على ضفاف مضيق هرمز، حيث تلتقي جغرافيا السياسة بحتمية التاريخ، كُتبت معادلة جديدة لم تكن في حسابات واشنطن ولا في خرائط أحلامها الإمبراطورية. انتصرت إيران، لا بالمعنى العسكري الضيق وحده، بل بالمعنى الاستراتيجي الشامل الذي يُقرأ في لغة الهزيمة السياسية، وفي صياغة وثيقة تسوية قرأ فيها العالم ما بين سطورها: أن أمريكا تراجعت، وأن شروط الاستسلام انقلبت.
من 14 بنداً للاستسلام إلى وثيقة الهزيمة الأمريكية
جاءت واشنطن بأربعة عشر بنداً، ظنت أنها صك استسلام تملي فيه شروطها على طهران. أربعة عشر بنداً صيغت بلغة المنتصر قبل أن تبدأ المعركة. فإذا بإيران ترد لا بالخضوع بل بالثبات، تهديد في مقابل تهديد، وشرط في مقابل شرط، وصاروخ في مقابل صاروخ.
حين ضربت إسرائيل الجنوب اللبناني، ردت إيران مباشرة على الكيان الصهيوني، كسراً للمعادلة التي أرادها الغرب معادلة للردع الأحادي. وحين امتدت يد الحرب إلى القواعد الأمريكية في الكويت والأردن، دكت تلك القواعد وتلقت رسالتها. بل ذهبت إيران أبعد من ذلك حين وجهت تهديداً مباشراً للأردن نفسه، الذي فتح أجواءه وأرضه لخدمة المنظومة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية.
ثم جاءت الشروط الإيرانية المضادة لتعلن قواعد اللعبة الجديدة:
زوال القواعد الأمريكية المهددة لإيران من المنطقة بأسرها.
تعويض لا يقل عن 300 مليار دولار مقابل عقود من الحصار والعدوان الاقتصادي.
الاعتراف بحق إيران السيادي في مسار برنامجها النووي.
هذه ليست مفاوضات المهزوم، بل لغة القوة التي تتكلم بها الدول التي صمدت.
قنبلة هرمز.. السلاح الذي أركع أمريكا وأعاد رسم خرائط العالم
في التاريخ لحظات فارقة لا تعلن بالطبول، بل تقرأ في صياغة الوثائق وفي ترتيب الشروط. وما جرى على ضفاف هرمز كان واحدة من تلك اللحظات.
أمريكا التي أتت بأربعة عشر بنداً غادرت بشروط إيران. والعالم الذي كان يحصي صواريخ طهران بات اليوم يحصي تكاليف إغلاق المضيق.
ويتحدث العالم عن القنبلة النووية كسلاح الردع الأقصى، والحقيقة أن القنبلة النووية تضرب مدينة، تحيلها رماداً وتخلف جرحاً في التاريخ. مأساة لا شك، ولكنها مأساة محدودة جغرافياً وزمنياً.
أما مضيق هرمز فليس ممراً مائياً فحسب، بل شريان الاقتصاد العالمي. نحو خُمس النفط المتداول في العالم يمر عبر هذا المضيق الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه أربعة وثلاثين كيلومتراً.
إغلاقه لا يضرب دولة بعينها، بل يوقف ضربات قلب الاقتصاد الكوني. تتوقف ناقلات النفط، وترتفع أسعار الطاقة إلى مستويات كارثية، وتتسارع موجات التضخم، وتتراجع أسواق المال في نيويورك ولندن وطوكيو في وقت واحد.
إيران تملك هذا المفتاح، وقد أعلنت أنها تعرف كيف تستخدمه.
وهنا يكمن الفهم الاستراتيجي العميق الذي أدارت به طهران ملفها. فبدلاً من السباق نحو القنبلة النووية الذي يستدعي تدخلاً دولياً فورياً، اختارت أن تحول هرمز إلى سلاح اقتصادي نووي بامتياز، يردع دون أن يفجر، ويهدد دون أن يدمر، ومع ذلك يحقق من الضغط ما لا تحققه قنبلة واحدة.
ويبقى أن يقال، بموضوعية ودون مراء، إن إيران ماضية في طريقها النووي، ويوماً ما ستصنع القنبلة. وحينها ستتغير معادلات المنطقة تغيراً كاملاً، لا لأن القنبلة ستستخدم، بل لأن امتلاكها يعني أن الردع الإيراني بات محمياً بسقف أعلى، كما هو الحال مع باكستان والهند وإسرائيل.
أمريكا.. النمر من ورق
كشفت هذه الحرب ما ظل يقيناً في القلوب ووهماً في السياسة: أن القوة الأمريكية، بكل أسطولها وقواعدها المنتشرة على أرض العرب، ليست سوى نمر من ورق.
فحين اندلعت الحرب ودكت القواعد الأمريكية في المنطقة، كانت أمريكا أول الهاربين، تاركة خلفها عروش من فتحوا أجواءهم لضربها، ومن ظنوا في الحماية الأمريكية خلاصاً لعروشهم.
صمود الشيعة وغياب السنة
هنا يقع الجرح الأعمق، الذي لا ينبغي لمسلم أن يتجاوزه دون أن يقف أمامه طويلاً.
لم نر في هذه المواجهة الكبرى صموداً حقيقياً إلا من المسلمين الشيعة في اليمن ولبنان وإيران. صمود يشبه في روحه روح الغزوات الإسلامية الأولى، حين كان الإيمان يصنع المعجزات أمام التفوق المادي.
أما المحور السني، فلم نجد فيه إلا غزة وحدها، تقاتل بأظافرها وهي محاصرة من كل جانب.
ومقابل صمود إيران كشف ذل التطبيع، وفضح شبكة العملاء التي تحرك قرارات بعض أنظمة المنطقة في خدمة مصالح تل أبيب وواشنطن معاً.
وظن هؤلاء أن إسقاط النظام في إيران يخلي لهم الساحة فيعربدوا مع الكيان الصهيوني بلا رادع، فإذا بالرادع يأتي من حيث لم يحتسبوا.
المفارقة التي لا تحتمل
إسرائيل تحاربنا ليلاً ونهاراً. تهدم مدننا وتغتال علماءنا وقادتنا وأطفالنا. تفعل كل هذا باسم العقيدة اليهودية، وباسم أرض الميعاد، وباسم الكتاب المقدس كما يفهمه الحاخامات المتطرفون.
إنهم يقاتلون بعقيدة، بإيمان راسخ بمشروعهم التوسعي وإن كان باطلاً.
أما نحن فنتخلى عن ديننا وعقيدتنا، ونغير مناهجنا، ونعيد صياغة خطابنا الديني من أجل مشروعهم التوسعي على حساب جغرافيتنا.
نقدم لهم ما لم يطلبوه، ونسهل لهم ما خططوا له، ونفتح لهم أبواباً ظنوا أنهم سيكسرونها بالقوة فإذا بها تفتح لهم بالمودة.
أي جنون هذا؟
أي خلل في العقل والضمير والتاريخ نعيشه؟
أن يقاتلك عدوك بعقيدته وأنت تتخلى عن عقيدتك، فهذه ليست سياسة براغماتية ذكية، بل هزيمة نفسية قبل أن تكون هزيمة عسكرية، وخيانة للأجيال قبل أن تكون خيانة للجغرافيا.
المتاجرون بالقضية الفلسطينية
والمفارقة الأليمة أن يتآمر على غزة من هم في أسماء المسلمين قبل غيرهم.
تركيا أردوغان تتاجر بالقضية الفلسطينية منذ اليوم الأول، وحزب العدالة كان أكبر شريك تجاري للكيان الصهيوني.
وحين حاربت أذربيجان أرمينيا وقف أردوغان معها بكل ثقله، وما أغرب أن تكون أذربيجان ذاتها هي الشريك الاستراتيجي والمورد الرئيسي للكيان من الغاز والبترول، تمول الطائرات التي تدك غزة وكل مدن المسلمين كل يوم.
وباكستان، القوة النووية الإسلامية المفترضة، كانت تدير كواليس التسوية خادمة للأجندة الأمريكية.
وشهباز شريف كان أول من بارك وثيقة الاستسلام المفروضة على غزة، بل نثر شعراً في مدح ترامب عند إعلان مجلس الاستسلام.
وهو نفسه شهباز شريف الذي قاد انقلاباً ضد رئيس وزراء باكستان عمران خان، الذي كان الأصعب على أمريكا من أردوغان ومن أي قائد مسلم آخر. فمن خلص أمريكا منه هو شهباز شريف المتملق لأمريكا وترامب كأنهما سيداه.
السؤال الذي لا مفر منه
هل يتعلم العرب والمسلمون أن القوة والإيمان بالله واليقين بأن الحق ينتصر هو الطريق الوحيد، لا الضعف والتبعية والاستسلام تحت ذريعة حماية الشعوب، التي لم تكن يوماً إلا حماية للأنظمة من أجل البقاء في السلطة؟
إن صمود إيران وحزب الله واليمن، بكل ما يمكن أن يقال فيه من اختلافات عقدية وسياسية، يحمل رسالة واحدة لا لبس فيها:
الكرامة لا تنتزع بالتفاوض على ركبتيك، بل تصنع بالصمود واقفاً على قدميك.
الحساب قادم
التاريخ لا يرحم الخائنين، والجغرافيا لا تغفر لمن باعوها، والله لا يضيع أجر من صبر وصمد وآمن.
أصحاب العروش الذين راهنوا على أمريكا رأوها تهرب من هرمز، والذين راهنوا على إسرائيل سيرون خرائطها التي تبتلع عروشهم قبل أن تبتلع غيرها.
والسؤال الذي سيسألهم إياه التاريخ يوماً ما، وقد سبقه سؤال أشد وأعظم يوم لا ينفع فيه مال ولا عرش:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
----------------------------------
بقلم: عز الدين الهواري







