13 - 06 - 2026

إبداعات | الفصل الثالث من رواية مايا (ج2) لمحمد مصطفى الخياط

إبداعات | الفصل الثالث من رواية مايا (ج2) لمحمد مصطفى الخياط

3

بيروت، صيف 2024

تنازعت الهواجس والظنون رأسَ زياد، وجاءته الرسالة بما لم يكن ينقصه من هموم. فما إن قرأها حتى أحسّ أنها تضيف إلى كومة أعبائه عبئًا جديدًا، حتى بدا له أن جبال الهموم المتراكمة فوق صدره قد ازدادت ثقلًا وقتامة.

منذ عدة أعوام وحال مؤسسة النشر ليس على ما يرام. لم تكد المؤسسة تغطيمصروفاتها الحتمية. تآكل رأس المال واضطر مُكرهًا للاستغناء عن كثير منالعاملين الذين ساعدوا في تأسيسها، حاولالتماسك قدر طاقته، تراكمت الديون وأصبحت فوق طاقته،فدعا العمال إلى الطاولة التي جمعتهم كثيرًا في مناسباتهم السعيدة، والتي كان أسعدها حين يُطبع كتاب ويخرج للنور، كانوا ينظرون لكل كتاب جديد على أنه مولود جديد، انضم إلى أسرة دار النشر. لكنهم في هذه المرة التقوه بعيون مفعمة بالحزن تترجرج فيها دموع الانكسار، كانوا يعلمون بحال المطبعة تمام العلم، وكالكثيرين منا عندما تداهمهم الأحداث الجسام، ينكرونها تمام الإنكار، ثم على كُرهٍ هونوا منها، رفض عقلهم الباطن ما تراه أعينهم، ظلوا يهربون من الحقيقة بالسخرية مرة، وبالدعابة مرات، حتى حاصرهم الواقع الأليم، وصار عليهم أن يسلموا بالحقيقة.

جلسوا أمام زياد، وفي داخل كل منهم أمنية أن يفاجئهم كعادته بخبر يقلب الموازين، يعيد للمياه جريانها، وللطيور زقزقتها، وللشمس دفئها، وللسحاب مطره. جميلٌ أن نتمسك بالأمل حتى في أحلك اللحظات، لكن هذا لن ينكر الواقع الأليم، فلا المياه عادت تجري، ولا صدحت حناجر الطيور بالغناء.  

خرج صوت زياد مبحوحًا مشروخًا لا يكادُ يُبين، لكن الحقيقة كانت بينة. انحنت رؤوسهم أكثر، حتى ليظن مَنْ يراهم مَنْ خلفهم أنهم بلا رؤوس. أكتافٌ بارزة بينها فراغ. ساد الصمت، وغلب الكثيرون دموعهم، وارتفع صوت بعضهم بالنشيج، ليس لأن زياد لن يستطيع دفع رواتبهم وصار عليهم أن يبحثوا عن باب رزق جديد. جاء الألم عندما تجولت عيونهم في أرجاء المؤسسة واسترجعت ذاكرة كل منهم مواقف لا حصر لها، فلكل كلمة خرجت من هذه المطبعة، موقف وربما مواقف لا تُنسى. 

جمعتهم الكلمات والحبر والأوراق وضجيج المطبعة لسنوات طويلة. مسودات الكتب، والمراسلات مع المؤلفين والمراجعين،المطبعة وما مرت به من مراحل تطوير. 

ضحكوا معًا، ودمعت عيونهم أيضًا معًا. تعبوا معًا، وحازوا الجوائز سويًا. فرحوا بالكتب معًا، وحزنوا، أيضًا، معًا. صاروا جزءًا من تاريخ دار النشر.

في غرفها قابلوا وصافحوا وتحدثوا مع قامات فكرية، مفكرين وأدباء وشعراء خرجوا من إطار شاشات الفضائيات وجلسوا معهم، تبادلوا التعليقات والنكات وشربوا الشاي والقهوة وغشيهم دخان السجائر، وسجلت الكاميرات عشرات الصور في مواقف مختلفة.

