حين تفكك العلوم السياسية التقليدية مشهد الحروب الراهنة في منطقتنا العربية من حرب الإبادة والتجريف في فلسطين إلى تدمير الحواضر في لبنان، وصولاً إلى خطوط الاشتباك الساخنة بين المثلث الأمريكي الإسرائيلي والإيراني ، فإنها غالباً ما تسقط في فخ القراءة الكلاسيكية ؛ قراءة ترى الصراع من منظور حركة الدبابات وحسابات الصواريخ وتوازنات الرعب العسكري.
لكن الحقيقة الأكثر عمقاً والتي حاولنا تأصيلها في أطروحاتنا السابقة، تكمن في أن هذه المنطقة قد تحولت بالكامل إلى "المختبر المفتوح" الأضخم في التاريخ الحديث ، حيث يجري تجريب هندسة السيطرة الشاملة وصياغة مصائر الشعوب عبر "الترويكا" الحاكمة للعالم الجديد . المال، البيانات، والتكنولوجيا.
الإنترنت في أصله البنيوي لم يكن يوماً فضاءً مشاعاً بريئاً أو أداة عولمة محايدة ، بل هو الابن الشرعي للمؤسسة العسكرية الأمريكية (مشروع ARPANET التابع لوزارة الدفاع).
هذا المنشأ التاريخي لم يمنح واشنطن مجرد أسبقية تقنية ، بل كرّس لها "هيمنة هيكلية" (Structural Hegemony) صامتة. واليوم نرى كيف تتحول هذه النظرية الفلسفية إلى "فصل تنفيذي ودراسة حالة دمويّة" على جبهات صراعنا الإقليمي حيث تتداخل أضلاع "الترويكا" لتصنع المخلب الرقمي للإمبراطورية الجديدة.
أولاً / التكنولوجيا .. من احتكار البرمجيات إلى معارك العتاد وكابلات الأعماق ، في أطروحاتنا السابقة تناولنا كيف تفرض التكنولوجيا سلطتها عبر احتكار الملكية الفكرية والمنصات.
اليوم يتجسد هذا الاحتكار في الميدان كأداة حسم عسكري وجيو-سياسي مباشر .
الإنترنت ليس غيمة افتراضية بل هو بنية تحتية صلبة ونحن نشهد الآن تحول "كابلات الإنترنت البحرية" القابعة في الممرات المائية الحيوية المحيطة بنا كالبحر الأحمر ومضيق باب المندب والبحر الأبيض المتوسط إلى خطوط مواجهة ساخنة حيث تصبح السيطرة عليها أو تهديدها ورقة ضغط لقطع شريان الحياة الرقمي عن دول بأكملها.
وعلى مستوى العتاد فإن احتكار واشنطن لبراءات اختراع المعالجات الفائقة (الرقائق الإلكترونية) يمثل "حبل مشنقة تقني" يُحكم حول عنق أي قوة صاعدة أو مقاومة تحاول بناء منظومات دفاعية مستقلة. هذا الاحتكار يوفر للحليف الإسرائيلي بيئة تفوق تكنولوجي مطلق، تُترجم في تشغيل مسيّرات ذكية ومنظومات رصد تعمل بالذكاء الاصطناعي السحابي لتبقى جغرافيا المنطقة برمتها مكشوفة أمام آلة الحرب الرقمية.
ثانياً / البيانات الضخمة .. تحويل السلوك البشري إلى "إحداثيات قتل"
لقد أسسنا سابقاً لمفهوم أن "البيانات هي النفط الجديد"، وأن السيطرة عليها تمنح القدرة على قراءة المزاج العام للشعوب وتوجيه سلوكها. لكن في غزة وبيروت، يتجاوز مفهوم البيانات حدود التوجيه السياسي الناعم إلى "التصفية الجسدية المباشرة".
كل اتصال وكل صورة وكل موقع جغرافي يتركه مواطنو المنطقة عبر تطبيقاتهم اليومية المخزنة في السحابات والمستودعات الرقمية التابعة للشركات الأمريكية العملاقة، يجري سحبه وتغذيته مباشرة في خوارزميات الذكاء الاصطناعي العسكري.
لم تعد البيانات مجرد أرقام إحصائية بل تحولت إلى "إحداثيات قتل" وتتبع لحظي فائق الدقة لشطب قادة وكوادر المقاومة وتدمير الحواضر السكنية.
إنه التطبيق العملي المرعب لـ "المختبر المفتوح"، حيث يعيش الإنسان العربي داخل "بيت افتراضي أمريكي" يملك صاحب الأرض فيه حق التلصص وتحديد ساعة الصفر للقتل.
ثالثاً / المال الرقمي .. سلاح الحصار وعزل الشرايين الاقتصادية
تكتمل أضلاع "الترويكا" بالمال، الذي تحول بدوره من سلطة نفوذ شركاتي ورأسمالي (كما فصلنا سابقاً) إلى سلاح حصار صامت وعقوبات فورية عابرة للحدود.
نظراً لأن الإنترنت هو العمود الفقري للمصارف وشبكات الدفع الدولية فإن واشنطن تستخدم هذه الهيمنة لفرض إعدام اقتصادي بلمسة زر.
عبر هذا السلاح يجري عزل النظام المالي الإيراني عن العالم وتجفيف منابع الدعم والتبرعات الإلكترونية الموجهة للإغاثة الإنسانية في فلسطين ولبنان بل وحظر حسابات الجمعيات والمؤسسات المحلية.
رأس المال التقني بات هو "الحارس الرقمي" الذي يملك سلطة منح الحياة الاقتصادية أو سلبها متجاوزاً حدود السيادات الوطنية للدول.
هندسة الانتباه /صياغة الرواية المنحازة وحجب الضحية
خارج حدود الاشتباك المادي والمالي، تدير هذه الترويكا حرباً أيديولوجية لا تقل ضراوة عبر الخوارزميات (Algorithms) ؛ وهي الحرب التي نلمسها جميعاً في فضاء الوعي العام.
تُمارس منصات التواصل الاجتماعي انحيازاً بنيوياً فجاً يخدم المحور الأمريكي الإسرائيلي حيث تُضخم روايته السياسية ويُعاد تصديرها كحقيقة مطلقة في حين يُفرض "الحجب غير المرئي" (Shadow banning) والتقييد الصارم على المحتوى العربي والفلسطيني واللبناني المناهض للاحتلال تحت ذريعة مكافحة "خطاب الكراهية".
إنها عملية هندسة متعمدة للانتباه العالمي يُراد منها نزع الإنسانية عن الضحية ومنح الجلاد الحصانة الفكرية والأخلاقية.
خاتمة / العيش في "البيت الأمريكي" وثورة التفتيت (Splinternet)
إن الخلاصة الحتمية التي يفرضها هذا الرابط العضوي بين فلسفة "الترويكا" وواقع الحروب الراهنة هي أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى "زر سحري" لإطفاء الإنترنت عن العالم لتسيطر عليه بل إنها صممت هذا الفضاء ليكون بيئة حيوية ومختبراً مفتوحاً تملك كافة مفاصله.
هذا النفوذ الهائل والمتوحش بات يدفع قوى دولية وإقليمية منافسة نحو خيار اضطراري .
الثورة على هذا الواقع والسعي نحو "السيادة الرقمية" عبر بناء جدران حماية وطنية وشبكات محلية مستقلة.
هذا التوجه يسير بالعالم سريعاً نحو ما يُعرف بـ "Splinternet" (الإنترنت المتشظي أو المتفتت) حيث تنفصل الدول لحماية أمنها ودماء مواطنيها.
وحتى يكتمل هذا الانفصال تظل الحقيقة الماثلة في جراح أهلنا في فلسطين ولبنان شاهدة طالما أننا نتحرك في فضائهم الافتراضي ونستهلك أدواتهم ونخزن تفاصيل حياتنا في سحاباتهم سنظل رهائن في "مختبرهم المفتوح" ندفع ثمن الإقامة فيه من سيادتنا الوطنية واقتصادنا ودماء شعوبنا.
"لا أحد حر حتى يتحرر"
"حرر نفسك"
"حرر عقلك"
---------------------------
بقلم: حاتم نظمي






