قال المفكر العربي الكبير الدكتور عصمت سيف الدولة: العبرة في معرفة آي نظام ليست في دعاواه التفصيلية ولكن في اكتشاف قانونه العام .
تلك المقولة شكلت قناعاتي منذ صدر الشباب ومكنتني من معرفة كافة الأنظمة والقوانين التي تحكم العالم، ومن بينها كانت حقبة المقدوني الفاسد بائع الدخان محمد علي وغباء رجال الدين في زمانه الذين تحايل بعضهم عليه لكي يدمر الدولة، وبعض رجال الدين على مدار تاريخهم أداة تدمير العالم الاسلامي بمؤامراتهم المتواصلة واستخدام الدين كأداة لتمرير كافة أشكال الدكتاتورية، وأخيرا وليس آخرا الدويلات التي تم استخدام الدين فيها كأداة للدكتاتورية مثلما يحدث في منطقة الخليج العربي واستيلاء بني صهيون على مقدرات المنطقة، وكذلك الدكتاتوريات المتمثلة في حكم من يدعون زوار انتسابهم لآل البيت ومروا بالاحتلال الانجليزي البغيض على النفس والقلب واحتلال كل الدول العربية من قبل الدول الاستعماريه الاوروبيه، وانعطافا على مرحلة الصحوة العربية وانبعاث شعاع القومية العربية المشرف على كافة ربوع الوطن العربي، ثم التأمر على الحلم العربي وظهور دولة الكيان الصهيوني والأنظمة العميله لها ودورها في إخراج مصر من ساحة الصراع العربي الصهيوني وضرب الحلم القومي العربي سواء في مصر او في العراق او ليبيا، وكذلك انقضاء آجال بعض الزعماء العرب الذين كانو يجسدون الحلم العربي في الوحدة والاتحاد ،وعلو نجم انظمة خانعه كل هم حكامها ان يظلوا في كراسيهم مهما دفعوا الثمن من خنوع ومذلة وتأمر وتعاون مع عدوة العرب رقم واحد وهي أمريكا ودول الاستعمار الاوروبي وعلى رأسها رأس الافعي بريطانيا سبب بلاوي الكون كله.
يُشكل "الانكفاء الاجتماعي" في كافة أرجاء الوطن العربي من المحيط للخليج وما يرافقه من تآكل في الثقة بين المواطن ومؤسساته متغيرا هاماً لا يمكن فصله عن القدرة الكلية للأنظمة الخانعه على إدارة أزماتها الجيوسياسية.. ففي علم الاجتماع السياسي تُعد "الجبهة الداخلية" الركيزة الأساسية لأي صمود استراتيجي، وعندما تتحول هذه الجبهة إلى كيان هش يعاني من الاغتراب عن قرارات الدولة فإن ذلك يخلق فجوة استجابة قد تقوض أعتى الترسانات العسكرية وكذلك السياسات الإقليمية.
تعتمد قدرة أي نظام سياسي على التعامل مع الأزمات الجيوسياسية الطارئة على الالتفاف الشعبي أو على الأقل على "الاستقرار السلبي" للمجتمع.. بيد أن حالة القلق الاجتماعي المزمن التي تعيشها الحالة العربية اليوم، والتي تغذيها الأزمات المعيشية وانعدام اليقين تجعل الشارع في حالة من التوجس الدائم.. هذا الانكفاء يعني أن السلطة تفقد "الرصيد النفسي" الضروري لتحمل أعباء التصعيد مع الخارج؛ ففي لحظات الأزمات الكبرى يحتاج النظام إلى مجتمع متماسك وقادر على تحمل تبعات العقوبات أو التوترات الأمنية، بينما نجد في حالة نظم الحكم الأعرابية الحالية من مشيخات لاحق لها في الحياة إلى رؤساء كمسميات بينما هم في حقيقتهم دكتاتوريين ولكن في ملابس رئاسية أبديه فلم يشهد التاريخ العربي سوى حالة او حالتين تنازل فيها الـــــــــــ رؤساء عن ملكهم العضود لصالح غيرهم وهذا يفسر غياب كلمة رئيس سابق وأن وجد كلمة سابق في دولة من دول المشيخات البترولية فسوف يجدها في حالة واحدة وهي تنازل امير احدى المشيخات لولده بعد ان كان قد قاد إنقلابا على ابيه وقهره حتى مات؟
إن المجتمع العربي تيجة ضغوطه الخاصة بات يرى في التوترات الجيوسياسية مزيداً من استنزاف موارده المحدودة مما يضعف حالة المرونة السياسية لدى صناع القرار.
إن الانكفاء الاجتماعي يؤدي بالضرورة إلى تجزئة الاهتمامات الوطنية.. فعندما ينشغل المواطن بتأمين أساسيات البقاء تتراجع التعبئة الوطنية حول القضايا الاستراتيجية الكبرى؛ هذا التباعد يجبر الدولة على المزيد من التركيز على "الأمن الداخلي" لضمان السيطرة مما يقلص من الموارد السياسية واللوجستية المتاحة لمواجهة التحديات الخارجية، وبذلك تصبح الأزمات الجيوسياسية الطارئة (مثل توترات إقليمية أو صدامات دولية) عوامل ضغط مضاعفة؛ فهي من جهة تتطلب حشداً للقدرات الوطنية، ومن جهة أخرى تجد هذه القدرات مقيدة بقيود الشارع وحالة التململ الاجتماعي مما يجعل هامش المناورة لدى السلطة ضيقاً للغاية.
تعد المعركة الإعلامية جزءاً أصيلاً من أي مواجهة جيوسياسية في إيران، وقد أدى إنعدام الثقة القائم منذ 1970 بعد رحيل جمال عبدالناصر في مصر، وبعد قيام أنور السادات بإجهاض نصر القوات المسلحة المصرية على الصهاينه في 1973 واتفاقيات كامب ديفيد المشئومة أدى بالمؤسسات إلى خلق فجوة بالإدراك الجمعي؛ حيث لم تعد الرواية الرسمية حول التهديدات الخارجية تحظى بالقبول التلقائي لدى قطاعات واسعة من الجيل الشاب والمثقفين.. هذا الانفصام يضعف "قوة الردع المعنوي" للدولة حيث أنه في حال وقوع أزمة طارئة لن تجد السلطة مجتمعاً موحداً خلف سرديتها الأمنية بل ستواجه مجتمعاً متشككاً يفسر الأحداث من منظور مصلحته الفردية ونجاته على المستوى الشخصي وليس من منظور الأمن القومي، وإن هذا الارتياب ليجعل من الصعب على النظام استخدام "الورقة الشعبية" كأداة ضغط في مفاوضاته الخارجية.
إن الخطر الحقيقي الذي يفرضه الانكفاء الاجتماعي يكمن في كونه استنزافاً صامتاً ومنهكاً.. فبدلاً من التركيز على تحديث الاقتصاد أو مواجهة التحديات الإقليمية تظل السلطة محاصرة في حلقة مفرغة من "إدارة الأزمات الاجتماعية"، وإن النزيف المستمر للكفاءات البشرية الذين يمثلون العقل المدبر والعمود الفقري لأي نهضة ليُضعف من قدرة البلاد على الصمود طويل الأمد؛ هذا يعني أن أي أزمة جيوسياسية قادمة ستجد سلطةً ودولة يعانيان من "فقر في الحلول" ومؤسسات تعاني من "ثقل في الحركة" مما يجعل القرارات الاستراتيجية أكثر عرضة للخطأ أو للتأخير، ولدينا حالة واضحه متمثلة في معالجة النظام في مصر لأزمة سد النهضة المتعثرة حتى الان بل وتلجأ الدولة إلى الشعوذة الدينيه وفرض مقولة الرب الذي يحمى مصر من العطش ونزول المطر المفترض في يد السماء وحدها، لكي يتم التعامل مع الظاهرة الصهيونية والتلويح الأجوف بالقدرة على الردع، بينما في الاصل القرار يجب ان يكون حاسما في مواجهة المخطط الخطير الذي تتعرض له مصر، وكذلك التخبط الواضح في معالجة الدور التركي البغيض والعميل للامبرياليه الامريكيه والصهيونيه في موضوع نهر الفرات وقس على ذلك حالات كثيرة ابرزها الإنكفاء الخليجي على مشروع النهضة الموهومه ومحاولة لعب دور كبير لا تناسب له لا مساحة الدولة ولاحتى قدراتها الماليه مثلما انجرفت بعض الدول الخليجيه في تيار العماله الامريكيه والارتماء في حض الصهاينه جلبا لوهم العالمية ومشروع التنمية الذي لم ولن تتوافر له المقومات الجيوسياسية والجغرافيه وحتى البعد الثيوقراطي، حيث تم طرح مفهوم يتعارض تماما مع الموروث الديني لشعوب المنطقة وهو المفهوم الابراهيمي الدين الجديد المنبثق عن مفهوم مسليمة الكذاب كدين جديد تحت غباء طارحيه وتصورهم انه بالمال يمكن شراء ذمم حكام وشيوخ دين في المنطقة استنادا إلى أنهم من السهل استمالتهم كشيوخ للسلطان .
حتمية التوازن
في المحصلة.. إن قدرة الدولة على التعامل مع المتغيرات الجيوسياسية لا تقاس فقط بعدد الصواريخ أو نفوذ التحالفات بل بقوة وجودة العقد الاجتماعي الداخلي.. وإن استمرار حالة القلق والهشاشة الاجتماعية يحول الدولة إلى كيان "مكشوف" أمام الأزمات حيث يصبح أي توتر خارجي شرارة محتملة للاضطرابات الداخلية.. وعليه فإن الأمن القومي العربي في المرحلة المقبلة لا يعتمد فقط على الجغرافيا السياسية بل يعتمد بشكل أكثر إلحاحاً على القدرة على ترميم النسيج الاجتماعي وبناء الثقة المفقودة قبل أن تتحول التحديات الطارئة إلى أزمات وجودية لا يمكن احتواؤها.
----------------------------------
بقلم: إبراهيم الدسوقي