اقترنت فرحة كل عَقدٍ جديد بشغف قراءة نصٍ إبداعي. احتلت الروايات مكانة خاصة لديهم. تتجسد شخصياتها في خيالهم، ويغوصون من خلالها في دهاليز النفس البشرية. عاشوا مع شخصياتها سنوات الشقاء والفرح، وكثيرًا ما قارنوا وربطوا بينها وبين أُناس يعرفونهم، أو بعض الزملاء من داخل المؤسسة، حتى أن بعضهم اكتسب لقب شهرته من اسماء بعض الروايات.

اعتادوا إقامة حفل بسيط مع طباعة كل كتاب، يُدعى المؤلف والعاملون في الدار وتوضع أول نسخة مطبوعة في منتصف الطاولة ومن حولها شمعتان مضيئتان ترحيبًا بالمولود الجديد. ثم يتناول زياد النسخة ويقرأ منها بضعة سطور حسبما اتفق، وكذلك يفعل المؤلف، ثم يتبادلون التهاني ويتناولون بعض الحلويات مع مشروبات ساخنة وباردة يذوب معها المزيد من ثلوج الحواجز النفسية، ثم ينصرفون تغمرهم سعادة ورضا عن النفس. طقس عاشته كل المطبوعات، بما فيها رواية مايا وإن غاب المؤلف عن الحفل التقليدي لوجوده خارج بيروت. لذا عندما وصلتني نسخها في ذات يوم عيد ميلاد مايا، صار احتفالي بها احتفالين.

مر شريط ذكريات طويل على رأس زياد، تداخلت فيه الصور والأحداث من دون ترتيب أو تنظيم، أو علاقة تربط فيما بينها. في لحظات المراجعة تتداعي الصور بترتيب لا حيلة لنا فيه، أقرب لسقوط منشورات ورقية فوق رؤوسنا من طائرة تمرق بسرعة فائقة، تتناثر المنشورات في كافة الأنحاء وتعم الفوضى المكان. هكذا تداعت الصور والأصوات على ذاكرته يجر بعضها الآخر عبر أزمنة مختلفة.. مروره مع والده على العمال. كلمات أبيه وتلقينه أسرار المهنة، رائحة حبر الطباعة. المواءمة بين عمله الخاص في السياحة ومساعدة والده. مرض والده وعدم قدرته على متابعة العمل. أول اجتماع له مع العمال بعد وفاته. نجاحه في بناء شبكة علاقات قوية. التوسع في نشر كتب كبار الكتاب العرب.

بانهيار الليرة اللبناني وتطاير شظاياها في كل الأنحاء تشوهت الأسواق، واشتعلت أسعار السلع، والليرة في غيها تواصل انزلاقها السريع على منحدر أملس ولا يتوقف اندفاعها نحو نهاية محددة، إذ لا قاع لهذا الانحدار.

قفز من المركب كللبناني استطاع شراء تذكرة طيران وتأشيرة سفر، وحاصر ضيق ذات اليد الباقين داخل حدود بلد لا يتورع مواطنوه أن يضحوا بأعمارهم لقاء ساعة سعادة. صار البحث في بقايا صناديق القمامة عن كسرة خبز أمرًا عاديًا، اكتظت صفحات وشاشات التواصل الاجتماعي بصور الباحثين عن فتات طعام، علق أحدهم ذات مرة أسفل صورة مكب نفايات قائلاً "مجنون كل من ظن أنه سيجد بقايا طعام هنا!!".

أصابت رصاصة الاقتصاد قطاعي السياحة والثقافة في مقتل. قبل الأزمة، كثيرًا ما ساندت عائدات عمل زياد في السياحة، تكاليف نشر الكتب، والعكس صحيح، علاقة تبادلية. قضى سنوات على هذه الحال، لم يشغل باله كثيرًا بتراجع إيرادات النشر، دعم رغبته في الاستمرار سببان؛ الأول وفاؤه لأبيه.

بنى أبوه المطبعة طوبة طوبة على كتفيه، لذا رأى زياد في استمرارها امتدادًا لأبيه يعوضه – بعض الشيء - عن غيابه بالوفاة، والثاني أن أرباحه من السياحة تمنحه في نهاية العام ربحًا عامًا يشجعه على الاستمرار. 

