في البدء كان الاسم لا يغري الروائي الحقيقي قراءه بالحبكة وحدها، بل يغريهم أولا بالاسم؛ تلك العتبةِ الأولى التي يقف عندها المتلقي طويلا قبل أن يلج النص.
وحين اختار أحمد الشدوي كلمة "الشبورة" عنوانا لروايته الصادرة عن دار المناهل ببيروت عام 2013م، لم يكن ذلك اختيارا اعتباطيا، بل كان إعلانا ضمنيا عن فلسفة بأكملها.
الشبورة في المعجم المناخي ضباب ثقيل معلق بين الأرض والسماء، لا يخفي الأشياء كلياً ولا يُبيح رؤيتها كاملاً، بل يجعلها في حالة وجود مُبهَم، ظاهرة وغائبة في آنٍ واحد.
وهذا بالضبط ما يصفه الاستهلال الذي اختاره الكاتب من كتاب "سوسيولوجيا الخطاب" وشعاراً للرواية "إظهار ما هو ظاهر، وهو غير ظاهر، لا لكونه مختفياً، بل لكونه ظاهراً بإفراط على سطح الأشياء". فالشبورة إذن ليست الغياب، بل هي فائض الحضور حتى يصير الوضوح ضربا من الغموض.
هذا المفتتح الفلسفي يضع القارئ منذ الصفحة الأولى أمام سؤال جمالي عميق هل الرواية تحجب أم تكشف؟
وهل الكاتب يسرد أم يُعمِّي؟ والإجابة، كما يتضح بتقدم الفصول الثلاثين، أن الشدوي يفعل الأمرين معاً بوعي مقصود.
المرآة المُشوِّشة تقنية الراوي وإشكالية الهوية
يؤسس الشدوي لروايته بنية سردية مراوِغة؛ إذ يُقدِّم شخصيةً محورية لا تكتمل ملامحها أبداً، رجل مجهول الهوية، مجهول الأب والأم والبلد، اسمه "غالب" على سبيل الظن لا اليقين. هذا الرجل يُسلِّم الكاتبَ أوراقاً ويطلب منه نشرها دون تحريف، فيتحول الكاتب إلى وسيطٍ بين راوٍ غائب ونصٍّ يدَّعي الحضور.
هذه التقنية التي يصطلح عليها النقد الحديث بـ"الميتا رواية" أو رواية الرواية، ليست مجرد حيلة فنية لتجاوز إشكالية الراوي المباشر، بل هي موقفٌ فلسفي من طبيعة الكتابة ذاتها. حين يكتب الكاتبُ كتابةً ليست ملكه بالكامل، فهو يُقرُّ ضمنياً بأن كل كتابة هي بالأساس نقلٌ وترجمة وتحريف محايد. النص الأصلي دائماً في مكانٍ آخر، والكاتب دائماً مجرد ناقل يدَّعي الأمانة.
غير أن ما يُميِّز الشدوي هنا هو استثماره لهذة التقنية في خدمة الفكرة الاجتماعية للرواية؛ فشخصية غالب المجهولة الأصل تُجسِّد حالةً واسعة في مجتمعاتنا العربية الإنسان المنزوع الهوية، الذي لا يعرف تماماً من أين جاء، ولا إلى أين يمضي. إنه ليس استثناءً بل نموذجٌ ممتد.
ولا يخفى على الناقد المتأمل أن هذه الشخصية تستدعي إيحاءً أدبياً واضحاً بـ"الجبلاوي" في رواية نجيب محفوظ "أولاد حارتنا"؛ ذلك الجدُّ الغامض الذي تُبنى حوله الأساطير دون أن يُرى. بيد أن الفارق الجوهري أن جبلاوي محفوظ كان مصدراً للمشروعية والسلطة، أما غالب الشدوي فهو مجرد حاملٍ لمذكرات لا يعرف أحدٌ أصالتها. وهذا التحوُّل في دور الشخصية المحورية يعكس تحولاً في الرؤية: من العالَم الذي تحكمه مرجعياتٌ كبرى، إلى عالَمٍ لا مرجعية فيه إلا الشك.
التناقض الأساسي الظاهر والباطن كبنية روائية
يُعلن الشدوي في لقاءاته الصحفية أن رواياته تنتقد "الشعارات الزائفة التي يتغنى بها البعض في وطننا العربي وتأتي ممارستهم مخالفةً لهذه الشعارات"، وأن الرواية تسعى إلى "فضح هذا التناقض بين الظاهر والباطن". وهو ما يصفه كاشفاً في ظاهرة زواج المسيار التي تدور حولها خيوطٌ أساسية من الرواية.
هذا التصريح مهمٌّ نقدياً، لكنه في الوقت ذاته قد يكون مصيدةً للقارئ المستعجل؛ إذ يختزل نصاً متعدد الأبعاد في مقولة أخلاقية أحادية. فرواية "الشبورة" أوسعُ من نقد نفاق اجتماعي بعينه، وإن كان هذا النقد حاضراً ومُستحَقاً. المشكلة الحقيقية التي تنبش فيها الرواية أعمقُ من ذلك إنها مشكلة المجتمعات التي لا تُفرِّق بين ما تؤمن به وما تمارسه، لا لأنها منافقة بالضرورة، بل لأن الشبورة التي تُغشِّي الرؤية قد أصبحت جزءاً من طريقة رؤيتها للعالَم.
ومن هنا يكتسب العنوان بُعده الفلسفي الثاني: الشبورة ليست عاملاً خارجياً يُعيق الرؤية، بل هي جزءٌ من بنية الرؤية ذاتها. المجتمعات التي تعيشها شخصياتُ الرواية لا تكذب وتعرف أنها تكذب، بل هي تعيش في ضبابٍ وجودي تُسمِّيه حقيقة.
اللغة بين العامِّي والخاصِّ رهانٌ جمالي
غير أن هذا الرهان يحمل مخاطره أيضاً؛ إذ إن اللهجات في الرواية قد تُوجد مسافةَ تعجُّب مع القارئ غير المألوف لهذه التعبيرات، مما قد يُعيق الانسياب السردي. والسؤال النقدي المشروع هل الرواية تريد أن تكون جامعةً للقارئ العربي كله، أم أنها تُخاطب قارئاً محدداً يعيش في هذا الفضاء الثقافي المتشابك بين الجزيرة والشام ومصر؟
وهنا يبرز إشكالٌ آخر الرواية تجمع في اللحظة ذاتها بين مرجعيات فكرية كثيفة من هايدغر وإميل سيوران وعبدالله العروي، وبين كلمات عامية كـ"الجفاصة" و"بق البحصة". هذا الجمع يُنتج أحياناً توتراً مثمراً، وأحياناً أخرى يُوحي بانفصامٍ في الخطاب بين ثقافة النص وثقافة الشارع. الكاتب يريد من روايته أن تكون أدبَ النخبة وأدبَ العامة في آنٍ واحد، وهذا تطلُّعٌ نبيل لكنه مُرهِق.
النقول الفلسفية ثروة أم عبء؟
الحق أن النقول الفلسفية في الرواية وظيفتان متعارضتان الأولى وظيفةٌ دلالية إذ تُرسي الفصل في سياق فكري تُعمِّق منه المعنى؛ كحين يستحضر الكاتب هايدغر في حديثه عن الحقيقة كـ"كشف" ليُضيء من خلاله إشكالية الظاهر والباطن. والثانية وظيفةٌ تثاقفية قد تبدو أحياناً استعراضيةً أكثر منها ضروريةً، وكأن الكاتب يُريد أن يُؤكد لقارئه أنه قرأ الكثير.
لكن ثمة تفسيرٌ آخر يُمكن طرحه ربما كانت هذه النقول المُتناثرة تقنيةً قصديةً لمحاكاة بنية الوعي العربي المعاصر المُثقَل بالتراكم الثقافي الذي لا يُهضَم. المثقفُ العربي في كثيرٍ من الأحيان ينقل ويقتبس أكثر مما يُبدع، يستشهد أكثر مما يستنتج. فإن كانت الشخصيات تعاني هذا التناقض بين الادِّعاء والممارسة، فربما كان النص نفسه يعيش تناقضاً مماثلاً بين الاقتباس والابتكار، وهذا يجعل الشكلَ مرآةً للمضمون بطريقة ذكية.
الشبورة والإسكندرية جغرافيا الضباب الاجتماعي
لا يكتفي الشدوي بالشبورة رمزاً للنفاق الاجتماعي، بل يتشابك مع رواية أخرى تحمل ذات التيمة، هي رواية أحمد الشريف "حندوق وشبورة اسكندرية"، حيث الشبورة ضبابٌ البحر المتوسطي يُرادف الضبابَ الوجودي لمجتمعاتٍ كُسِرت في هزيمة 1967 ولم تتعافَ بعد. وهذا التوازي في التوظيف بين روايتَين مُختلفتَي السياق يكشف أن الشبورة بوصفها استعارةً كُبرى باتت تتردد في الوجدان الأدبي العربي كتعبيرٍ عن حالة الالتباس الحضاري.
ما يُميِّز استخدام الشدوي لهذه الاستعارة أنه لم يُوظِّفها في سياق الهزيمة السياسية الكبرى كما فعل الشريف، بل وظَّفها في سياق الهزيمة الأخلاقية اليومية؛ تلك الهزيمة الصغيرة المتكررة في فتوى زواج المصايف، في تناقض الظاهر والباطن، في الازدواجية التي تتشكَّل بها الشخصية العربية حين تتنقل من مكانٍ إلى آخر. وهذا رهانٌ أدبي أكثر دقةً وأشدُّ مكراً.
في حدود المنجز ومواطن الطموح
لا تكتمل دراسةٌ نقدية صادقة دون الإقرار بأن الإنجاز الفني مشفوعٌ دائماً بقيودٍ وتحفظات. والشبورة، بمجمل مكوِّناتها، رواية طموحة تسعى إلى أكثر مما قد تستطيع حكاية واحدة أن تحتمل.
فعلى مستوى البناء، يبدو التوزيع غير المنتظم للعتبات الفرعية على الفصول الثلاثين انعكاساً لعدم اتساق في استراتيجية السرد؛ فبعض الفصول مُجهَّز بمقدِّمات استهلالية عميقة، وبعضها يبدأ مباشرةً دون تهيئة. وهذا التفاوت قد يُقرأ جمالياً كإيقاعٍ متقطِّع مقصود، أو قد يُقرأ نقدياً كعدم تدقيقٍ في البناء الهندسي للنص.
وعلى مستوى الشخصيات، يظل الحضور الطاغي لشخصية غالب في المستوى الوصفي الأول دون أن تتحوَّل إلى شخصية دراماتيكية فاعلة في كثيرٍ من مساحات الرواية. وهذا يُولِّد فراغاً في مركز الثقل السردي يملؤه الكاتب بالمقولات الفكرية، وهو حلٌّ صالح لكنه لا يُغني كلياً عن الحضور الإنساني الحي.
كذلك، ورغم الحرص على التنوع اللهجي والجغرافي، تبقى ثيمة "النفاق الاجتماعي" تدور على المحور ذاته دون أن تنكسر إلى زوايا مفاجئة أو تتحوَّل بطريقة تصدم القارئ وتُعيد تشكيل فهمه. الرواية تُؤكِّد ما يعرفه القارئ العربي سلفاً، وهذا كافٍ لصنع متعة القراءة، لكنه لا يبلغ حدَّ الاكتشاف الحقيقي.
الشبورة كمقترح أسلوبي في الرواية العربية
حين نضع رواية "الشبورة" في السياق الأشمل للرواية السعودية، ندرك أن الشدوي يُقدِّم نموذجاً مختلفاً يُجمع بين الانتماء المحلي والانفتاح الجغرافي والثقافي على العالَم العربي بأسره. الرواية ليست سعوديةً خالصة في موضوعها، بل هي رحلةٌ عربية تبدأ في سوريا وتعبر لبنان وتُطوف القاهرة، وهذا التنقُّل الجغرافي ليس ترفاً سردياً بل هو جوهرٌ في الرسالة.
الفكرة أن التناقض بين الظاهر والباطن ليس خصيصةَ مجتمعٍ بعينه بل هو سِمةٌ عربية جامعة، وأن الشبورة التي تُعمِّي الرؤية مُنتشرةٌ في كل عاصمة وكل بلدة وكل فندق وكل مجلس. هذا الطموح في "العروبة الثقافية للعيب الاجتماعي" يجعل الرواية وثيقةً اجتماعية ذات قيمة حتى حين يتعثَّر الإتقانُ الفني في بعض المنعطفات.
والشدوي حين يُدخل الميتا رواية من باب هذه الرواية، إنما يُؤكِّد أن الكتابةَ نفسها جزءٌ من إشكالية الشبورة أن تكتب عن الغموض يعني أن تقبل بعضَ الغموض في طريقة كتابتك. وهذا وعيٌ جمالي ناضج تجلَّى في بنية النص بصورةٍ لافتة، وإن لم يُكلَّل بالاتساق الكامل.
ضباب خصبٌ أم ظلام مديد؟
في المشهد الختامي الذي تنتهي عنده الفصول، يقف الراوي ويتحدَّق في الأفق الضبابي متسائلاً: "هل يا ترى في يوم ما، فجرٌ غير هذا، سوف تشق الشمس هذا الأفق الضبابي الجاثم على سماء المدينة وناسها؟". وهو سؤالٌ مُعلَّق بلا إجابة.
النقد السهل يرى في هذه النهاية المفتوحة عجزاً عن الحسم. لكن القراءة الأعمق ترى في هذا التعليق فضيلةً أدبية؛ فالرواية التي تعيش في الشبورة لا يحق لها أن تُطفئ الشمسَ فجأةً في خاتمتها. الضباب الذي بنت منه عالَمها لا ينقشع بمجرد وصول الصفحة الأخيرة. وهذا، في نظر هذه الدراسة، هو اللحظة التي يُصبح فيها الشكلُ صادقاً بالكامل مع المضمون.
"الشبورة" رواية تُعلِّم قارئها كيف يقرأ في الضباب: لا ينتظر الوضوح الكامل، بل يتعلَّم أن يتحسَّس الأشياء من خلال ما يُخفيها. وهذا، في نهاية المطاف، ما تسعى إليه الرواية الحقيقية في كل زمانٍ ومكان.
-------------------------------------
بقلم: صبري ممدوح







