11 - 06 - 2026

جرس إنذار قبل فوات الأوان

جرس إنذار قبل فوات الأوان

هل أصبحت البذور المستوردة ثغرة تهدد الزراعة وصحة المصريين؟

في الوقت الذي تخوض فيه دول العالم معارك شرسة من أجل تحقيق الأمن الغذائي والسيادة الزراعية، ما زالت مصر تواجه تحدياً خطيراً يتمثل في الاعتماد الواسع على استيراد نسبة كبيرة من البذور والتقاوي المستخدمة في العديد من الزراعات الاستراتيجية والخضر والفاكهة.

إن القضية لم تعد مجرد قضية زراعة أو تجارة، بل أصبحت قضية أمن قومي وصحة عامة ومستقبل أمة بأكملها، لقد سمع المصريون خلال السنوات الماضية عشرات الروايات والتحذيرات حول تدهور جودة بعض المنتجات الزراعية وانتشار الأمراض المزمنة وارتفاع معدلات الإصابة بأمراض خطيرة. وبين المبالغات والشائعات من جهة، ومحاولات التهوين من المخاطر من جهة أخرى، تضيع الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح

الحقيقة هي أن المواطن المصري من حقه أن يعرف: من أين تأتي البذور التي تُزرع في أرضه؟ ومن يراقبها؟ وما هي نتائج التحاليل التي تجرى عليها؟ وما هي آثارها طويلة المدى على الإنسان والحيوان والتربة؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو أن تفقد السيطرة على الحلقة الأولى في سلسلة إنتاج الغذاء، وهي البذور. فالبذرة ليست مجرد حبة صغيرة توضع في الأرض، بل هي نقطة البداية لكل ما يصل إلى موائد المصريين من خضروات وفاكهة ومحاصيل وأعلاف. ولهذا فإن الدول الكبرى تخصص مليارات الدولارات سنوياً لأبحاث التقاوي والهندسة الوراثية وتحسين السلالات والإنتاج المحلي للبذور.

أين الخلل؟

الخلل لا يكمن فقط في الاستيراد. فالاستيراد في حد ذاته ليس جريمة. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الدولة إلى مستهلك دائم للتكنولوجيا الزراعية دون أن تمتلك القدرة الكافية على إنتاج بدائلها محلياً. والخطر الأكبر يظهر عندما يغيب الإفصاح الكامل أمام الرأي العام عن نتائج الاختبارات والفحوصات الدورية التي تجرى على البذور المستوردة.

إن المواطن المصري لا يطلب المستحيل. إنه يطلب الشفافية. يريد أن يعرف ماذا يأكل. وماذا يشرب. وماذا يزرع. ومن المسؤول عن الرقابة.

أين دور البحث الزراعي؟ هذا السؤال يطرحه ملايين الفلاحين. لدينا علماء كبار. ولدينا مراكز بحثية عريقة. ولدينا تاريخ طويل من الإنجازات الزراعية. لكن حجم التحديات الحالية يفرض مراجعة شاملة لأولويات البحث العلمي الزراعي.

نحتاج إلى ثورة علمية حقيقية. نحتاج إلى الانتقال من دور المستهلك للتكنولوجيا إلى دور المنتج لها. نحتاج إلى أن تصبح المعامل المصرية قادرة على إنتاج أصناف مصرية تنافس عالمياً. نحتاج إلى برامج قومية لاختيار السلالات المقاومة للأمراض والجفاف والملوحة. نحتاج إلى ربط الباحث بالمزارع مباشرة. ونحتاج إلى أن يرى المواطن نتائج هذه الأبحاث على أرض الواقع.

الدواجن والأسماك والخضروات والفاكهة

المشكلة لا تتوقف عند البذور. فهناك ملفات أخرى تحتاج إلى مواجهة جادة: - جودة الأعلاف - متبقيات المبيدات - سلامة مياه الري - الرقابة على المزارع السمكية - تداول الأدوية البيطرية - التلوث البيئي المحيط بالمناطق الزراعية

إن حماية صحة المصريين تتطلب منظومة متكاملة لا تتعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر

المشروع القومي الذي نطالب به

أدعو إلى إنشاء مشروع قومي عملاق تحت اسم: "المجمع القومي المصري لصناعة البذور والتقاوي" وهو مشروع لا يقل أهمية عن أي مشروع قومي استراتيجي شهدته مصر خلال العقود الأخيرة

ويضم: - مدينة متكاملة لأبحاث البذور - بنوكاً وراثية لحفظ الأصول النباتية المصرية - مصانع متطورة لإنتاج التقاوي - معامل للفحص الجيني والبيولوجي - مراكز لتطوير السلالات المحلية - شركات مساهمة مصرية يشارك فيها العمال والفلاحون والمستثمرون الوطنيون - نظاماً رقمياً لتتبع البذور من الإنتاج حتى المزارع

مطالب عاجلة

1. إعلان نتائج الفحوصات الدورية لجميع البذور المستوردة بشفافية كاملة

2. تشديد العقوبات على أي جهة تستورد منتجات زراعية غير مطابقة للمواصفات

3. توسيع برامج إنتاج التقاوي المصرية

4. زيادة مخصصات البحث الزراعي

5. تشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم العلماء والنقابات والفلاحين لمراجعة ملف البذور بالكامل

6. إطلاق استراتيجية وطنية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من التقاوي خلال عشر سنوات

7. نشر تقارير سنوية للرأي العام حول سلامة الغذاء المصري

كلمة أخيرة

إن الدفاع عن صحة المصريين ليس ترفاً، والحديث عن سلامة الغذاء ليس رفاهية، والسعي نحو الاكتفاء الذاتي من البذور ليس حلماً مستحيلاً، إن مصر التي علمت العالم الزراعة قادرة على أن تستعيد ريادتها الزراعية والعلمية إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية العلمية والاستثمار الحقيقي في البحث والإنتاج

إن معركة المستقبل ليست فقط معركة الاقتصاد، إنها معركة الغذاء، ومعركة الغذاء تبدأ من البذرة، فإذا امتلكنا البذرة امتلكنا القرار، وإذا امتلكنا القرار امتلكنا المستقبل.
-----------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي


مقالات اخرى للكاتب

جرس إنذار قبل فوات الأوان