بتدهور السياحة، صار الوضع أكثر إيلامًا؛ أغلق المكتب بالضبة والمفتاح مرغمًا، وألقي بكل ثِقَله على المطبعة رغم يقينه أنها لن تصمد كثيرًا، لكنه عاند وحاول، ووقع ماكان يحذره.

لعقود طويلة تقاسمت بيروت والقاهرة الأدوار، القاهرة تفكر وبيروت تطبع. قدمت القاهرة مفكرين من طراز لطفي السيد وطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ومحفوظ، في موجات فكر متتابع، وقدمت بيروت رجال أعمال مغامرين؛ أسس سليم وبشارة تقلا جريدة الأهرام، وأسست روز اليوسف مجلة وجريدة باسمها، وأصدر يعقوب صروف جريدة المقتطف، وجرجي زيدان مجلة الهلال، وغيرهم كثيرين.

استطاع زياد بناء علاقات إنسانية قوية مع كُتاب ومفكرين وشعراء من كافة الأقطار العربية، واكبها ميلاد أعمال صنعت شهرة الكثيرين. عاش تجارب عديدة مع كل كتاب أصدره، يفرح برائحة النسخة الأولى، وكان تكرار الطبعات يعني أنه على الطريق الصحيح، كل طبعة جديدة مؤشر للنجاح والتميز، وكذلك ارتفاع العائدات.

تراكم لديه قدر كبير من الذكريات مصدره تلك المطبوعات المتراصة إلى جوار بعضها البعض على أرفف المطبعة، وظلت تلك الرواية، "مايا"، فريدة في أحداثها، غريبة في ملابساتها.

من أول يوم مد يده إليها وهو يتوجس منها، لا يعرف لماذا، شعور باطني غير مفهوم، ربما لأن الاتفاق على طباعتها جاء فرط صدفة يوم قابلته عَرضًا على مقهي في شارع الحمرا، تجاذبنا أطراف الحديث عن مشاغل الحياة والكتب، وأخبرته برحيلي بعد أيام للعمل بمقر الأمم المتحدة في تشيلي وفي نفس الوقت عكوفي على كتابة رواية اختمرت أفكارها ومحاورها في ذهني، حينها أشار زياد للنادل بأن يحضر لنا قطعتي كيك "بلاك فورست" وكوبي قهوة إضافيين، بدون سكر، ثم بادرني بطلب الاطلاع عليها، حتى ولو مسودة، فأجبته بأنني ما زلت في المسودة الأولى، أُصوب وأُعدل أكثر مما أُضيف، وأنني سأُسافر خلال يومين، ثقة فيّ، وعلى غير عادته، طلب إبرام العقد حتى من دون معرفة اسم الرواية، وكان ما كان بعدها حتى أذِنَ الله بطباعة الرواية. لماح هو زياد وصيادٌ ماهر يشم رائحة الفرصة فيلتقطها، وأحيانًا يصنعها. الناشر الماهر لا ينتظر حتى تكتمل الرواية ليحكم عليها، يستطيع من فكرتها، ومن قراءة الصفحات الأولى أن يقرر ما إذا كانت صالحة للنشر أم لا؟ وما ستحققه من نجاح.

أفاق زياد من شروده، وعاودته الهموم وغشت وجهه سحابة كدر، لم يتخيل يومًا أن تتسبب رواية نشرها ذات يوم في كل هذه الآلام، كم نشر من كتب أحدثت ضجيجًا ودويًا في فضاءات الثقافة والأدب، وانقسم النقاد والقراء حولها بين مؤيد ومعارض، دون أن تؤثر فيه بشيء، كان هذا من طبيعة عمله، بل كثيرًا ما كان الصخب حول عمل فكري سببًا في مزيد من الشهرة، القارئ يجذبه الفضول أكثر من العمل نفسه!

لكنه اليوم يواجه تبعات إنسانية مؤلمة منذ قرأ تلك الأوراق، يصعب تجاوزها. لم يكن ليتخيل هذا الهم الإنساني لمجرد أنه نشر تلك الرواية. مارس عمله بشكل طبيعي، كان يعلم أنها مقتبسة من قصة واقعية، وما أكثر ما نَشرَ ويُنشر في هذا المجال. بل إن الجملة الشهيرة التي تُصَدَر بها بعض الروايات، والتي تقول "هذه القصة من وحي الخيال ولا تمت للواقع بأي صلة، وأي تشابه بين شخصياتها وبين الواقع، هو من وحي خيال القراء"، تكون الإشارة الخفية إلى أنها قصة حقيقية، وأن شخصياتها يعيشون بيننا.

سحب سيجارة من العلبة، وعقد العزم على الاتصال بي لاطلاعي على ما وصله من أوراق، والاستفسارعما إذا كنت قد تلقيت نسخة منها أم لا، وأيضًا لمشاركته التفكير فيما يجب عمله حيال تلك الأوراق.

عقدنا محادثتين هاتفيتين عبر وسائل الاتصال البصري والسمعي، كانت الأولى عامة ومتشعبة عرف منها أنني لم اتلق أية أوراق، وفي الثانية لم يكتفِ بإيجاز مجمل ما قرأ، بل أسهب ما شاء له الله أن يُسهب في التعبير عن مشاعره وهواجسه، بل وحتى مخاوفه. وصله المظروف غير مدون عليه اسم المرسل، إلا أنه كان سهلاً عليه أن يعرفه شخصيته ويستدل عليه عملاً، وإن لم يكن قابله من قبل، بل ويحدد من شكل الخط أذكر هو أم أنثي، فهذا قليل مما علمته مهنته، وكل متمرس في مهنته بحارٌ خبير.

تنهدت بعد ما تخيلت معه مقدار تلك الهموم، وطلبت منه إرسال نسخة من الأوراق لأطلع عليها، وأكدت عليه ضرورة الاحتفاظ بنسخة احتياطية؛ ورقية أو إليكترونية، مخافة ضياعها.

كان من الواضح أن الأمر يشغل زياد على نحو كبير بأبعاده الإنسانية، ففي خلال اليومين التاليين، وصلتني رسالة عبر البريد الإليكتروني مع رابط تنزيل المرفق.

ضغط بلهفة على الرابط ورحت اتابع تحميله بنفس مضطربة وعيون قلقة. ثم ضغطت على أيقونة الرابط فظهرت عدة ملفات يسبق اسم كل منها رقم مسلسل، حدد نقطة البداية وتتابع السرد.

كانت الساعة تقترب من الخامسة عصرًا، عندما انتبهت إلى مكالمة فائتة من فرناندو، فجمعت حاجياتي ووضعت الكمبيوتر في الحقيبة مُرجئًا قراءة الملفات إلى أن أعود للمنزل، ألقيت التحية على فرناندو وجلست إلى جواره ساهمًا ساهيًا مفكرًا في أمر تلك الأوراق، بينما شرع فرناندو – كعادته - في إفراغ شحنة كلامه.

لم أكن حاضرًا حقًا بيننا، فعقلي معلّق هناك عند تلك الملفات المرقمة التي تنتظرني على الشاشة. وبينما كان فرناندو يتحدث، وجدتني أفكر في زياد وحيرته، وفي تلك الأوراق المجهولة المرسل، وكيف أن أمرًا واحدًا غامضًا قادرٌ على أن يفتح أمامك أبوابًا موصدة منذ سنوات. ربما لهذا، حين ودعت فرناندو وركبت السيارة، لم تذهب بي الأفكار إلى الملفات نفسها، بل إلى ذلك الباب القديم الذي ظننته مغلقًا إلى الأبد: باب الأسئلة عن الحب والفقد والمسارات التي اخترناها أو اختارتنا.

ركبت السيارة شارد الذهن أفكر في تراكيب الأحداث وتصاريف الأيام، ورحلة الحياة بمراحلها المتعاقبة الغريب منها والسَويْ. لو عادت بي الأيام ما تصورت ولارسمت هذه المسارات الغريبة. مسار صنعه الحب تحت عنوان "لا مكان للخاسرين في مُدن الحب"، صرتُ مع كل اخفاق أغادر إلى مدينة جديدة، خسرت ريم فغادرت إلى الإسكندرية، وضاعت جيهان فرحلت إلى القاهرة، وفقدت غادة فهربت إلى بيروت، وضاعت مايا فحطت رواحلي في سانتياجو، ومع كل رحلة جديدة تبعد المسافات.

