صدر مؤخرا تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بعنوان "مراجعة جودة الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر"، ليقدم قراءة مختلفة لمسألة الاستثمار الاجنبي المباشر في مصر فالتقرير لم يركز على قياس حجم التدفقات الاستثمارية، بقدر ما ركز علي قياس النتائج الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها، وهو موضوع مهم لأن النقاش الرسمي في مصر يركز غالبا على قيمة الاستثمارات التي تدخل البلاد، وعدد الاتفاقيات الموقعة والمشروعات التي يتم الإعلان عنها، بينما يركز التقرير على أسئلة مختلفة تتعلق بالإنتاجية والابتكار وجودة التشغيل ونقل التكنولوجيا وقدرة الاقتصاد المحلي على الاستفادة من وجود الشركات الأجنبية.
تكشف بيانات التقرير أن مصر نجحت خلال العقد الأخير في الحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية، رغم الاضطرابات الاقتصادية العالمية، فتدفقات الاستثمار الاجنبي ارتفعت بصورة مطردة وأصبحت تمثل نسبة أكبر من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بفترات سابقة، لكن ظل الاقتصاد المصري يعاني من مجموعة من الاختلالات الهيكلية التي لم تنجح هذه التدفقات في معالجتها بصورة كافية، حيث توضح نلك البيانات أن الناتج المحلي الإجمالي المصري، حقق متوسط نمو سنوي بلغ 4.3% خلال الفترة من 2000 إلى 2023 مقابل 3.3% لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا و1.8% فقط لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ما يعطي انطباعًا بأن الاقتصاد المصري حقق أداء أفضل من العديد من الاقتصادات المقارنة، لكن عند الانتقال إلى نصيب الفرد من الناتج تظهر صورة مختلفة، فالدخل الفردي لم يتحسن بالوتيرة نفسها .
المعضلة التي يطرحها التقرير لا تتعلق بمعدل النمو الاقتصادي بل بطبيعته، فالاقتصاد المصري استطاع تحقيق نمو كمي، لكنه لم يحقق بنفس الدرجة نموًا في الإنتاجية، فقلد ارتفعت إنتاجية العمل بمعدل سنوي متوسط بلغ 2% فقط خلال الفترة 1991-2022، ولكنه معدل أقل من اقتصادات صاعدة مثل بولندا التي سجلت 3.6% وتركيا 3% وإندونيسيا 2.6%. هذه النتيجة تقود إلى نقطة أكثر أهمية وهي أن الاستثمار الاجنبي الموجود في مصر يرفع حجم النشاط الاقتصادي لكنه لا يرفع بالقدر نفسه قدرة الاقتصاد على إنتاج قيمة مضافة أعلى، و السبب الرئيسي يعود إلى طبيعة القطاعات المستقبلة للاستثمار.
فخلال عامي 2023 و2024 استحوذ قطاع التشييد والبناء وحده على 49% من تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر، بينما حصل قطاع النفط على 14% والقطاع المالي على 7% وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على 3% فقط، وبالمقارنة بالاستثمارات خلال الفترة 2013-2023 نجد ان 45.7% من الاستثمارات ذهبت إلى الطاقة المتجددة و17.5% إلى التشييد والبناء و17.1% إلى النفط والغاز، بذلك نستنج ان ثلاثة أنشطة فقط استحوذت على أكثر من أربعة أخماس الاستثمارات الجديدة وهي قطاعات تعتمد بالأساس على رأس المال بدرجة أكبر من اعتمادها على العمالة والمعرفة والتكنولوجيا المحلية، لذلك تستطيع أن تضيف إلى الناتج المحلي وأن ترفع حجم الاستثمارات لكنها لا تخلق بالضرورة شبكات واسعة من الموردين المحليين، ولا تؤدي تلقائيًا إلى نقل أو توطين التكنولوجيا أو تطوير القدرات الإنتاجية للشركات المصرية.
الاستثمار الاجنبي في مصر.. أزمة نوعية لا أزمة حجم
لا يترك تقرير منظمة التعاون مجالا واسعا للحديث عن نقص الاستثمار الاجنبي في مصر، فالأرقام الواردة في التقرير تؤكد أن مصر استطاعت خلال السنوات الأخيرة جذب تدفقات استثمارية كبيرة، ولكن التقرير يطرح مسألة مختلفة تتعلق بقدرة هذه الاستثمارات على إحداث تحول حقيقي في بنية الاقتصاد المصري. المشكلة التي يكشفها التقرير لا ترتبط بحجم الأموال التي تدخل الاقتصاد بل بما تفعله هذه الأموال بعد دخولها، حيث تشير البيانات إلى أن ارتفاع تدفقات الاستثمار لم يؤد تلقائيا إلى رفع الإنتاجية أو تعزيز الابتكار أو زيادة اندماج الشركات المصرية في سلاسل القيمة العالمية، لذلك فإن تقييم نجاح السياسات الاستثمارية من خلال قيمة التدفقات وحدها يصبح أمرا غير كاف لفهم النتائج الاقتصادية الفعلية.
أحد المؤشرات التي استند إليها التقرير يتمثل في إنتاجية العمل، فرغم أن إنتاجية العامل في مصر بلغت 60354 دولار وفقا لتعادل القوة الشرائية خلال عام 2023 وهو مستوى يفوق متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البالغ 52215 دولار، فإنها لا تزال تمثل نحو 55% فقط من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ 109264 دولارا، والأهم من ذلك أن نمو الإنتاجية في مصر ظل محدودا نسبيًا، فمتوسط الزيادة السنوية في إنتاجية العمل بلغ 2% فقط خلال الفترة 1991-2022 مقابل 3.6% في بولندا و3% في تركيا و2.6% في إندونيسيا، هذه الفجوة تشير إلى أن النمو الاقتصادي لم يتحول بالدرجة الكافية إلى تحسين مستدام في كفاءة الإنتاج ويفسر التقرير ذلك بضعف ما يسميه "القدرة الاستيعابية للشركات المصرية" أي أن وجود شركة أجنبية أكثر تطورا لا يعني بالضرورة أن الشركات المحلية قادرة على التعلم منها أو الاستفادة من التكنولوجيا التي تستخدمها، فانتقال المعرفة يحتاج إلى قاعدة صناعية محلية قوية وإلى إنفاق على البحث والتطوير وإلى مهارات بشرية قادرة على استيعاب التكنولوجيا الجديدة. وهي عناصر لا تزال محدودة في الاقتصاد المصري.
الاستثمار الاجنبي وسوق العمل
يستند جزء كبير من الخطاب الرسمي المرتبط بالاستثمار الاجنبي إلى فكرة أساسية مفادها، أن جذب المزيد من الاستثمارات يؤدي تلقائيا إلى خلق المزيد من فرص العمل، لكن التقرير يقدم صورة أكثر تعقيدا ويطرح تساؤلات حول كفاءة هذه الاستثمارات في توليد فرص العمل مقارنة بحجم الأموال المستثمرة، فيشير التقرير إلى أن مشروعات الاستثمار الاجنبي الجديدة في مصر وفرت أكثر من 275 ألف فرصة عمل مباشرة خلال الفترة 2013-2023 مقارنة بنحو 165 ألف فرصة عمل خلال الفترة 2003-2012 الزيادة تبدو كبيرة عند النظر إلى عدد الوظائف في حد ذاته، لكن تقييم هذه النتيجة يتغير عند قياس عدد الوظائف التي يتم خلقها مقابل كل مليار دولار من الاستثمار وهو المؤشر الأول، فكل مليار دولار من الاستثمار يخلق نحو 1100 وظيفة فقط في مصر، مقابل 1600 وظيفة في المتوسط الإقليمي و2100 وظيفة في متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
المؤشر الثاني الذي يثيره التقرير يتعلق بالأجور. فمن المفترض أن تتمتع الشركات الأجنبية بمستويات أعلى من الإنتاجية والكفاءة وأن ينعكس ذلك على مستويات الأجور. لكن التقرير يلاحظ أن الفجوة الكبيرة في الإنتاجية بين الشركات الأجنبية والمحلية لا يقابلها فارق مماثل في الأجور، هذه النتيجة تكتسب أهمية خاصة لأن التقرير سبق أن أظهر أن الشركات الأجنبية في مصر أكثر إنتاجية من الشركات المحلية بنحو 50%. ورغم ذلك لا تظهر زيادة مماثلة في مستويات الأجور. جزء من العائد الناتج عن ارتفاع الإنتاجية لا ينتقل إلى العمال في صورة أجور أعلى.
الاستثمار الأجنبي وسلاسل القيمة العالمية
يستند جزء مهم من المبررات الاقتصادية لجذب الاستثمار الأجنبي إلى قدرته على دمج الاقتصادات الوطنية في سلاسل القيمة العالمية، فالشركات متعددة الجنسيات لا تنقل رؤوس الأموال فقط بل تنقل معها شبكات الموردين والعملاء وقنوات التصدير والمعرفة الفنية والتكنولوجية، لذلك فإن نجاح الاستثمار الاجنبي لا يقاس بعدد المشروعات فقط، بل بمدى مساهمته في تحويل الشركات المحلية إلى جزء من الاقتصاد العالمي.
بيانات التقرير تشير إلى أن مصر لا تزال أقل اندماجًا في سلاسل القيمة العالمية مقارنة بعدد من الدول المنافسة في المنطقة، كما أن هذا الاندماج لم يتحسن خلال العقدين الماضيين بالوتيرة المطلوبة بل شهد تراجعا في بعض المؤشرات الرئيسية.
يعتمد التقرير على مؤشرين أساسيين لقياس المشاركة في سلاسل القيمة العالمية.
الأول هو المشاركة الخلفية ويقيس حجم المكونات والمدخلات الأجنبية المستخدمة في الصادرات.
الثاني هو المشاركة الأمامية ويقيس حجم القيمة المضافة المحلية التي تدخل في الطلب النهائي للدول الأخرى.
كلا المؤشرين يظهران مستويات أقل مقارنة بعدد من الاقتصادات الأخرى في المنطقة.
يربط التقرير هذه النتيجة بعدة عوامل من بينها طبيعة القطاعات المستقبلة للاستثمار الاجنبي. فالاستثمارات المتركزة في العقارات والطاقة والنفط والغاز لا تنتج عادة شبكات إنتاج معقدة كتلك الموجودة في الصناعات التكنولوجية أو الصناعات التحويلية الموجهة للتصدير.
الأكثر أهمية أن التقرير يكشف مفارقة تستحق التوقف أمامها. فعلى الرغم من ضعف اندماج مصر في سلاسل القيمة العالمية، فإن الشركات الأجنبية العاملة داخل السوق المصرية تعتمد بدرجة كبيرة نسبيا على الموردين المحليين.
تشير البيانات إلى أن 63.6% من مدخلات الشركات الأجنبية يتم الحصول عليها من السوق المحلية بينما تصل النسبة في الشركات المصرية إلى 76.8%.
هذه الأرقام تعني أن الشركات الأجنبية في مصر ترتبط فعليا بالموردين المحليين بدرجة أكبر من نظيراتها في العديد من الاقتصادات الأخرى. لكن المشكلة أن هذه الروابط لا تتحول تلقائيا إلى نقل واسع للتكنولوجيا أو إلى توسع في الصادرات أو إلى رفع القدرة التنافسية للشركات المحلية.
المؤشر الآخر الذي يلفت الانتباه يتعلق بالصادرات، فالشركات الأجنبية أكثر ميلا إلى التصدير من الشركات المحلية، متوسط الصادرات يمثل 7.6% من مبيعات الشركات الأجنبية مقابل 2.7% فقط للشركات المحلية. هذه الفجوة تعني أن الشركات الأجنبية تمتلك بالفعل قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق الخارجية. لكن هذه الميزة لا تنتقل بصورة كافية إلى الشركات المصرية رغم الروابط التجارية القائمة بين الطرفين.
تظهر المشكلة مرة أخرى عند النظر إلى أداء الصادرات الصناعية المصرية، فالتقرير اشار إلى أن حصة الصادرات من الناتج الصناعي في مصر أقل من المستويات المسجلة في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ما يعني أن قاعدة الإنتاج الصناعي المحلية لا تزال موجهة بدرجة أكبر إلى السوق الداخلية مقارنة بالاقتصادات التي نجحت في توظيف الاستثمار الاجنبي كأداة للتوسع في التصدير.
الاستثمار الأجنبي والابتكار
يشير التقرير إلى أن أحد أكثر الأبعاد حساسية وضعفًا في تجربة الاستثمار الأجنبي في مصر، يتمثل في محدودية أثره على البحث العلمي والابتكار، فخلال الفترة 2013 إلى 2023، لم تتجاوز نسبة الاستثمارات الأجنبية الجديدة الموجهة لأنشطة البحث والتطوير سوي 0.2% فقط، وأن 5.5% فقط من الشركات الأجنبية اتفقت على أنشطة البحث والتطوير، رغم أن هذه الشركات يُفترض نظريا أنها تحمل معها خبرات تكنولوجية وقدرات ابتكارية أعلى من نظيراتها المحلية، في المقابل لا تتجاوز نسبة الشركات المصرية التي تنفق على البحث والتطوير 0.9% فقط، وهو رقم يعكس هشاشة البنية الابتكارية للاقتصاد المحلي.
وفي النهاية، لسنوات طويلة روج الخطاب الرسمي للحكومة معادلة جذب الاستثمار يساوي خلق وظائف وتوطين للتكنولوجيا وتحسن للأجور وعمل تنمية شاملة، لكن التقرير هدم تلك المعادلة بأرقامه وبياناته ويثبت ان الحكومة تجري وراء "سد الفجوة الدولارية " على حساب التنمية.
------------------------------
بقلم: حسن البربري






