17 - 06 - 2026

أمل الجمل تحلل وتنقد مقالات تناولت "سينما نجيب محفوط": بين الوعي المنهجي والانحياز الأيديولوجي

أمل الجمل تحلل وتنقد مقالات تناولت

يتضمن كتاب "سينما نجيب محفوظ والشهود المحترفون في السبعينيات"، للناقدة الدكتورة أمل الجمل دراسة من بابين أحدهما نظري والآخر تطبيقي، حول النقد السينمائي في مصر، في حقبة زمنية تمتد لنحو عشر سنوات، وتتناول عينة من الأفلام بعضها كتبه صاحب "أولاد حارتنا" خصيصاً للسينما، والبعض الآخر مأخوذ عن أعمال أدبية له.

تضم العينة التي اختارتها الناقدة السينمائية المصرية أمل الجمل لتكون محور الشق التطبيقي من كتابها "سينما نجيب محفوظ والشهود المحترفون في السبعينيات" (دار المرايا) 13 فيلماً مقتبسة من روايات لنجيب أو أنه شارك في كتابة القصة أو السيناريو أو الحوار لها خلال السبعينيات، منها فيلم "توحيدة" الذي كتب له محفوظ "الإعداد السينمائي" لكنه أسقطته من العينة؛ لأنها لم تجد أي مقالات عنه وهو من إنتاج 1976، لكنها أضافت ثلاثة أفلام من العقد السابق ليصبح الإجمالي 15 فيلماً. 

وكما تذكر الجمل في فصل تمهيدي، فإن الأمر تطلب إعادة مشاهدة تلك الأفلام، من خلال المنهج السيميولوجي، بالتضافر مع المنهج المقارن، وقراءة بعض الروايات التي تحولت إلى أفلام، مع مراعاة الإطار التاريخي، وتأمل ما كتب عنها من نقد، بعضه يقوم على وعي منهجي، وبعضه الآخر ينساق وراء انحيازات أيديولوجية، مع النظر في مدى اهتمام ذلك النقد من عدمه بالمعالجة الفنية وعناصر اللغة السينمائية، وهل كان الاختلاف النقدي يعد تفسيراً فنياً خلاقاً للعمل الفيلمي، وهل كان ذلك لصالح العمل السينمائي أم ضده، ومن ثم يمكن تقييم أسلوب النقاد والصحافيين وتحديد منهجهم في الكتابة، وتحديد ما إذا كان ذلك قد أسفر عن اتجاهات نقدية في السينما المصرية. ومع المنهج السيميولوجي، استخدمت الجمل المنهج التفكيكي؛ "لأنهما يتيحان لي تفكيك النص وقراءته عبر علم العلامات وتحليل بنيته، كما يتيحان لي المزج بين مناهج تحليلية أخرى في مقمها المنهج المقارن والمنهج الوصفي وأحياناَ التاريخي والسيكولوجي" ص 23.   

الشهود المحترفون

وتنهض الدراسة عموماً على رصد ماهية الدور المنوط بالناقد السينمائي؛ سواء من وجهة نظر صناع الأفلام أو النقاد أنفسهم، وهنا تستعين الجمل برأي الفرنسي جان ميتري (1904 – 1988) الذي يعتبر الناقد السينمائي مساهماً بمقالاته ليس في إفهام السينما للجمهور، وحسب، بل أيضاً في خلق وعي أعمق بها عند الذين يصنعونها"     ص 91. 

"الشهود المحترفون" المشار إليهم في العنوان، هم نقاد السينما، بوصف سمير فريد الذي اعتمدته الجمل، وهي باحثة سينمائية، وكاتبة سيناريو، صدر لها ما يزيد عن عشرة كتب، وحصدت جائزة اتحاد كتاب مصر عن كتابها "السينما العابرة للنوع"، كما حصلت على جائزة من مهرجان الإسكندرية السينمائي عن سيناريو "الشبكة". أما وصف الأفلام التي تحلل ما كتب عنها من نقد في سياق الدراسة نفسها بأنها "سينما نجيب محفوظ" فهو لا يعتبر وصفاً علمياً دقيقاً، فعلاقة صاحب "بداية ونهاية" بها تقتصر إما على أنه كتب لها السيناريو، أو الحوار، أو ما يسمى بالإعداد السينمائي، أو على أنها مأخوذة عن نصوص أدبية من تأليفه.            

تهدي الجمل الكتاب الذي جاء في 399 صفحة من القطع فوق المتوسط إلى السيد حسن جمعة، باعتباره "أول ناقد سينمائي مصري". وجمعة قام بكتابة السيناريو والحوار لعدد من الأعمال السينمائية، منها فيلم "الهارب" 1936، وفيلم "تيتاوونج" 1937 الذي شارك فيه بالتمثيل أيضا. وهو مؤسس "جماعة النقاد السينمائيين" في العام 1933 وكان معه أحمد بدرخان وحسن عبد الوهاب ومحمد كامل مصطفى، ثم انضم إليهم نيازي مصطفى وأحمد كامل مرسي، جمعة، وكان أكثر نقاد تلك البدايات نشاطاً وأغزرهم إنتاجاً. وتذكر الجمل في الإهداء أن جمعة "ترك مهنة التدريس وأخذته نداهة السينما، فأصدر مجلة تلو الأخرى من دون يأس أو كلل، وحرص على الاهتمام بدعم ورعاية وتشجيع النقاد الهواة، فغرس بذور النقد السينمائي في مصر".

نقد نجيب محفوظ

الباب الأول في الدراسة يغطي الشق النظري، وتستهله الجمل بفصل تمهيدي يتصدره قول روجر مانفيلد: "إن أحد أكبر مشاكل الكتابة النقدية هي أن نقاد السينما يكتبون عن فن لم يكلفوا أنفسهم عناء أن يتعلموا أسس تقنياته". ومانفيلد هو أول مدير لأكاديمية السينما البريطانية ومؤلف العديد من الكتب حول الأفلام وصناعتها. وترجع كذلك إلى قول نجيب محفوظ: "ليس للنقد في عالم السينما (المصرية) أي وزن"، وقد ورد في حوار أجراه معه حازم هاشم ونشرته مجلة "الكواكب" القاهرية في عددها الصادر بتاريخ 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1972. وتقول الجمل إن هذا الرأي كان أحد أسباب اختيارها السبعينيات من القرن العشرين لتكون الفترة الزمنية التي تنهض عليها عينة الدراسة، إضافة إلى اختبار مقولة إن تلك الفترة شهدت مولد تيار نقدي يلتزم بالمنهجية. ولاحظت أن رأي محفوظ المشار إليه آنفاً هو عينة من آراء نقدية شتى أبداها في مناسبات مختلفة حول أعمال سينمائية مأخوذة عن رواياته، على الرغم من أنه أكد مراراً أنه يتجنب من حيث المبدأ تقييم تلك الأعمال؛ بما أنه مسؤول فقط عن النص الأدبي. وتقول الجمل إنها تعتقد أن نجيب محفوظ كان يرى السينما وسيلة تسلية، وهو كمدير للرقابة على السينما كان يلتزم بالتعليمات واللوائح والقوانين حتى ولو كانت ضد الإبداع؛ "ومن يشكك في رأيي هذا يمكنه ببساطة مراجعة التقارير الرقابية للأفلام في عهده" ص 16. وكتب محفوظ للسينما مباشرة، بتشجيع من المخرج صلاح أبوسيف، من 1946 إلى 1959، وتولى منصب مدير عام الرقابة على المصنفات الفنية (وبينها السينما) بين عامي 1959 و1961. وخلصت الجمل إلى أن نجيب محفوظ في أغلب حواراته بشأن تقييمه لأي عمل سينمائي مقتبس من نص أدبي له، كان يقر بعدم رضاه عن الفترة التي عمل فيها كاتب سيناريو؛ لأنه كان يفتقر على حد قوله إلى الحرية التي يمارسها وهو يكتب أعماله الأدبية، "لأن المنتِج يفرض الأفكار الفجة، والمشاهد المبتذلة، والبطلة كانت تصر على أن يكون دورها حسب هواها"، كما ورد في حوار أجراه معه عبد الفتاح الفيشاوي عام 1966. ولاحظت الجمل في هذا الصدد أن نجيب محفوظ كان يدافع عن الأفلام المقتبسة عن رواياته، بما في ذلك الهزيل منها، كلما سئل عنها، أو عن المقالات النقدية التي تناولتها، ملتمساً العذر لمن كتب عن بعضها نقداً ينتقص من قيمتها الفنية. وتقول الجمل في هذا الصدد إنه إذا كان الناقد شاهداً محترفا، بإمكانه توفير مفتاح العمل الفني كما لا يستطيع الآخرون، وفق رؤية سمير فريد، فهل يمكن للناقد أن يكون كذلك، ويفقد القدرة على التأثير ولا يكون له أي وزن في عالم السينما؛ "بمعنى آخر، هل هناك فجوة ما بين رؤية نجيب محفوظ للنقد السينمائي في مصر، وبين تعريف سمير فريد للناقد ودوره؟ إنهما إثنان من بين تساؤلات عديدة سنحاول الأجابة عليها على مدار صفحات الكتاب" ص 18.

 الجانب التطبيقي

وخصصت الباحثة الباب الثاني للجانب التطبيقي القائم على تحليل المقالات النقدية التي كتبت عن "سينما نجيب محفوظ"، واستهلته بقول أمبرتو إيكو: "إن طريقة تلقينا للفيلم، تتعلق حتى بعاداتنا اليومية في الأكل". وتناول الفصل الأول المقالات التي تناولت "الثلاثية" والتي تضم أفلام "بين القصرين" 1964، و"قصر الشوق" 1967، و"السكرية" 1973. وحمل الفصل الثاني عنوان "رباعية الهجوم على التجربة الاشتراكية"  وتناول المقالات التي كتبت عن أفلام "ميرامار" 1969، "ثرثرة فوق النيل" 1971، "الحب تحت المطر" 1975، "الكرنك" 1975. أما الفصل الثالث فعنوانه هو "المثقف الحائر والإنسان التائه... أشكال للحب والجنس"، ويتناول ما كتب عن "السراب" 1970، "صور ممنوعة" 1972، وهو عبارة ثلاثة أفلام، ثالثها "حكاية الأصل والصورة" مأخوذ عن قصة من مجموعة "خمارة القط الأسود"، "أميرة حبي أنا" 1975 (مأخوذ عن "المرايا"، و"المذنبون" 1975 مأخوذ عن قصة "الصورة". وجاء الفصل الرابع تحت عنوان "نجيب محفوظ كاتباً للقصة السينمائية والسيناريو"، وتناول ما كتب عن أفلام "الاختيار"، "دلال المصرية" 1970 (عن قصة لليو تولستوي قام محفوظ بتمصيرها)، و"إمبراطورية ميم" 1972 (كتب محفوظ له الإعداد السينمائي).

ويذكر أن أمل الجمل حاصلة على الماجستير في النقد السينمائي عن أطروحة بعنوان "توجهات الإنتاج المشترك في السينما المصرية"، والدكتوراه عن أطروحة عنوانها "اللغة السينمائية في الأدب"، وتعمل كاتبة سيناريو في التلفزيون المصري منذ 1997، وكتبت سينلريوهات عدد من الأفلام، منها فيلم "جبل موسى"، وفيلم "حيوانات في خطر"، وفيلم "الشبكة" المأخوذ عن رواية بالسم نفسه للكاتب الراحل شريف حتاتة.
---------------------------------
بقلم: علي عطا