تعب القلب من تكرار الإخفاقات، فأغلقت مدينتي وطوحت بمفتاحها في قاع جب الضياع، فلا جِنّيِ علاء الدين يصل إليه، ولا عفريت الفانوس السحري يعرف طريقه، والأيام سفينةٌ غير عابئة بركابها، تشق طريقها للأمام ولاتعرف العودة للخلف فتصلح ما أفسد الدهرُ.

حاول أليخاندرو إخراجي من عزلتي أكثرمن مرة، وفي النهاية استسلم يائسًا وتركني أحيا بطريقتي. يمر علىّْ من حين لآخر، وغالبًا أيام السبت أو الآحاد، يقضي معي بعض الوقت نتجاذب أطراف الحديث، مرة نغوص في ماضي الأجداد ومرة حاضرنا المشترك، لاحظت أننا لم نتحدث يومًا عن المستقبل، بدا مقطوع الصلة بنا، فتعجبت من المفارقة.

كانت زوجته سانتانا قد وافقت على عودته للبيت بعد قرابة عام من الهجر ذاق فيه عذابات الشتات والوحدة، تكالبت عليه الهموم والمشاكل، أصيبت صديقته روزالينا بكسر في الحوض أدي إلى اجهاضها وألزمها الفراش لعدة شهور، فتولت أمها رعايتها وكان أليخاندرو يمر عليهما من حين لآخر وينفحها بعض المال.

كان ذلك الحادث الذي أدى إلى إصابتها الضربة القاصمة لكليهما، لكنه كان كفيلاً بأن يراجع كل منهما منهج حياته ويكتشف مدى هشاشتها، في المقابل منحت الإصابة روزالينا العزم لتقاوم من أجل أن تعود كما كانت، تفانت في برنامج العلاج الطبيعي، وتقبلت ذلك العرج الخفيف الذي يَبيِن إذا ما استدعى الأمر شيئًا من الهرولة.

واكتشف أليخاندرو عدم قدرته العيش بعيدًا عن سانتانا وابنتيه فاتخذ قراره بالاعتذار، وأقر بأخطائه لروزالينا وطلب منها أن تسامحه عما سببه لها من آلام، فسامحته وتركا للأيام مهمة ردم الماضي، كان من الواضح أنهما أخطئا في حق بعضهما البعض. وكم كانت سعادته كبيرة حين تلقى ذات يوم دعوة لحضور قُداس قرانها، هنأها وقبل رأسها، وأكدا على استمرار التواصل فيما بينهما لكنه في الحقيقة كان آخر لقاء، إذ رحلت مع زوجها إلى مدينة أريكا في أقصي شمال تشيلي، الأقرب إلى حدود دولة بيرو منها إلى العاصمة سانتياجو، وانقطعت أخبارها، وكعادته تكفل الزمن بتحويلها إلى ذكرى تقترن ذكراها بابتسامة تلخص علاقة دامت لسنوات اكتنفها من النزق والجنون أكثر مما غشيها من هدوء وحكمة.

والحقيقة أن أليخاندرو أخلفي توبته، وإن لم يخل الأمرمن بعض طرفة أو نكتة، حين ترسل له سيدة نظراتٍ تحمل من الرسائل الـمُشفرة ما يعرف مغزاها ومعناها، تعيد له ذكريات وتاريخ غزواته في عالم النساء فيطمئن أنها لا تقل عن خبرة فاسكو دي جاما وكريستوفر كولومبوس في اكتشاف الدروب والقارات المجهولة، لكنه لا يكاد يشرع في فرد قلوع مراكبه تأهبًا للإبحار في محيطات وخلجان عالم النساء حتى يرن في رأسه صدى ناقوس الذكريات، وأنه صار مهددًا بعد ما أقسمت سانتانا عليه - وما قسمها بالشيء الهين - أنه إن عاد إلى سيء صنائعه تلك فلا يلومن إلا نفسه.

