29 - 06 - 2026

تفعيل دور الأحزاب السياسية | الجمهورية البرلمانية والتعديل الدستوري المنشود

تفعيل دور الأحزاب السياسية | الجمهورية البرلمانية والتعديل الدستوري المنشود

أشرت في مقال سابق إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحزاب السياسية في بناء المجال السياسي العام وبناء الدولة. غير أن العلاقة بين بناء الدولة، كواحدة من المعضلات الأساسية التي تواجهها كثير من بلدان العالم الثالث التي نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، وبين أزمة الأحزاب والتنظيمات السياسية بشكل عام، علاقة معقدة وجدلية، وهي وثيقة الصلة بنظرة النخبة الحاكمة للسياسة وللعمل السياسي. ثمة مفارقة جوهرية في هذا التصور ناجمة عن سطوة الديمقراطية، كمصطلح، على الخطاب السياسي لأي حكومة معاصرة، إلى حد أنه بات من غير المتصور أن تعلن أي نخبة حاكمة، مهما بلغ تسلطها، عداءها الصريح للديمقراطية كفكرة، ورغم تحفظ بعض الجماعات العقائدية، لاسيما الإسلامية، على الديمقراطية باعتبارها وافدة من ثقافة مغايرة، إلا أنها تستخدم مصطلحات بديلة، مثل الشورى، رغم الاختلاف البين بين مدلول الديمقراطية وبين مفهوم الشورى. على كل حال، فإن نظم الحكم المعاصرة، جميعها، تدعي أنها تطبق الديمقراطية، لكن بعضها قد يرفض، صراحة، صيغًا محددة للديمقراطية، مثل الديمقراطية الليبرالية الغربية، استناداً إلى مزاعم تتعلق بتجاهل تلك الصيغ للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، أو أخرى تتعلق بالخصوصية الثقافية واختلاف منظومات القيم، أو انطلاقاً من حقيقة أنه لا يوجد نموذج واحد للديمقراطية، وإنما تتعدد نماذجها وأشكالها.

كذلك، فإن التحديات المتصاعدة التي تواجهها الديمقراطية الليبرالية في تجاربها المختلفة، تزيد من الشكوك في كونها آلية مناسبة تضمن اختيار أفضل الأشخاص المؤهلين لإدارة شؤون الدولة والحكم، أو لوضع السياسات الأفضل. وتعززت هذه الحجج من خلال تجربة الصين التي تتحدى النماذج الغربية المختلفة للديمقراطية، والتي تؤسس لمفهوم الجدارة السياسية، حسبما أشار عالم السياسة الأمريكي، دانييل بيل، في كتابه "نموذج الصين: الجدارة السياسية وحدود الديمقراطية"، الصادر في عام 2015، والذي صدرت ترجمة عربية له في عام 2021. لكن يجب ملاحظة حضور الحزب السياسي في التجربة الصينية، الأمر الذي يؤكد أن الحزب السياسي يظل أداة لا غنى عنها في ممارسة السياسة والحكم. فالحزب هو الأداة الأساسية في صنع الكوادر المؤهلة، وينطبق ذلك على التجارب الديمقراطية الليبرالية الغربية أو على التطبيقات الأخرى التي تقوم على فكرة الحزب الواحد. 

لا يسعى هذا المقال إلى الدخول في نقاش نظري حول مسألة الديمقراطية وجدواها، وهو نقاش على قدر كبير من الأهمية، التي تستدعي أن يُفرد له مقالٌ، أو ربما مقالات، لكن لا بد من تأكيد أن الديمقراطية هي أفضل آلية عرفتها البشرية إلى الآن لتمثيل مصالح القوى الاقتصادية والاجتماعية المختلفة سياسيًا، وأن الانتخابات هي أفضل وسيلة لضمان أن السياسات العامة لأي حكومة تمضي وفقًا تفضيلات أغلبية المواطنين في هذه الدولة أو تلك، في لحظة محددة، وأن الالتزام بآليات الديمقراطية التي تتجاوز الانتخابات، وخاصة فيما يتعلق بالفصل بين السلطات والرقابة والمساءلة، يضمن قدرة النظام على تصحيح أي أخطاء أو أي تجاوزات قد تحدث أثناء الممارسة. فالتفويض الذي يمنحه الناخبون للحزب ومرشحيه، هو تفويض محدد المدة والغرض، وأن الديمقراطية الليبرالية تحديدًا، توفر ضمانات لحماية الأقلية تحول دون السقوط في فخ "استبداد الأغلبية". وتقوم الأحزاب السياسية بدور رئيسي بتفعيل الديمقراطية عمليًا، إذ تقوم بدور رئيسي، سواء كانت ممثلة في البرلمان أو خارجه، في مراقبة أعمال الحكومة وفي مسألتي المساءلة والمحاسبة.   

