14 - 06 - 2026

"يا ورد على فل وياسمين": عودة مصر إلى الشاشة

لا أذكر متى كانت آخر مرة تابعت فيها مسلسلًا بشغف حقيقي. فقد عزفت عن الدراما منذ سنوات طويلة، حتى أصبحت لا أعرف أغلب الممثلين الذين يملأون شاشات الفضائيات اليوم.

لكن "يا ورد على فل وياسمين" أعادني إلى المشاهدة من جديد. ربما لأنني وجدت فيه شيئًا افتقدته طويلًا: الناس العاديين.

شاب من الطبقة الوسطى، لا يسكن كمباوند فخمًا ولا يتحرك في عالم منفصل عن المجتمع، وفتاة شعبية طبيعية للغاية، كأنها نسخة طبق الأصل من عشرات الفتيات اللواتي نعرفهن في الحواري والشقق القديمة والأحياء التي عشنا فيها وعرفنا ناسها. لا نماذج كرتونية ولا شخصيات مصنوعة في معامل الكتابة.

حتى العلاقة بينهما بدت طبيعية بحلوها ومرها، بما فيها من سوء فهم وتناقضات وأحلام صغيرة وانكسارات يومية. لا قصص خارقة ولا بطولات أسطورية.

وجدت نفسي أتابع إلهام وطارق ومن حولهما وكأنني أعرفهم فعلًا. أضحك من المفارقات التي تنشأ بينهم لا من الإفيهات المصنوعة، وأرى في تفاصيل حياتهم شيئًا من الواقع الذي نمر به كل يوم. عالمين يعيشان في البلد نفسها، لكن لكل منهما خريطته الخاصة، وأحلامه الخاصة، ومشكلاته التي قد لا يراها الآخر أصلًا.

والأهم أن المسلسل لا يعتمد على الوصفة التي استهلكتنا سنوات طويلة: فتونة وعضلات وبلطجة وصراخ وتكسير وخبط ورزع في كل حلقة. لا يحاول "يا ورد على فل وياسمين" أن يشد المشاهد بالعنف أو بالتسلط أو بالإفيهات الزاعقة، بل بشخصيات يمكن أن تصادفها في الشارع أو في العمل أو بين الجيران.

حتى بطل المسلسل يبدو النقيض الموضوعي لصورة البطل التي يمثلها رمضان والعوضي وكراره وعمرو سعد مؤخرا والتي هيمنت على كثير من الأعمال في السنوات الأخيرة؛ البطل الذي لا يحل مشكلاته إلا بالقوة، ولا يتحدث إلا بصوت مرتفع، ولا يفرض حضوره إلا بالهيمنة والعنف. هنا نجد إنسانًا عاديًا، يخطئ ويصيب ويتردد ويحتار، ولذلك يبدو أكثر إقناعًا وأكثر قربًا.

أما صبا مبارك فقد قدمت أداءً لافتًا في شخصية إلهام.

ما شدني أكثر من أداء الممثلين جميعًا هو الصدق الذي يسري في العمل كله، وكأن صناعه قرروا أن يعودوا إلى الناس بدلًا من مطاردة الضجيج.

أظن أن أكثر ما أعجبني في المسلسل أنه أعاد إليّ صورة مصر التي نعرفها. مصر الحقيقية بكل ما فيها من مشكلات ومخاض وتناقضات وأحلام مؤجلة. مصر الناس العاديين الذين يحاولون العيش بكرامة وسط ظروف صعبة. لا مصر المصنوعة التي أغرقتنا فيها موجة الفتونة والبلطجة والتسطيح حتى كدنا نظن أنها هي الواقع.

أتمنى أن يكون هذا المسلسل بداية لموجة جديدة تعيد إلى الدراما عالمنا الذي نعرفه ونعيشه، لا العالم الذي يراد لنا أن ننحدر إليه أو نتوهم أنه يمثلنا.
-----------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب