14 - 06 - 2026

اقتصاد الجسد وسوق العمل

اقتصاد الجسد وسوق العمل

في خضم الجدل الدائر تذكرت على الفور كتاب الرحلة، والذي صادف ان قرأته في "طرة" وتبادر الي ذهني "الخبيزة"، وهو حي للبغاء المرخص في المحلة، كما ورد في مذكرات القيادي العمالي فكري الخولي الذي يروي مشاهداته للمنطقة خلال سنوات شبابه وتكشف أن الحي لم يكن منفصلاً عن المدينة أو مجهولاً بالنسبة لسكانها، لكنه كان جزءً من الواقع الاجتماعي الذي نشأ حول الصناعة وتجمعات العمال. وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها صادرة عن أحد أبناء الحركة العمالية المصرية، فهي تذكر أن النساء العاملات في هذه البيوت كن في الغالب من خلفيات اجتماعية فقيرة وأن جزءًا من دخلهن كان يذهب إلى صاحبات البيوت أو الوسطاء وهو ما يعكس وجود علاقات اقتصادية تتجاوز العلاقة المباشرة بين مقدمة الخدمة والزبون. ويكشف مثال المحلة أن المدينة الصناعية لم تنتج المصانع والعمال والنقابات فقط و لكنها أنتجت أيضًا أنماطاً اخري بجانبها ولذلك فإن وجود الجنس التجاري في هذه البيئة كان جزءً من التحولات الاجتماعية التي صاحبت انتقال عشرات الآلاف من السكان من الريف إلى مجتمع صناعي جديد.

حين يجري الحديث عن الجنس التجاري في مصر تنصرف المناقشات عادة إلى مساحتين متناقضتين الأولى أخلاقية ترى الظاهرة انحرافاً يجب مكافحته، والثانية قانونية تنظر إليها باعتبارها جريمة أو مخالفة تستوجب العقاب وبين هاتين المساحتين من المناقشة يضيع سؤال أكثر أهمية ماذا يخبرنا انتشار الجنس التجاري عن طبيعة المجتمع نفسه، وما الذي تكشفه هذه الظاهرة عن توزيع الثروة والسلطة والفرص بين طبقاته المختلفة؟

فالجنس التجاري ليس مجرد علاقة بين بائع ومشترٍ لخدمة جنسية، لكنه هو في الحقيقة علاقة اجتماعية واقتصادية نشأت داخل ظروف تاريخية محددة، وهو شأنه شأن أي نشاط اقتصادي آخر لا يمكن فهمه بعيدا عن الفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي وشروط العمل السائدة في المجتمع. ففي المجتمعات الطبقية لا يدخل الجميع إلى سوق العمل من الموقع نفسه، فهناك من يمتلك رأس المال والعقار والميراث والتعليم والعلاقات الاجتماعية، وهناك من لا يمتلك سوى قوة عمله لكن حتى قوة العمل نفسها ليست متساوية. فالعامل في المصنع يبيع جهده العضلي والموظف يبيع مهاراته الذهنية، بينما يجد البعض أنفسهم مضطرين لبيع أكثر ما يملكون خصوصية أي أجسادهم وعلاقاتهم الإنسانية من أجل البقاء، ليصبح الجنس التجاري أحد أكثر أشكال العمل تعبيرا عن منطق السوق الرأسمالية في صورتها القصوى، ففيه لا يجري تسليع سلعة مادية أو خدمة عادية، لكن يجري تسليع الجسد ذاته وتحويله إلى مصدر دخل مباشر. وما يبدو للكثيرين خياراً فردياً أو سلوكاً شخصياً هو في حالات كثيرة إن لم تكن جميعها نتيجة مباشرة لموازين القوى الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع.

وتمثل أيضا تلك التجارة انعكاساً مباشراً لشكل النظام الحاكم والسلطة. ففي العصر الفاطمي ظهرت تلك التجارة للعلن وتم فرض ضرائب علي ممارسيها أو ما كان يطلق عليه "بيت الزواني"، وكانت الضرائب المفروضة عليه تُسمى "الحقوق السلطانية والمعاملات الديوانية"، ومع عصر المماليك كانت الأوضاع الاقتصادية لكل سلطان هي التي تحدد علانية او سرية هذا النشاط، ففي الرخاء تمنع الضرائب ومعها علانية النشاط، وفي وقت الأزمة تعاد الضرائب ومعها العلانية، وصولًا للعصر العثماني، أول من دون لذلك النشاط لإحصاء الضرائب المفروضة واصبح هناك ما يسمي "الجاوشية"، وأشهرها "جاوشية باب اللوق" و"شيوخ العراصات"، وهم رجال الدولة المنوط بهم جمع الضرائب وإحصاء بيوت الدعارة والتي كانت تعرف باسم "الكراخانات". وخلال النصف الأول من القرن العشرين، كانت لفترات طويلة خاضعة للترخيص والرقابة الرسمية، وكانت الدولة تعرف أماكنها والعاملين فيها، وتفرض عليه إجراءات صحية وإدارية، باعتبارها واقعاً اجتماعياً قائماً، لا يمكن تجاهله. ولم يكن وجوده حينها تعبيراً عن قبول اجتماعي، بقدر ما كان اعترافًا بوجود طلب اقتصادي مستمر عليه، جاء عصر الاستعمار الفرنسي وبعده الإنجليزي ليشهد النشاط تطوراً تنظيمياً أكثر ويبرز كرافد اقتصادي رأسمالي مدر لأرباح كبيرة. 

وحينما قامت ثورة يوليو 1952 كانت مصر تشهد تحولات سياسية واجتماعية عميقة ولم يكن ملف البغاء المرخص بعيداً عن هذه التحولات، فقد جاء قرار إغلاق بيوت الدعارة وإلغاء نظام الترخيص في سياق مشروع أوسع، سعى إلى إعادة تشكيل المجال العام وإضفاء طابع أخلاقي وقومي جديد على المجتمع. وكان القرار يحظى بتأييد واسع بين القوى الوطنية والدينية التي رأت في البغاء المرخص أحد رموز الحقبة الاستعمارية وما ارتبط بها من مظاهر الانحلال والتبعية، وخلال الخمسينيات والستينيات شهدت مصر توسعًا ملحوظاً في دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، فقد ارتفعت معدلات التوظيف الحكومي واتسعت خدمات التعليم والصحة وتحسنت أوضاع قطاعات واسعة من الفقراء مقارنة بما كان قائم قبل الثورة ، وبغض النظر عن تقييم التجربة الناصرية ككل، فإن هذه المرحلة اتسمت بمحاولة تقليص بعض أشكال التفاوت الاجتماعي وتوسيع شبكات الحماية العامة، ولذلك إن اتساع فرص العمل والاستقرار النسبي للأجور والخدمات العامة كان يوفر لبعض الفئات بدائل لم تكن متاحة من قبل. فكلما توسعت فرص العمل اللائق تراجعت قدرة السوق على دفع الأفراد نحو أكثر أشكال العمل هشاشة واستغلالاً.

لكن هذا المسار بدأ يتغير تدريجيا مع التحولات الاقتصادية التي شهدتها مصر منذ منتصف السبعينيات. فقد جاءت سياسة الانفتاح الاقتصادي ومع تراجع دور الدولة الإنتاجي وازدياد الاعتماد على آليات السوق بدأت تتشكل أنماط جديدة من التفاوت الاجتماعي، حيث نشأت طبقات ثرية جديدة راكمت ثروات كبيرة خلال فترات زمنية قصيرة، بينما واجهت قطاعات واسعة من العمال والموظفين ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل الدخول الحقيقية، وبدأت المدن المصرية تشهد مشاهد أكثر وضوحاً للتناقض بين الثراء الفاحش والفقر الشديد وفي مثل هذه البيئات ينمو الجنس التجاري كجزء من اقتصاد أوسع قائم على استغلال الحاجة. فكلما اتسعت الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون، ازدادت قيمة الجسد بوصفه موردا اقتصاديا أخيرا لدى الفئات الأكثر هشاشة، ومع تطبيق برامج الخصخصة والتحرير الاقتصادي خلال العقود التالية ازدادت هشاشة سوق العمل المصري، فملايين العمال وجدوا أنفسهم في وظائف مؤقتة أو غير مستقرة أو خارج مظلة التأمينات الاجتماعية، كما ارتفعت معدلات العمل غير الرسمي بصورة كبيرة وأصبحت قطاعات واسعة من المجتمع تعيش في ظل غياب الأمان الاقتصادي.

من اللافت، أن النقاش العام حول الجنس التجاري  ظل أسير المقاربات الأمنية والأخلاقية والحقوقية في أغلب الأحيان، بينما جرى تجاهل التحولات الاقتصادية التي كانت تعيد إنتاج البيئة الاجتماعية الحاضنة له، وكأن المشكلة تكمن في الأشخاص الذين يمارسون النشاط لا في الظروف التي تدفعهم إليه، فالتركيز على السلوك الفردي يسمح بإخفاء المسؤولية البنيوية للنظام الاقتصادي، فعندما تُقدَّم الظاهرة باعتبارها نتيجة فساد أخلاقي فردي يختفي الحديث عن البطالة والفقر وانخفاض الأجور والسكن غير الملائم وغياب الحماية الاجتماعية، وتتحول الأنظار من بنية المجتمع إلى الفئات الأكثر ضعفا داخله والتي تتعرض للإدانة الاجتماعية وهي الفئات نفسها التي تتحمل العبء الأكبر للفقر والتهميش، أما القوى الاقتصادية التي تنتج هذا التهميش فلا تتعرض للقدر نفسه من النقد أو المحاسبة، أو عندما يتم التركيز علي الجانب الحقوقي للعاملات في هذا النشاط والمطالبة بتحسين بعض شروط استغلالهن، نذهب للحديث عن أن حمايتهن في ظل تلك البنية الاقتصادية كأنه استسلام للواقع المفروض عليهن، ونتغاضى عن السؤال المتعلق بالشروط التي تجعل الإنسان مضطرا إلى تحويل أكثر جوانب حياته خصوصية إلى وسيلة للعيش. 

فحين يصبح الجسد نفسه أصلا اقتصاديا قابلا للبيع والشراء، فإن المشكلة تكمن في النظام الاجتماعي الذي لم يترك لصاحبه بدائل كافية خارج منطق السوق. ومن هنا يمكن النظر إلى الجنس التجاري باعتباره مؤشراً اجتماعياً على مستوى العدالة داخل المجتمع.
------------------------------
بقلم: حسن البربري 

مقالات اخرى للكاتب

اقتصاد الجسد وسوق العمل