النموذج الأنسب للديمقراطية

الغرض من هذا المقال هو البحث عن أفضل صيغة مناسبة للتعامل مع أزمة السياسة وأزمة الأحزاب السياسية في مصر، لأن معالجة هذه الأزمة مسألة جوهرية تمس مستقبل البلاد واستقرارها، بعد ما يقرب من ثمانية عقود شهدت خلالها صيغة للحكم لم يتغير جوهرها، وإن تبدلت أشكالها مع الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى التعددية السياسية المقيدة، وأخيرا التعددية السياسية المنفلتة التي أفرزت أشكالًا فوضوية وغير منضبطة للممارسة السياسية، إذ لم يكن لهذه التعددية الحزبية أي تأثير يذكر على طبيعة النظام الاستبدادي القائم على حكم الفرد وانفراده بالسلطة. أسس هذا النظام تشكلت في اعقاب سيطرة "الضباط الأحرار" على السلطة في مصر في 23 يوليو 1952، وهي السيطرة التي تأكدت في عام 1954، حين تمكنوا من حسم الصراع على السلطة لصالحهم ومن إقصاء القوى المناوئة لهم عن التأثير في رسم ملامح النظام الجديد ومراكز القوى الناشئة فيه. وكانت الأشهر التالية للانقلاب على النظام الملكي وعلى الحكم المستند إلى دستور 1923، حاسمة في رسم ملامح النظام السياسي الجديد، وترسيخ أركانه وأسسه التي لا تزال قائمة إلى الآن، رغم التحولات ورغم ثورتي 2011 و2013. لقد كان دستور 1923 ثمرة لثورة مصر الوطنية في عام 1919، ضد الاحتلال وضد الحكم الفردي المطلق. وكانت مصر، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، تموج بتيارات سياسية تتصارع على رسم ملامح المستقبل. وبلغ الصراع فيما بين هذه التيارات ذروته في "أزمة مارس" 1954، والتي تناولتها العديد من الكتب والمذكرات. وفي تلك الفترة، جرى رفض مشروع دستور 1954، الذي أعدته لجنة مكونة من خمسين عضوًا، ما بين ساسة ومشرعين ورجال قضاء. كان هذا الدستور يؤسس لنظام جمهوري برلماني قائم على التعددية الحزبية، لكن الحُكَّام الجدد وضعوا مسودة هذا الدستور على الرف إلى أن انتهى به الحال في صندوق للمهملات، ما يشير إلى أنهم ماضون في الاتجاه المضاد للحكم الدستوري الديمقراطي. فقد سبق هذه الخطوة، قرار حل الأحزاب السياسية ومصادرة جميع أموالها، الذي أعلنه اللواء محمد نجيب، رئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس مجلس الوزراء آنذاك، في 16 يناير عام 1953. ومهد هذا القرار الذي نشر في 18 يناير من ذلك العام، في الجريدة الرسمية بمرسوم بقانون رقم 37 لعام 1953، باسم ملك مصر والسودان، الطريق لتأميم الحياة السياسية في مصر وحرمان القوى الاجتماعية المختلفة من قدراتها التنظيمية التي تمكنها من المشاركة الفعًالة في وضع السياسات العامة للدولة أو التأثير فيها. 

وجه قرار حل الأحزاب السياسية ضربة في الصميم للجماعة السياسية الناشئة في مصر، وهي ضربة موجعة، وإن لم تكن مميتة، ما زلنا نعيش آثارها إلى يومنا هذا. كتب الدكتور عوض المر، الرئيس السابق للمحكمة الدستورية العليا، في تقديمه لكتاب "دستور في صندوق القمامة: قصة مشروع دستور 1954"، الذي أعده الكاتب الصحفي الراحل صلاح عيسى، أن رجال "ثورة" يوليو لم ينقلبوا على الديمقراطية وحسب، بل "ناضلوا من أجل تكريس ديكتاتورية بغيضة تقوم على تحكم الفرد وتفرده بالسلطة"، وسعوا إلى فرض هذه السلطة على الآخرين ليؤسسوا لنظام سياسي أفضى إلى وأد الحياة السياسية في البلاد، والتي تشكلت في غمرة نضال القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة من أجل "الدستور والاستقلال". يشرح صلاح عيسى في الكتاب الذي نشر من خلاله مسودة مشروع دستور 1954، بعد العثور عليها في صندوق للمهملات في مكتبة معهد البحوث العربية، كيف تم الانقلاب على الديمقراطية في تلك الشهور العاصفة، بين يوليو 1952 ومارس 1954، كما تشرحها كتب أخرى، من أبرزها كتاب المستشار الراحل، طارق البشري، الديمقراطية ونظام 23 يوليو: 1952-1970"، الصادر في عام 1987. 

لم يغير الانتقال إلى التعددية الحزبية الملامح الأساسية للنظام السياسي الذي تشكل بعد يوليو 1952، والذي يميل بشدة نحو النظام الرئاسي، والذي فرض قيودا على حرية التنظيم وعلى تداول السلطة السياسية، التي ظلت محتكرة في مصر وتدعم نظام الحكم الفرد المتحكم في معظم القرارات التي تمس الشأن العام وتؤثر على حياة الغالبية الساحقة من المواطنين، استنادًا إلى ترسانة التشريعات الموروثة من العهد السابق ومن خلال استحداث ترتيبات مؤسسية وتشريعية وسياسية، ومن خلال خطاب سياسي مشكك في نوايا وتوجهات الأحزاب السياسية، وتحويل الغرض الأساسي لقيامها، السعي للوصول إلى السلطة، إلى اتهام يجري تجريم القائمين على أمر هذه الأحزاب على أساسه قانونيًا أو إدانتهم أخلاقيًا. إن الديمقراطية في أحد أهم تعريفاتها هي "الانتقال السلس للسلطة دون عنف أو إراقة للدماء"، الذي يعني انتقال السلطة إلى الحزب السياسي أو ائتلاف الأحزاب، الحاصل على غالبية أصوات الناخبين من الحكومة القائمة دون ممانعة أو لجوء إلى القوة المسلحة لمنع هذا الانتقال. إن الديمقراطية بهذا المعنى، هي الركيزة الأساسية للاستقرار السياسي والاجتماعي والضمانة الأساسية لتعبير السياسة العامة التي تضعها الحكومة وتنفذها عن المصالح العامة التي تقررها أغلبية الناخبين. والإشكالية الأساسية في مصر، ومنذ ثورة يناير عام 2011، بل منذ عام 1952، إنما تتمثل في كيفية تحقيق هذا الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي، ينهي حالة الصراع المستمر على السلطة السياسية، المحكوم بثنائية الصراع بين منظورين أو قوتين، وينظم عملية التنافس على السلطة السياسية بين قوى سياسية متعددة ومتنوعة. إن كسر هذه الثنائية المسؤولة عن شلل الحياة السياسية في مصر يتحقق من خلال نموذج للنظام السياسي يقوم على الفصل بين مهام الدولة وشؤونها وبين ممارسة الحكم وإدارة الشأن العام للمواطنين من ناحية، وتحقيق التوازن بينهما من ناحية أخرى، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال تفعيل بعض النصوص في الدستور الحالي، أو استحداث بعض المواد الأخرى لصالح نموذج للحكومة البرلمانية التي تحد من تركيز السلطات في يد شخص واحد.    

الجمهورية البرلمانية وتنشيط الحياة السياسية

في 14 مايو 1999، صدر بيان تحت عنوان "مصر تتطلع إلى إصلاح ديمقراطي جذري"، شارك في صياغته عدد من منظمات حقوق الإنسان المصرية، وبعض الأحزاب والقوى السياسية. وكخطوة عملية جرى تشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر المصري الأول للإصلاح السياسي والدستوري، من أجل بدء نقاش عام بغرض التوصل إلى مشروع لتعديل الدستور القائم، دستور عام 1971 المعدل، وحشد الرأي العام والقوى السياسية وراء هذا المطلب. ولم تجر الاستجابة للمطالب الواردة في البيان، ورغم إدخال تعديلات على الدستور وعلى التشريعات الخاصة بممارسة الحقوق السياسية في عام 2005، والتي سمحت لأول مرة بالانتخاب المباشر لرئيس الجمهورية، إلا أن هذه التعديلات تجاهلت التوصيات التي انتهى إليها المؤتمر. واستفاد النظام في ذلك الوقت من الانقسامات بين القوى السياسية والأحزاب، ومن تخوف معظم هذه الأحزاب، خصوصًا تلك التي تشكل التيارات الرئيسية في مصر من الدعوة للتعديلات الدستورية، لأسباب أيديولوجية وبسبب مخاوف متبادلة، نتيجة لحالة الاستقطاب الفكري والسياسي السائدة. وكانت هذه الأحزاب أشد انحيازا للاقتراح الخاص إلى نظام جمهوري برلماني، على نحو يكشف كيف نجح النظام السياسي في تشكيل العقل السياسي، إذ أكدت التيارات السياسية المختلفة في ذلك الوقت ضرورة الإبقاء على النظام الرئاسي، لأن مصر في حاجة دائمة إلى سلطة تنفيذية قوية كي تستطيع مواجهة المؤامرات الدولية، ويرون في الدعوة إلى الجمهورية البرلمانية أو أي نظام سياسي يوازن بين السلطات أو يضعف سلطة الرئاسة سوف يترتب عليه إضعاف الدولة التي تقوم بدور مركزي في التصدي للمؤامرات الخارجية.

لم تطرح فكرة الجمهورية البرلمانية في أعقاب ثورة 2011، وتم رفض فكرة إعداد دستور جديد وجرى التوافق بين الثنائي المتصارع على السلطة، على الإبقاء على دستور 1971 مع إدخال بعض التعديلات عليه، وإغلاق الباب في وجه من يطالبون بتشكيل جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد يلبي تطلعات قوى الثورة. التيارات الإسلامية والمحافظة دافعت عن دستور 1971، خوفاً من المساس بالمادة الثانية من الدستور التي تؤكد الهوية الإسلامية للدولة وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فيما أرادت السلطة الحاكمة الإبقاء على أسس النظام الرئاسي الذي يركز السلطة في يد رئيس الجمهورية. وكان الطرفان يرغبان في تثبيت سلطتهما قبل الشروع في وضع دستور جديد ينفردان بوضعه في غياب القوى السياسية الأخرى، وهو ما حدث في مشروع دستور 2012. لقد جرى تصحيح هذا الخطأ لاحقاً بعد ثورة 30 يونيو 2013، التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين، وتشكلت لهذا الغرض لجنة الخمسين، إلا أن الدستور الجديد الذي صدر في عام 2014، أبقى على الملامح الأساسية لدستور عام 1971، ولم يسلم من إدخال تعديلات تصب في صالح تركيز السلطة وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية.

