عندما يصبح بيع الوطن سياسة اقتصادية، يبرز السؤال الأخطر: من يملك حق التصرف في إرث الأجيال؟ وهل الأرض التي صنع تاريخها الآباء بعرقهم ودمائهم هي ملك للحكومات أم أنها ميراث الشعوب عبر الزمن؟
إن الأوطان ليست شركات قابلة للتصفية، ولا أصولًا تُعرض للبيع كلما ضاقت الخيارات، فالأرض ليست ملكية مؤقتة لمن يحكم، بل ملكية دائمة لمن صنعها وحماها وعاش عليها جيلًا بعد جيل.
وحين تصل الأمم إلى مرحلة تشعر فيها أن مستقبلها يُرهن، وأن ثرواتها تُستنزف، وأن إرثها يُباع قطعةً قطعة، فإن ما يبدو هدوءًا قد لا يكون سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة. فالشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنسى، وقد تتحمل كثيرًا، لكنها ليست بلا حدود. إنها تشبه ذلك البالون الذي يقترب من الانفجار؛ يتمدد مع كل ضغط جديد حتى تأتي اللحظة التي لا يعود بعدها قادرًا على تحمل المزيد.
ومن هنا تبدأ الأسئلة التي يخشاها الجميع: هل يمكن أن يستمر الرهان على صمت الشعوب إلى الأبد؟ أم أن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة هو أن تخلط بين الصمت والرضا، وبين الصبر والقبول؟
ليست المشكلة في مشروع هنا أو طريق هناك، ولا في قطار سريع أو مدينة جديدة أو برج شاهق. فكل هذه الأدوات قد تكون جزءًا من عملية تنمية حقيقية إذا جاءت في توقيتها الصحيح، ووفق أولويات اقتصادية واجتماعية واضحة، وضمن قدرة الدولة على التمويل دون أن ترهن مستقبل الأجيال القادمة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح التنمية مجرد لافتة تُرفع فوق كل قرار، حتى لو كان الثمن هو إغراق الدولة في الديون، أو بيع أصولها الاستراتيجية، أو التفريط التدريجي في ممتلكات الشعب تحت مسميات الاستثمار والشراكة وجذب رؤوس الأموال.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمكن أن يستمر شعب في الصمت إلى ما لا نهاية وهو يرى أجزاء من وطنه تنتقل من ملكية الدولة إلى ملكية الآخرين؟ وهل يمكن للناس أن تقتنع إلى الأبد بأن كل بيع هو استثمار، وأن كل اقتراض هو تنمية، وأن كل أزمة هي مجرد مرحلة مؤقتة في طريق الازدهار؟
قد تستطيع الحكومات أن تسيطر على وسائل الإعلام، وأن تمتلك أدوات الدعاية، وأن تكرر الرواية الرسمية آلاف المرات، لكنها لا تستطيع أن تغير ما يراه المواطن بعينيه في حياته اليومية. فالناس قد تختلف في التحليل السياسي، لكنها لا تخطئ في قراءة واقعها المعيشي، ولا تحتاج إلى خبراء لتعرف الفرق بين الوعود والنتائج.
المشكلة الحقيقية ليست في الديون وحدها، بل في الاعتقاد بأن الشعوب يمكن أن تتحمل أي قدر من الضغوط إلى ما لا نهاية. فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة لا تسقط عادة بسبب خصومها، بل بسبب سوء تقديرها لقدرة المجتمعات على الاحتمال.
إن الأرض ليست ملكًا للحكومات، والحكومات ليست سوى وكلاء مؤقتين على إرث صنعته أجيال متعاقبة بعرقها وتضحياتها. أما الوطن فهو ملك للشعب، والأصول العامة ليست سلعة عادية يمكن التصرف فيها كما يتصرف الفرد في ممتلكاته الخاصة، لأنها تمثل حصيلة تاريخ طويل من العمل والكفاح، وتمثل حق الأجيال القادمة قبل أن تكون حق الجيل الحاضر.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي سلطة هو أن تظن أن الصمت الشعبي موافقة، أو أن الهدوء رضا، أو أن غياب الاحتجاج يعني قبول السياسات القائمة. فهناك فارق كبير بين الصبر والرضا، وبين الخوف والقناعة، وبين الصمت والقبول.
الشعوب تشبه البراكين الخامدة؛ تبدو هادئة لسنوات طويلة، بينما تتراكم في أعماقها الضغوط والغضب والأسئلة بلا إجابات. وعندما يصل الضغط إلى حدوده القصوى لا يعود أحد قادرًا على التنبؤ بلحظة الانفجار أو بحجمه أو بنتائجه.
إن الشعب يشبه بالونًا يمكن الاستمرار في نفخه لفترة طويلة، وقد يظن البعض أن قدرته على التمدد بلا حدود، لكن قوانين الطبيعة لا ترحم الأوهام. فلكل بالون حد أقصى من التحمل، وبعده لا يحدث تمدد جديد، بل يحدث الانفجار.
ولهذا فإن الحكمة السياسية لا تقوم على اختبار قدرة الشعوب على الاحتمال، بل على منع الوصول إلى تلك اللحظة أصلًا. فالدول القوية ليست هي التي تفرض الصمت، بل التي تبني الثقة. وليست هي التي تبيع الأصول لتسد العجز، بل التي تنتج الثروة. وليست هي التي تراهن على ضعف الذاكرة الشعبية، بل التي تحترم وعي الناس وحقهم في معرفة الحقيقة كاملة.
فالتاريخ مليء بأنظمة ظنت أن الشعوب استسلمت، وأن الأمور باتت تحت السيطرة الكاملة، ثم اكتشفت متأخرة أن ما كانت تراه استقرارًا لم يكن سوى هدوء يسبق العاصفة.
وعندما تصل الأمم إلى لحظة تشعر فيها أن مستقبلها يُرهن، وأن ثرواتها تُستنزف، وأن إرثها يُباع قطعةً قطعة، فإن السؤال لا يصبح متى ينفجر الغضب، بل كيف سيكون حجمه عندما يأتي. وعندها لا تنفع الدعاية، ولا تكفي القبضة الأمنية، ولا تستطيع أي قوة أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
فالأوطان لا تُبنى بالديون وحدها، ولا تُحفظ ببيع أصولها، ولا تستقر بإسكات أصوات الناس، وإنما تُبنى بالعدل والإنتاج والشفافية والمشاركة الحقيقية. وما عدا ذلك قد يؤجل الأزمات، لكنه لا يمنعها، وقد يخفي النار تحت الرماد، لكنه لا يطفئها.
--------------------------------------
بقلم: عز الدين الهواري







