، ونحن على مرمى حجر من عوالم تلك الأقطاب، بينما نعيش في كيانات عربية، بعضها في موقع المفعول به، بل المؤلم، أن المنطقة العربية محاطة بكيانات إقليمية، ومازلنا غائبين عن أي فعل حقيقي، في وقت قد نكون على مقربة من "سايكس بيكو" جديدة، وسط اتساع ما يسمى بالاتفاقيات الإبراهيمية التي تخدم إسرائيل.
الحاجة لتكتل اقتصادي عربي هو المتاح، وليس تكامل عربي فهو أبعد، وهناك مجالات يمكن أن تكون هي النواة لهذا التكتل، خاصة ما يتعلق بالأمن الغذائي، وأمن الطاقة، وأمن الخليج، وقطاع التكنولوجيا، في ظل مخاطر الأمن السيبراني التي تأكدت في الحرب الأخيرة، إلى جانب مجالات شبكة الاتصالات والمواصلات والطرق، والصناعة التكاملية، والذكاء الاصطناعي.
تحديد مجالات يجب توافق كل الأطراف عليها، وتحديد أهميتها مهم جداً – وفقاً لحديث د. جوده – بعيداً عن القضايا الخلافية، فنحن عربيا في ليلة ظلماء، ولابد من البحث عن البدر للنفاذ من الظلام الكثيف، ونحن في حاجة إلى مسار في الاتجاه الصحيح، ووجود آلية عادلة لتوزيع المنافع.
والتأكيد على مصلحة الشعوب هو الأهم في هذا التكتل، مع مراعاة مصالح كل أطراف أي تكتل، مع الأخذ بعين الاعتبار التخوفات من التجارب السابقة في العمل العربي المشترك وفشل بعضها، وأسباب نجاح تجارب مثل تأسيس دولة الإمارات، ونحن لا نتحدث عن وحدة شاملة، ولا كيان واحد بل البحث عن كتلة حيوية، بعيداً عن تهديدات ومخاطرات الكيانات القاصية التي تقع تحت تهديد الذئاب الطامعة فيها.
والعرب يمتلكون الهيكل التنظيمي لأي شكل من التكتل المشترك، وفي هذا تحدث د. سعيد عبد الخالق، لافتا إلى ان المشكلة في هذا الهيكل بطء الحركة والمبادرة، والذي يبدأ من الجامعة العربية، والمجالس التي انبثقت عنها، فلم تنجح في إقامة السوق المشتركة، ولا في نمو التبادل التجاري، فكل ذلك رهن بتحرير التجارة المتبادلة.
تفعيل ما هو قائم من الإطار العربي المشترك ودخوله مرحلة التفاعل هو الطريق للطموح نحو الأمل في تكتل اقتصادي عربي، مع أهمية الإرادة والخروج من حركة الغياب، ومن هنا فإن الجامعة العربية مدعوة لوضع تصور عربي يرتكز على أسس واقعية، والعدالة في توزيع المنافع من أي تكتل اقتصادي، مع ضرورة تقديم الاقتصاديين الفكر الواقعي المبدع لتكتل ناجح يحقق الفائدة للجميع.
النقاش شهد العديد من الأسئلة، التي طرح بعضها د. نبيل فهمي الأمين العام لجامعة الدول العربية، خاصة تلك التي تتعلق بـ من أين يبدأ التعاون في إطار أمل التكتل العربي الاقتصادي، وهل من الأمن الغذائي أو قطاع آخر، واسئلة عن رؤية الأجيال الجديدة، وأين أفكار الاقتصاديين، وحقوق كل الأطراف؟
وأسئلة أخرى من وزير المالية الأسبق د. سمير رضوان، حول المصالح المشتركة، وكيفية مواجهة السعي الأمريكي لتقليل المنظمات الإقليمية، والاستفادة من الفرص المتاحة أمام المنطقة، ومواجهة مطامع الذئب الأمريكي والإسرائيلي، وأطماعه، مع وجود تخوفات من أجيال الشباب وطرحها د. فرج الخلفاوي عضو الجمعية.
ويبقى أن التكتل العربي الاقتصادي أمل ممكن تنفيذه، رغم كل التحديات، ومحاولة تغيير مفهوم عبارة "كيف يستقيم الظل والعود أعوج"، أتصور أن الجامعة العربية مع أمانتها الجديدة أمام الكثير من التحديات.. فهل يحدث الفعل المنتظر ويدرك العرب منافعهم من ذاتهم، دون الانتظار من طرف آخر؟.. التكتل قد يكون الأمل.
---------------------------------
بقلم: محمود الحضري






