18 - 06 - 2026

صوفية الحفر وحرية التصوير عند مجدي عبد العزيز

صوفية الحفر وحرية التصوير عند مجدي عبد العزيز

حين يوصف الفنان الدكتور مجدي عبد العزيز بأنه حفار بدرجة راهب، فإن هذا التعبير لا يقف عند حدود التكنيك، بل يتجاوزه إلى رصد حالة من التبتل الفني والزهد المعرفي داخل محترف الجرافيك. إن الحفر بطبيعته وسيط عنيد، يتطلب صبرا أسطوريا، ودقة صارمة، ومعرفة عميقة بكيمياء المواد والتقنيات الحديثة التي امتلكها الفنان بامتياز، مما خلق فجوة مسافات شاسعة بينه وبين معاصريه.

ومع ذلك، لم يكن هذا "الزهد الجرافيكي" سجنا، بل كان منطلقا نحو فضاء أرحب؛ حيث تماهى حبه للجرافيك مع شغفه بـ التصوير والرسم، لينتج تقاطعا بصريا فريدا يمزج بين صرامة التكوين الجرافيكي وسيولة الشاعرية التصويرية.

في اللوحات الجرافيكية المطبوعة للفنان، نلمس بوضوح تلك "الرهبنة" التقنية التي تطوع الوسيط الحديث لخدمة دلالات تعبيرية بالغة التعقيد والعمق.

في لوحته البناء الهرمي والكتابة، نرى تداخلا مدهشا بين البناء المعماري الهرمي في الأسفل، والكتلة العلوية المحملة بروح الحرف العربي أو التمائم البصرية الصوفية. الفنان هنا لا يحفر على السطح فحسب، بل يحفر في الذاكرة الجمعية، مستخدمًا ملامح وملمسا فائق الدقة يعكس تمكنه من تقنيات التحمير والطباعة الجرافيكية المعاصرة.

وفى لوحة اخرى من خلال التناظر الرمزي والكتلة. تتجلى القوة البنائية في لوحة، حيث يقسم الفنان الفراغ بنوع من التوازن الطقسي؛ كتلة علوية أشبه بالهلال أو الإناء  الغني بالزخارف الدقيقة، تقابلها قاعدة معمارية رصينة في الأسفل. هذا التناوب بين الضوء والعتمة، وبين النعومة والخشونة، يكشف عن وعي جرافيكي يتعامل مع السطح كأنه فضاء فلسفي.

عندما ينتقل الفنان مجدي عبد العزيز إلى التصوير والرسم (مستعينا بالباستيل، أو الفحم، أو الألوان المائية)، فإنه لا ينفصل عن هويته كحفار، بل ينقل حبه للجرافيك إلى وسيط يتميز بالتدفق والحرية العاطفية، راصدا البيئة المصرية بصدق وتناول حميمي.

تناول الفنان العمارة الطينية والبيوت الريفية أو الواحاتية، التى تقودنا عبر ممرات ضوئية ناعمة من خلال بوابات حاطها الفنان بقدسية.  تتجلى البيوت فى اللوحات بكتلها المصمتة وظلالها الشاعرية تحت السماء الزرقاء، حيث يظهر هنا "المصور" الذي يتعامل مع الضوء والظل ليس كأحبار طباعة، بل كنافذة تتدفق منها الحياة.

كما يبرز البعد الإنساني والدرامي كمثال في لوحته التي تصور عاملا يدفع عربته بقوة وعزم في أحد الشوارع الخلفية، وتلوح في الأفق مئذنة تختزل هوية المكان. الخطوط هنا قوية، تعكس الحركة والجهد الإنساني الخشن، مدعومة بظلال فحمية جريئة.

أيضا فى لوحة لفرقة شعبية يتناول الفلكلور والطقوس بحساسية تتجلى فى نبض السطح بحركة صاخبة لفرقة شعبية أو طقس صوفي (المولد)، حيث ترفرف الأعلام الخضراء والحمراء، وتتحرك الدفوف بين أيدي المنشدين. يتكرر هذا الرصد الفلكلوري الحميم ايضا في لوحة البدوية التي تمثل امرأة بزي ريفي أو بدوي تقليدي واقفة بجوار وتد خيمة، في لقطة تعبر عن السكون والوقوف الأنثروبولوجي الجميل في تفاصيل الحياة اليومية.

عندما تنقلت بين لوحات الفنان مجدى عبدالعزيز التى تزين قاعات ضى بالزمالك. الح على سؤال مهم كيف التقى الحفار والمصور داخل روح الفنان؟ لأجد الإجابة فى أن القيمة الحقيقية في تجربة د. مجدي عبد العزيز تكمن في "التبادل المعرفي" بين الوسيطين. وقدرة الفنان على تحقيق تزاوج يؤكد أثر الحفر فى التصوير والخطوط التى  تعود لرصد البيوت والمعمار برؤية جرافيكية، وكان الفنان يبني المشهد بعقلية الحفار؛ حيث التباين الشديد بين الأبيض والأسود، وتقسيم الكتلة والفراغ كما لو كان يحفر بأزميله على لوح خشب أو معدن، مما يمنح رسوماته متانة وهيكلية معمارية صارمة.

وفى المقابل تلاحظ أثر التصوير في الحفر، فنجد الفنان فى بعض أعماله الجرافيكية

لا يكتفي باللون الواحد أو السطح المستوي، بل تتنفس بروح المصور من خلال التدرجات اللونية الغنية، والشفافيات، والبناء الفضائي الشاعري الذي يكسر جمود السطح المطبوع.

لم يكن تنقل الدكتور مجدي عبد العزيز بين الحفر والتصوير مجرد تنويع في الخامات، بل كان تجسيدا لحالة من التكامل الإبداعي؛ فالجرافيك منحه الإنضباط المعماري، والعمق الفلسفي، والتميز التقني الشاسع، بينما منحه التصوير السيولة العاطفية، والارتباط الدافئ بملامح الأرض والإنسان المصري.

الفنان مجدى عبدالعزيز مواليد القاهره ١٩٤٩

تخرج من كلية الفنون التطبيقية عام ١٩٧٣ وعين بها، وحصل على منحة دراسية من هيئة التبادل العلمية الألمانية لمدة عامين من عام 1984إلى 1986.

شارك فى العديد من المعارض الجماعية وأقام العديد من المعارض الخاصة وله مساهمات كثيرة فى الحقل الفنى فى مجالات متعددة مثل التصميم والابحاث والإشراف على الرسائل العلمية . وحصل على العديد من الجوائز المحلية والعالمية منها خمس جوائز أولى (حفر) بمعرض الطلائع من عام 1973 إلى عام 1978. الجائزة الأولى ( حفر ) بمعرض مايو للشباب 1978 . الجائزة الأولى ( حفر ) 1982، الجائزة الثانية ( حفر ) 1983 - بالمعرض العام السنوى . حصل على وسام الفنون والعلوم من الطبقة الأولى 1985 . الجائزة الأولى ( تصميم شعار ) مركز القاهرة الدولى للمؤتمرات بمدينة نصر عام 1989 . جائزة البحث العلمى فى الإعلان بجامعة حلوان 1998 .

ومن الجوائز الدولية، الجائزة الأولى ( حفر ) بينالى الاسكندرية الدولى 1974 . الجائزة الثانية فى فن الملصقات (بينالى القاهرة الدولى الثالث) 1988. جائزة شرفية بينالى الاسكندرية الثامن عشر 1994 . جائزة الرعاة فى بينالى سابورى الدولى للحفر فى اليابان 1996. جائزة شرفية من بينالى بنجلاديش الدولى الخامس للفنون 1999، وجائزة الترينالى فى ترينالى مصر الدولى الرابع لفن الجرافيك 2003 .

وله مقتنيات بمتحف الفن المصرى الحديث بالقاهرة . متحف الفن الحديث بالنرويج . دار الاوبرا المصرية . جريدة الأهرام . جريدة الأخبار . سفارة مصر بنيودلهى - الهند. ولدى الأفراد فى مصر والعالم.
---------------------------------
بقلم: د. سامى البلشى