08 - 06 - 2026

أناركيّة

أناركيّة

كان أول معرفتى أنا وكثير غيرى من المصريين بمصطلح "الأناركية والأناركيون" فى فترة الفوضى التى أعقبت ثورة يناير ٢٠١١، وكان هؤلاء قد دعوا لمظاهرة أو أذاعوا خطابا لأمر ما، فسأل الناس: وما تلك الأناركية ومن هؤلاء الأناركيون؟! فعلمنا حينئذ بأن الأناركية هو مذهب سياسى اجتماعى فوضوى قائم على هدم دواوين الحكم! ولقد كان هذا القول منكرا أشد النكارة حين وعته أذنى، فأنا ابن شعب كان ولا يزال يرى أن جده الأكبر هو الدولة المركزية القائمة مدة خمسة آلاف سنة! وكما مضت ثورة يناير، وتفرق أهلها، ولم يبق منها إلا بضعة أحاديث تروى على سبيل الحسرة، أو التمنى، أو الشماتة، أو الملامة، فقد مضى هؤلاء الأناركيون، واندثر ذكرهم.

لكنى نظرت فى حال أمتنا المصرية فى الأعوام الأخيرة المنقضية فوجدت أن تلك "الأناركية" وإن كان اسمها قد نُسى، وذكرها قد انقضى إلا أن عملها لا يزال قائما على قدم وساق، وسعيها لا يزال حثيثا دؤوبا، وهى وإن لم تنتحل اسم "الأناركية"، وهى وإن لم تتعرض بالعدوان لدواوين الحكم، فإنها تضرب بفوضاها كل بيت، وتفتن كل قلب، وتفكك المجتمع قلبا وقالبا.

فمن الأناركية الخفية أن تنبرى طائفة من الناس فتُعنى بكلاب الشوارع عناية عظيمة حتى تكثر وتجتمع وتجتريء ويشتد أذاها على الناس، فتقطع الطريق، وتخيف الضعيف، وتفترس الصغير، فإذا ما قام أحد من آحاد الناس يطردها عن داره، أو يدفعها عن نفسه وولده انبرى له هؤلاء "الكلابية" يدافعون ويحامون عن عِرض الكلاب، ويلتمسون لها الرحمة، ثم تذهب فئة منهم فتسوى ما بين الكلاب والبشر، ثم تتمادى "أناركيتهم" فتذهب طائفة منهم إلى تفضيل الكلب على ابن آدم المكرم! وهم لا يقنعون بهذا، بل يذيعونه على صفحاتهم، ويدعون الناس إلى اعتناق مذهبهم فى تفضيل الكلب على البشر، فصارت عندنا طائفة تضع الكلب قبل الإنسان، ولولا الملامة لقالوا: "الإنسان إنما جُعل لأجل الكلب، لا الكلب لأجل الإنسان" فهذه أناركية فوضوية وإن أسموها "رفقا بالحيوان".

ومن الأناركية الخفية هؤلاء "النسويات" أتباع المذهب "النسوى"،  فإنهن لا يزلن يرين الرجل شيطانا مريدا حقت عليه اللعائن، ويدعين المرأة أن تبغض زوجها، وأباها، وأخاها، وأن تعاديهم؛ لأنهم من صنف الرجال، ولإرضاء هؤلاء "النسويات" توضع القوانين والأحكام التى تفرق بين المرء وزوجه، وتقطع الرحم بين الرجل وولده، وتنزع  ولاية الرجل على ابنه، وتبطل قوامته على زوجته، وتحط قدره عند أهل بيته، ويبثون البرامج والحوارات التى يخببون بها النساء على أزواجهن، فتفسد البيوت، ويشيع العصيان والنشوز، ويكثر الطلاق، وتضيع الأبناء والصغار. فهذه "أناركية فوضوية" وإن أسموها "حقوق المرأة".

وكذلك فإن من أبواب الأناركية تقديم حق المراهق على حق مجتمعه، ورفع منزلة الطالب فوق معلمه! فقد تجد الشاب قد فارق الطفولة، وظهرت عليه مخايل الذكورة، واشتد صوته، وانتفخت عضلاته، وميز عقله الصواب من الخطأ، ولكن يزعم الحقوقيون أنه لا يزال طفلا، هو عند القانون حَدَث دون الثامنة عشرة، فتراه يقترف الموبقات كافة من التحرش إلى القتل وهو آمن مطمئن أنه لا يزال طفلا، وأن العقوبات عليه ستخفف لحداثة سنه! فإن كان من حق هذا المفسد المعاملة بالرفق وإن سرق وقتل، فأين حق مجتمعه؟! فهذه "أناركية فوضوية" وإن أسموها "حقوق الطفل".

والطالب الذى يأتى مدرسته وهو يعلم أنه أعلى من معلمه درجة، وأن يد المعلم والمدير مغلولة عن رده عن طيشه وغيّه، وأن له من الحقوق ما ليس لمعلمه، وأنه يستطيع أن يسخر، ويهزأ، ويهين معلمه، وعلى المعلم أولًا إثبات الواقعة بشهودها، ثم يرفعها إلى الإدارة لتبت فى أمره، فتنبهه، أو تنذره، أو تفصله أياما ثم يعود غير مبالٍ ليكرر فعلته مع معلم آخر، فهذه "أناركية فوضوية" وإن أسموها "حقوق الطالب".

فمما ذكرت لك من الأمثلة تعلم أن "الأناركية" ليسوا بحاجة إلى حزب ظاهر ولا باطن، ولا إلى دعوات جهرية ولا سرية؛ لتعمل عملها فى حل وتفكيك الأمة، بل يكفيهم أن يُخرجوا لك بشرا يرون أن الكلب أعلى منهم درجة، ويكفيهم أن تنشأ ذكور ترى انفسها فى المنزلة الأدنى بعد الكلاب والأطفال والنساء، وتنزع عنهم الولاية والقوامة على أهلهم وأبنائهم، ويكفيهم أن يجعلوا المعلم هزوا مستضعفا بين يدى تلاميذه، وأن يكون الطالب أعلى من معلمه منزلة، فحينئذ تضطرب الدرجات، وتختل الطبقات، وتفسد الموازين والأحكام، وينحل المجتمع من تلقاء نفسه، وتصير عندك دولة بغير شعب، ودواوين حكم بغير أمة، بل شراذم من الفوضويين الذين اختلت عقولهم، وانحلت أخلاقهم فلا هم يصلحون فى العير ولا النفير، ولقد صدق الأول إذ يقول:

لا يصلح الناس فوضى لا سَراة لهم

ولا سَراة إذا جُهّالهم سادوا
--------------------------------------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

أناركيّة