كان وجهها يكفهر حين تقسم، وتصبح عيناها فوهتا فرن يلقي صهده على العابرين والمقيمين، وتكاد عروق رقبتها تنفر منها. متدينة بطبعها، ورثت عن أبويها التزامهما بالدين، وكادت تصبح راهبة، إلا أن أمها عارضتها، فأكملت طريقها واندمجت في الحياة دون أن يُنسيها ذلك قربها من الله.

سألتُه مرة مُداعبًا، وكنا نتجول في أحد المجمعات التجارية الكبرى عندما مرت إلى جوارنا امرأة بارعة الجمال والتقاسيم، ترتدي زيًا نُحِتَ على جسد خُرِطَ كأحسن ما يكون الخرط، مع طول ظاهر، نظرت نحوه وقلت مُشاغبًا إياه؛ "أظنها تنظرنحوك؟ .. هل تعرفها؟"، ثم أردفت "أشم رائحة غير طبيعية تفوح حين تضج خلاياك بصهد الحنين"، فعقب سريعًا ضامًا كفيه حول رقبته، كأنما يخنق نفسه،

- يكون آخر أيام عمري يا عزيزي..  متي أقسمت سانتانا فلا رحمة ولا شفقة!!

فعقبت محاولاً استكشاف عالمه الخفي،

— وكيف لها أن تعرف.. هل تظنني أفشي سرك؟

- بالطبع لا .. لسانتانا حاسة خفية تشُمُ بها رائحة الخيانة من بعد ألف ميل.. ولن يفلح معها شيء لإخفاء الجريمة!

ثم نظر في عينيي وتساءل بجدية "هل تعرف أقل ما يمكن أن يصيبني منها؟"، ولم ينتظر إجابتي، فأكمل وهو يهز رأسه يمينًا ويسارا "أعيش في الشارع مع الكلاب الضالة.. إنها امرأة شرسة إن سطوت على كبريائها وكرامتها.. وبالغة الطيبة والتسامح حين تعاملها كحبيبة.. آه من النساء يا عزيزي.."

فبادرته بلهجة مسرحية رافعًا ذراعيّ كأنما محام في جلسة مرافعة يستعرض فيها كل مهاراته، "وهل تظنني أتركك؟.. سوف اصحبك لتقيم معي!!"

نظر نحوي شذرًا، كأنما ينظر إلى معتوه، وقال

- الحياة مع سانتانا أرحم لي من العيش مع رجل مثلك !

أجبته وقد غشا وجهي كله ابتسامة كبيرة غالبت بها رغبتي في الضحك

- أشكرك على صراحتك يا صديقي !

فتوقف عن السير وعاود النظر نحوي، وقال وقد تورد وجهه وأوشك على الانفجار ضحكًا

- أود أن أصارحك بسر

- ....

- لقد وصلت إلى حقيقة هامة بعد معرفتي بك عدة سنوات، لقد تأكدت أنك تائه ساذج ضل طريقه وأوقعه حظه السيئ مع معتوه مثلي!!.. أنت عقابي الدنيوي.. وأنا خطيئتك على الأرض.

-....

فانفجرنا في نوبة ضحك هستيرية دمعت لها عيوننا ونزل دمعها يغسل القلوب من أدرانها الكثيفة ويدفع - قدر طاقته - ما عَلِقَ بها من أشواك الآلام، وطحالب العذابات في مصارف النسيان.

من وقتها يعاودني هذا الحديث المشترك من حين لآخر، وكثيرًا ما يرن في أذني تلخيصه لحياتي في جملة واحدة جاءت على غير ترتيب، إذ جاء به حديث عارض اخترعته أنا قاصدًا مداعبته فإذا به يكشف لي نفسي كأنما أشعة اخترقتني، صرت من بعدها أنظر إلى نفسي نظرتي إلى تائهٍ ساذج قضى حياته في رحيل دائم، من حب إلى عشق، ومن عشق إلى صبابة، سكنتُ مدنًا لم يٌخلق مثلها في البلاد، وأقمت فيها سلطنةَ حبٍ، وعندما هزت نشوة العشق سكانها في المساء أقاموني سلطانًا عليهم، حتى إذا جاء الصباح ألقوا بي بعيدًا خارج أبوابها صعلوكًا تائهًا، بلا اسم ولا عنوان.

* * *

يُتبع
----------------------------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط