أحيانًا يكون الاستمرار في الاستبداد والتطبيع معه كفيلًا للوصول بالحكم إلى صيغة يختلط فيها الحضور المؤسسي الواضح إلى جانب صيغ أخرى تعمل بشكل سري ومخفى على أنظار الملايين. هذه الصيغ تتكون من شبكات المنتفعين والفاسدين والبلطجية، فرغم عدم ظهورهم إلا أن نتائج أفعالهم تبدو واضحة.
فعلى مدار العقد الفائت ظهر بشدة هذا النوع من الصيغ السرية، فيما يُعرف شعبيًا بالكواحيل، والذين يمكن تعريفهم بمجموعة تعمل كواجهات لمتنفذين داخل السلطة بأذرعها البيروقراطية والأمنية. يعمل هؤلاء الكواحيل كوكلاء بأجر، فيظهرون على الممتلكات بمظهر الملاك، إلا أنهم محض أجراء وواجهات تربط بين السلطة والثروة.
هذه الصيغة ليست جديدة على مصر، فكانت لها مقاربات في التاريخ السياسي والاجتماعي المصري وتُعتبر جزءًا من تكوين الطبقات المهيمنة. ففي نهاية عصر العثمانيين كان الوالي يجمع ضرائب من ملايين الفلاحين الذين لا يعرف أحدًا منهم، لكنه كان على علم بأسماء الملتزمين الذين يتقاضون الضريبة من الفلاحين نيابة عنه ليسلموها إليه، فتلك الصيغ ليست جديدة على بلادنا، تتوسع وتضيق فقط حسب اللحظة التاريخية والظرف الاقتصادي والاجتماعي الذي يمر به المجتمع، حين تتراجع المهنية فيه وتضعف الرقابة، ويزيد الفساد المؤسسي والنهب والاستيلاء المنظم على أمواله وثرواته وموارده، لتتركز في أيدي كتلة حاكمة ضيقة.
على مدار تاريخ الجمهورية كان هذا العالم السري سمة من سماته، فدولة يوليو التي جاءت بمشروع للحكم استطاعت من خلاله بناء قاعدة اجتماعية للحكم بفضل قراراتها الخاصة بالعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، وكان الجهاز البيروقراطي آنذاك هو أداة تنفيذ تلك السياسات، إلا أن هذا النموذج أنتج عالمه ورجاله السريين، وكانوا عبارة عن طبقة من موظفي البيروقراطية لديهم امتيازات واسعة وبغير رقيب أو محاسبة، واحتلوا مواقع أعطت لهم السلطة على إدارة موارد ضخمة كيفما شاءوا، وبالشكل الذي أنتج أدوات خفية داخل المؤسسات الرسمية.
ثم جاء التحول الساداتي في السبعينيات وسياسات الانفتاح، والتي لم تنتج رأسمالية صناعية، إنما رأسمالية ارتبطت بالدولة لا بالسوق فيما يسمى برأسمالية المحاسيب. وجاء أثرياء تلك المرحلة من البوتيكات والوكالات التجارية والأراضي، ومن هنا انتقل مركز الثقل من بيروقراطية الدولة التي توزع الهبات إلى الوسيط الذي يراكم الثروة عبر الامتيازات الحكومية. وبذلك لم تتشكل طبقة رأسمالية مستقلة عن الدولة، بل نشأت طبقة من السماسرة والمقاولين ارتبطت مصالحهم بمدى الاقتراب من مركز صنع القرار. وكلما توسع الاقتصاد بهذا الشكل زاد الطلب على تلك الأدوات لتسيير الأمور، أدوات تعمل في الظل كطبقة وظيفية أُطلق عليها في أيامنا الكواحيل، وهم ليسوا مجرد أشخاص منحرفين أو بلطجية أو فاسدين، إنما يؤدون أدوارًا اجتماعية باعتبار أنهم الحلقة التي تصل بين المال والسلطة دون أن يظهر ذلك بشكل مباشر وواضح.
والكاحول لا يهم فيه صفته الوظيفية، إنما قدرته على أن يكون ملاذًا لثروات يمتلكها ويعمل على إدارتها، لأن أصحابها لا يريدون الظهور عليها بمظهر الملاك، لأنها ثروات تكونت من النهب والفساد المؤسسي وبفضل الاقتراب من السلطة وأصحاب النفوذ.
هنا الجمهورية الجديدة لا تأتي فقط كمنظمة للاقتصاد كما كانت الدولة الناصرية، أو موزعًا للامتيازات على السماسرة والوكلاء كما كانت نسختها الساداتية. الجمهورية الجديدة الآن أصبحت فاعلًا اقتصاديًا مباشرًا في مجالات اقتصادية متعددة، إلا أنه ورغم تدخل الجمهورية الجديدة في الاقتصاد فإن ذلك لم ينعكس على أدوارها التنموية وتوزيع الرعاية، وفي المقابل لم يتراجع منطق الوساطة، مما أنتج حالة مزجت بشكل معقد بين دولة تمتلك مقومات اقتصادية وثروات يعتمد تكوينها على القرب من الدولة وشبكات الوسطاء.
ومع اشتداد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتردي الأوضاع المعيشية والانزلاقات الطبقية الحادة في الطبقات الوسطى، أصبحت التناقضات أكثر وضوحًا. فبينما تتراجع فرص الصعود الاجتماعي عبر التعليم والإنتاج، تظهر الثروة وتتحقق بالقرب من مراكز النفوذ ودوائره، وهنا يأتي الكواحيل ليتحولوا إلى رمزية اجتماعية لنمط قائم بالأساس على إنتاج الامتيازات.
فالدولة السرية أو الخفية ليست مجرد مجموعة من الأشخاص، إنما شبكة من العلاقات تسمح بتحويل السلطة إلى ثروات، وهي شبكات لا تعمل بمعزل عن الدولة، إنما من داخلها، فالدولة تفتح لها المساحات وتتكامل معها.وبذلك فصعود كاحول أو اختفاء آخر لا يعني أبدًا تغيير البنية، فما دامت الثروة يرتبط وجودها بالاقتراب من السلطة فستظل الدولة السرية تعيد إنتاج نفسها بأشكال ونخانيخ مختلفة.
وأخيرًا نستطيع القول إن دخول الكواحيل لعالم الاقتصاد وإدارة الرأسمال المنهوب يفيد بقزمية رجال الجمهورية الجديدة التي تتناسب مع حجم حكام المرحلة، والتي يسودها صراع على مساحات النفوذ التي تتمدد على نوعية مجال السيطرة من شركات حراسة أو متنفذي الجمارك على الحدود.
مما يفسر كيف أن الحكم ينتج طبقته المسيطرة عبر منظومة تشكلت عبر عقود من التحولات الاقتصادية والاجتماعية، تماهت فيها السلطة مع الثروة بشكل يصعب فصلهما، مما أنتج عالمًا من الوسطاء والواجهات ورجال الظل والكواحيل، وهو عالم يُعتبر جزءًا من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للدولة، وقد يعد أحد مفاتيح فهم كيف تحولت مصر من بلد يقود التحديث في المنطقة إلى دولة يسودها صراع حول مساحات النفوذ وكواحيل لأولئك المتنفذين أصحاب النفوذ وتوزيع وإدارة هذا النفوذ، ومن ثم إنتاج الثروات وتراكمها داخل دوائر سرية.
-----------------------------------------
بقلم: محمد الخولي






