لا أكتب شيئًا شخصيًّا كما يُظن، ولا أعلّق جراحي على الورق، أنا فقط أكتب كمتنفّسٍ أخير، كنافذةٍ أفتحها حين يضيق العالم، وكطريق نجاةٍ كلما أثقلني الصمت.الكتابة بالنسبة لي حياة… لا حكاية، هو المعنى الذي تؤكد عليه المحامية والناشطة الحقوقية الدكتورة حنان البابلي، لكل مَنْ يقرأ كتاباتها ويعتقد أنه سيرة ذاتية، وذلك بمناسبة صدور كتابها الجديد «ذاكرة امرأة نجت» بوصفه تجربة إنسانية وأدبية مختلفة، لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تنفذ إلى أعماق الروح الإنسانية، حيث تتجاور الهزيمة والنجاة، والانكسار والقوة، والفقد والاكتشاف.
الدكتورة حنان البابلي، المحامية المعروفة، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة سفراء الوعي، ورئيس صالون حنان البابلي الثقافي، تقدم في هذا العمل نصًا أدبيًا يفيض بالصدق الوجداني والوعي الإنساني، ويعكس قدرة على تحويل التجربة الشخصية والإنسانية إلى خطاب أدبي يحمل أبعادًا فكرية ونفسية تتجاوز حدود السيرة الذاتية أو البوح العاطفي التقليدي.
لا يقدم الكتاب بطلة خارقة تنتصر بسهولة على أوجاعها، بل يرسم ملامح امرأة عبرت دروبًا شاقة من الخذلان والانتظار والصراع الداخلي، حتى وصلت إلى لحظة الإدراك الكبرى: أن النجاة الحقيقية لا تبدأ من تغيير الآخرين، بل من استعادة الذات، ويتجلى هذا المعنى في العديد من نصوص الكتاب التي تنتقل بالقارئ من دائرة الألم إلى أفق التحرر والتصالح مع النفس.
يتميز الكتاب بلغة شعرية مكثفة تعتمد على الصورة والاستعارة والإيقاع الداخلي، حيث تمتزج الكتابة التأملية بالوجد الصوفي أحيانًا، وبالاعتراف النفسي الصريح أحيانًا أخرى، وتنجح الكاتبة في بناء نصوص قصيرة لكنها عميقة الدلالة، تجعل القارئ شريكًا في التجربة لا مجرد متلقٍ لها.
ومن بين أبرز ما يلفت الانتباه في العمل تلك القدرة على تفكيك العلاقات الإنسانية وكشف مناطق الصمت والخذلان والتعلق والكرامة، حيث تتحول الكتابة إلى مساحة للمراجعة الذاتية واكتشاف الحقيقة الداخلية، فالكتاب لا يتوقف عند حدود الحب والفقد، بل يطرح أسئلة أوسع حول الحرية والهوية والكرامة الإنسانية والقدرة على النهوض بعد السقوط.
كما يكشف العمل جانبًا آخرا من شخصية الكاتبة، يتمثل في وعيها العميق بقيمة العدالة والمهنة والكرامة، وهو ما يظهر في بعض النصوص التي تستحضر تجربتها القانونية ورؤيتها الأخلاقية للمحاماة ورسالتها الإنسانية، في تداخل لافت بين الخبرة المهنية والحس الأدبي.
ويُحسب للدكتورة حنان البابلي أنها لا تكتب من موقع الضحية، بل من موقع الإنسان الذي خاض المعركة وعاد منها أكثر وعيًا بنفسه وبالعالم.
لذلك يأتي عنوان الكتاب «ذاكرة امرأة نجت» معبرًا بدقة عن جوهر التجربة؛ فالمسألة ليست ذاكرة امرأة عاشت الألم، بل ذاكرة امرأة استطاعت أن تتجاوزه وتعيد بناء ذاتها من جديد.
إن هذا الكتاب لا يُقرأ باعتباره مجموعة نصوص وجدانية فحسب، بل بوصفه شهادة أدبية على قدرة الإنسان على النهوض بعد الانكسار، وعلى تحويل الجراح إلى معرفة، والوجع إلى حكمة، والتجربة الفردية إلى معنى إنساني مشترك.
في «ذاكرة امرأة نجت» تؤكد الدكتورة حنان البابلي أن الأدب الحقيقي لا يكتفي بوصف الألم، بل يمنح القارئ القدرة على تجاوزه، وأن النجاة ليست نهاية الحكاية، بل بداية ميلاد جديد أكثر نضجًا ووعيًا وحرية.