ويتضمن الدستور الجديد نصوصًا تنتصر للديمقراطية والتعددية السياسية، إذ أكد في ديباجته الإيمان "بالديمقراطية طريقاً ومستقبلاً وأسلوب حياة، وبالتعددية السياسية، وبالتداول السلمي للسلطة" والتي أكدت مبدأ السيادة الشعبية الذي يقر حق الشعب في صنع مستقبله، وأنه مصدر السلطات. وأكدت المادة الأولى من الدستور أن نظام الحكم في مصر "جمهوري ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون"، فيما أكدت المادة الخامسة، "التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسؤولية مع السلطة، واحترام حقوق الإنسان وحرياته". غير أن هذه المواد غير مفعلة عبر ترتيبات تضمن تحقيق هذا التوازن. وابتكر النظام الجديد الذي ابتعد عن فكرة الاعتماد على حزب واحد لصالح شكل جديد لدور الحزب القائد الذي يتولى مهمة تشكيل قائمة واحدة للمرشحين لعضوية مجلسي النواب والشيوخ، ليظهر انقسام آخر بين الأحزاب السياسية، بين أحزاب للموالاة تضمها القائمة الفائزة في الانتخابات التي تجرى بنظام القائمة المطلقة، وأخرى معارضة، وتشمل الأحزاب التي تعارض النظام الانتخابي المعمول به وتعارض سياسات الحكومة. ولا تراعى مسألة انتخابات في تشكيل الحكومة، الذي منحه الدستور في المادة (146)، لرئيس الجمهورية منفردا، وحصر دور مجلس النواب، في الموافقة على برنامج الحكومة أو رفضه. ورغم أن المادة نصت على أن تكليف رئيس الجمهورية لرئيس الوزراء استنادا إلى ترشيح الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب، إلا أن هذا يحدث في حالة عدم حصول رئيس الوزراء وحكومته على أغلبية أعضاء مجلس النواب، إلا أن هذا الأمر لم يحدث عمليًا.

وفي حين أن الدستور الحالي يمزج بين النظامين الرئاسي والبرلماني، من الناحية النظرية، إلا أنه من الناحية العملية يميل بشدة ناحية النظام الرئاسي، بل يمكن رئيس الجمهورية من الجمع بين سلطة السيادة باعتباره رئيسا للدولة، وبين سلطة الحكم، ويستفيد من وضعه الدستوري كممثل لسلطة السيادة، ويحميه من أي مسؤولية أمام ممثلي الشعب باعتباره رمزًا للأمة، ومن ثم لا يتحمل رئيس الجمهورية باعتباره رئيسا للسلطة التنفيذية أي مسؤولية عن أعمال الحكومة رغم خضوعها لسلطته وتوجيهاته. إن هذا الوضع بذاته هو الركيزة الرئيسية لاستبداد السلطة التنفيذية، وإذا كانت هناك إرادة حقيقية لأي انتقال ديمقراطي في مصر، فإن ذلك يستلزم إجراء دستوريا يؤسس لجمهورية برلمانية، يتم من خلاله الفصل بين سلطة السيادة يتولاها رئيس الجمهورية الذي لا يمارس سلطة تنفيذية، ولا يتحمل بالتالي مسؤولية سياسية، وبين "سلطة الحكم"، تتولاها حكومة يشكلها الحزب أو الأحزاب التي تفوز بالأغلبية في انتخابات عامة نزيهة، حكومة تتقدم إلى البرلمان ببرنامجها السياسي قبل ممارسة مهامها وتحصل على ثقة البرلمان على أساس هذا البرنامج وتكون مسؤولة عن تنفيذه، وعن ممارستها للسلطة التنفيذية التي تنفرد بممارستها.

إن الانتقال إلى مثل هذا النظام من شأنه معالجة الكثير من مشكلات العمل السياسي التي تمتد إلى الأحزاب السياسية التي ترصدها العديد من التقارير والدراسات التي تهتم بالأحزاب السياسية في مصر. ولا ينبغي الوقوع في فخ ظاهرة "مناهضة السياسة" واستغلال تراجع اهتمام المواطنين بالسياسة وعزوفهم عن المشاركة في المؤسسات السياسية الرسمية، والتوسع أكثر في إضفاء الطابع التكنوقراطي على العمل السياسي، لأن ذلك يؤدي إلى عزل الجمهور، الذي يتأثر بقرارات الحكومة دون أن يكون له صوت في اتخاذها. إن الوظيفة الأساسية لأي نخبة أو حكومة هي تشجيع المواطنين على المشاركة السياسية لأن في ذلك ضمانة أساسية لحمايتها وللاستقرار السياسي.
-----------------------------------------
بقلم: أشرف راضي


مقالات اخرى للكاتب

التفاهم الأمريكي الإيراني يؤسس لواقع جديد في الشرق الأوسط