في الوقت الذي تخوض فيه إسرائيل واحدة من أكثر مراحلها الأمنية حساسية منذ عقود، برزت أزمة داخل جهاز الموساد لتسلط الضوء على صراعات تتجاوز حدود التعيينات الإدارية، وتمتد إلى مستقبل المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية، وطبيعة إدارة الحرب مع إيران، وحدود العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. فالإقالة المفاجئة لنائب رئيس الموساد، بالتزامن مع تصاعد الجدل حول عمليات تجسس إسرائيلية استهدفت مسؤولين أمريكيين كبار، تكشف عن لحظة مفصلية تعيشها الدولة العبرية، حيث تتداخل اعتبارات الأمن والسياسة والصراع على النفوذ داخل مؤسسات الحكم، حيث لا يمكن فهم قرار رئيس الموساد الجديد رومان غوفمان بإبعاد نائبه، الذي كان يُنظر إليه بوصفه الخليفة الطبيعي للرئيس السابق ديفيد برنياع، باعتباره إجراءً تنظيمياً عادياً. فالمسؤول المقال كان من أبرز مهندسي الملف الإيراني داخل الموساد، وأشرف على عمليات سرية معقدة ضد طهران، كما لعب دوراً محورياً في تطوير قسم «التأثير» داخل الجهاز، وحصل على أوسمة تقديراً لعمليات نفذت في إيران وعدد من دول المنطقة. لذلك فإن إقصاءه يحمل دلالات تتجاوز الاعتبارات الإدارية إلى إعادة رسم موازين القوى داخل الجهاز نفسه.
يمثل رومان غوفمان نموذجاً مختلفاً عن الرؤساء التقليديين للموساد. فهو لم يصعد عبر السلم الاستخباري داخل الجهاز، بل جاء من المؤسسة العسكرية ومن الدائرة الضيقة المحيطة ببنيامين نتنياهو. وبعد مسيرة عسكرية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، شغل خلالها مناصب قيادية وخاض معارك في لبنان وغزة والضفة الغربية، أصبح سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء وتولى ملفات شديدة الحساسية تتعلق بإيران وروسيا والعلاقة مع موسكو في الساحة السورية. وقد تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الشخصيات قرباً من نتنياهو في الملفات الاستراتيجية. ولا يبدو تعيينه منفصلاً عن توجه أوسع داخل الحكومة الإسرائيلية لإعادة تشكيل مراكز النفوذ في الأجهزة الأمنية. فنتنياهو لم يكتفِ بالدفاع عن تعيينه أمام الاعتراضات الداخلية، بل دعمه حتى أمام الطعون التي وصلت إلى المحكمة العليا. ولهذا ينظر كثير من المسؤولين السابقين والحاليين داخل الموساد إلى غوفمان باعتباره «رجل نتنياهو» داخل المؤسسة الاستخباراتية، وليس مجرد رئيس جديد للجهاز.
فلطالما شكلت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أحد أبرز مراكز القوة المستقلة نسبياً عن المستوى السياسي. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً تدريجياً نحو تركيز السلطة الأمنية في يد القيادة السياسية، وتحديداً في يد نتنياهو. وفي هذا السياق، تبدو إقالة نائب رئيس الموساد جزءاً من عملية أوسع لإعادة هندسة المؤسسة الأمنية بما يضمن ولاءً أكبر للقيادة السياسية وانسجاماً أكبر مع رؤيتها.
وبمتابعة التسريبات الصادرة عن شخصيات بارزة داخل الموساد نجد أنها تشير لوجود استياء متزايد من التدخل السياسي في إدارة الجهاز، بل إن بعض المسؤولين لوحوا بالاستقالة احتجاجاً على ما وصفوه بأنه سابقة غير معهودة في تاريخ الموساد. ويكتسب هذا الاستياء أهمية خاصة لأن غوفمان نفسه جاء من خارج الجهاز، وهو ما دفع بعض المنتقدين إلى القول إن المرحلة الانتقالية كانت تقتضي الإبقاء على نائب الرئيس السابق للاستفادة من خبرته الطويلة في إدارة الملفات الحساسة، وعلى رأسها الملف الإيراني.
بشكل عام، لا يمكن فهم التحولات داخل الموساد بعيداً عن الحرب المفتوحة مع إيران. فمنذ سنوات أصبح الملف الإيراني المحور الرئيسي لنشاط الجهاز، سواء من خلال العمليات السرية أو جمع المعلومات أو إدارة شبكات النفوذ الإقليمية. لكن الحرب الأخيرة كشفت أيضاً عن وجود نقاشات داخلية حول طبيعة الاستراتيجية المطلوبة تجاه طهران. فبينما يرى بعض أركان المؤسسة الأمنية أن المطلوب هو مواصلة استراتيجية الاستنزاف طويلة الأمد ضد البرنامج النووي والبنية الأمنية الإيرانية، يبدو أن نتنياهو وبعض المقربين منه يتبنون رؤية أكثر طموحاً تقوم على إضعاف النظام الإيراني بصورة جذرية وربما الدفع نحو تغييره إذا سنحت الظروف. ويعكس إصرار نتنياهو المتكرر على أن «مصير النظام الإيراني هو الزوال» هذا التوجه بصورة واضحة. ومن هنا يمكن النظر إلى التغييرات داخل الموساد باعتبارها جزءاً من إعادة تموضع استراتيجية تهدف إلى توحيد أدوات الدولة الأمنية خلف رؤية أكثر هجومية تجاه إيران.
بالتوازي مع الأزمة الداخلية، برزت تقارير أمريكية تتهم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بتكثيف عمليات التنصت على مسؤولين أمريكيين كبار مشاركين في المفاوضات مع إيران، من بينهم ستيف ويتكوف وإلبريدج كولبي ومسؤولون آخرون في وزارة الدفاع الأمريكية. الأخطر في هذا الصدد أن بعض التقديرات الاستخباراتية الأمريكية رفعت مستوى التهديد المرتبط بالتجسس الإسرائيلي إلى درجة «حرج»، وهي درجة نادراً ما تُستخدم في توصيف نشاط دولة حليفة.
ورغم أن التجسس المتبادل بين الحلفاء ليس أمراً جديداً في العلاقات الدولية، فإن خطورة هذه القضية تكمن في توقيتها. فهي تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية أعلى مستويات التنسيق العملياتي في تاريخها الحديث، حيث يعمل ضباط من الجانبين جنباً إلى جنب في إدارة العمليات المتعلقة بإيران وغزة.
لكن ما تكشفه تقارير أخيرة هو أن إسرائيل لم تكن تبحث فقط عن معلومات عملياتية، بل كانت مهتمة بمعرفة توجهات الإدارة الأمريكية الحقيقية بشأن المفاوضات مع إيران ومستقبل الحرب، الأمر الذي يعكس حجم القلق الإسرائيلي من احتمال حدوث تفاهم أمريكي – إيراني لا يأخذ بالكامل في الاعتبار الرؤية الإسرائيلية.
استراتيجيا، تكشف هذه الأزمة عن حقيقة غالباً ما يجري تجاهلها، وهي أن واشنطن وتل أبيب لم تعودا تنظران إلى الملف الإيراني من الزاوية نفسها، ففي حين تسعى إدارة ترامب إلى استخدام الضغوط العسكرية والاقتصادية لدفع طهران نحو تقديم تنازلات استراتيجية، تبدو حكومة نتنياهو أكثر ميلاً إلى استثمار الحرب في إحداث تغيير جوهري في بنية النظام الإيراني وتقويض نفوذه الإقليمي. ولعل هذا التباين في الأهداف يفسر جزءاً كبيراً من التوترات الخفية بين الطرفين، كما يفسر الاهتمام الإسرائيلي المكثف بمعرفة حقيقة النقاشات الدائرة داخل الإدارة الأمريكية. فإسرائيل تخشى أن تتحول أي تسوية أمريكية – إيرانية مستقبلية إلى قيد يحد من حريتها في مواصلة الحرب الطويلة ضد طهران.
ومن المؤشرات اللافتة أيضاً تنامي الأصوات داخل تيار «ماغا» المقرب من ترامب والتي باتت تنظر إلى إسرائيل من زاوية مختلفة عن المواقف الجمهورية التقليدية. فبعض هذه الأصوات يتهم نتنياهو بمحاولة دفع الولايات المتحدة إلى مواجهة أوسع مع إيران، ويرى أن المصالح الإسرائيلية لا تتطابق دائماً مع المصالح الأمريكية. ورغم أن هذا التيار لا يزال بعيداً عن تبني موقف معادٍ لإسرائيل، فإن تنامي نفوذه داخل البيئة السياسية المحيطة بترامب قد يفرض تحديات جديدة على العلاقات الثنائية، خصوصاً إذا استمرت الخلافات حول إيران أو تفاقمت تداعيات فضيحة التجسس.
كما تكتسب الأزمة حساسية إضافية لأنها تتزامن مع نقاشات داخل الكونغرس الأمريكي حول منح إسرائيل مكانة استراتيجية مميزة ضمن التصورات الأمريكية للعقد المقبل. ولذلك فإن ظهور اتهامات بالتجسس على مسؤولين أمريكيين في هذا التوقيت يوفر ذخيرة سياسية للتيارات التي تدعو إلى إعادة تقييم العلاقة الخاصة مع إسرائيل. فرغم أن التحالف بين البلدين أعمق من أن تهزه أزمة واحدة، فإن استمرار مثل هذه الحوادث قد يدفع المؤسسات الأمريكية إلى فرض قيود إضافية على تبادل المعلومات الحساسة، أو إلى إعادة النظر في بعض أشكال التعاون الاستخباري، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.
أخيرا، لا يبدو أن الموساد يواجه أزمة تنظيمية عابرة، بل يقف عند مفترق طرق استراتيجي. فمن جهة، يواصل إدارة حرب استخباراتية معقدة ضد إيران تتطلب أعلى درجات الاحترافية والتماسك المؤسسي. ومن جهة أخرى، يخوض صراعاً داخلياً حول طبيعة القيادة وحدود تدخل المستوى السياسي في عمله. ولذلك فإن ما يجري اليوم داخل الموساد قد يكون مقدمة لتحول أوسع داخل الدولة الأمنية الإسرائيلية نفسها. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بمن يقود الجهاز، بل بمن يحدد الاستراتيجية الإسرائيلية الكبرى: هل هي المؤسسة الأمنية التقليدية التي راكمت خبرتها عبر عقود، أم القيادة السياسية التي تسعى إلى إعادة تشكيل هذه المؤسسات وفق رؤيتها الخاصة؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الموساد فحسب، بل قد تحدد أيضاً شكل السياسة الإسرائيلية تجاه إيران والولايات المتحدة والمنطقة بأسرها خلال السنوات المقبلة.
--------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد






