لا مصلحة للولايات المتحدة فى معاداة إيران. وهناك بعد تاريخى لانتقام أمريكا من إيران. وقد تحدثت المصادر الأمريكية مطولا حول هذا البعد وهو أن الثورة الإسلامية فى إيران التى قامت فى فبراير 1979 بدأت بالعداء لأمريكا وإسرائيل، لأن إيران الثورة رأت أن الشاه مدعوم منهما معاً لقهر الشعب الإيرانى، فبدأ الحرس الثورى اعتقال الدبلوماسيين الأمريكان فى السفارة الأمريكية والقنصلية الأمريكية فى إيران وظل هذا الاعتقال 444 يوما، حاولت فيه أمريكا بكل الطرق إطلاق سراحهم وفشلت. فأمريكا لها تاريخ مع الصمود الإيرانى وتفهم جيداً العقلية الإيرانية، ولم تفرج إيران عن الرهائن الأمريكيين إلا باتفاق رعته الجزائر فى يناير 1980 فى محادثات غير مباشرة بين الجانبيين مقابل وقف الجزاءات عن الثورة الإسلامية والإفراج عن الأرصدة.
ولا شك أن الثورة الإسلامية وجهت أقصى الإهانات والأضرار للوجود الأمريكى فى المنطقة، ولاتزال واشنطن تتعثر فى المسائل الأمنية فى المنطقة منذ ذلك الوقت. أما إسرائيل فإن الثورة الإسلامية اعتبرتها تجسيداً للمؤامرة الدولية على المنطقة وقررت الانتقام منها. فإيران هى التى ستحرر فلسطين وتسترد الأقصى المبارك بعد تواطؤ المنطقة والمسلمين فى مسألة الأقصى وأزالت العلم الإسرائيلى من مبنى السفارة الإسرائيلية فى طهران ووضعت مكانه العلم الفلسطينى. ثم أنشأت إيران حزب الله فى لبنان لكى يتصدى للغزو الإسرائيلى فى بيروت وبالفعل للحزب وظيفتان: الأولى أنه يدافع عن الشيعة فى لبنان المستضعفين بين الطوائف الأخرى. الوظيفة الثانية أنه حزب مسلح يحمى لبنان ويحل محل الدولة اللبنانية الغائبة ضد إسرائيل. ولذلك تعمدت إسرائيل وأمريكا أن يكون وقف اطلاق النار بين الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية واستعدت الطوائف الأخرى ضد حزب الله وتفادت الصيغة التى طبقتها فى غزة بين حماس وإسرائيل.
أما الموضوعات الخلافية بين إيران وأمريكا فكلها لصالح إسرائيل وليست هناك أى مصلحة أمريكية فى مواجهة إيران على النحو التالى:
أولاً: الملف النووى الإيرانى:
تؤكد أمريكا أن إيران يجب ألا تكون دولة نووية سواء سلمياً أو عسكرياً ولا تريد إلا إسرائيل التى تنفرد بالقوة النووية، وقدمت أمريكا حجة مفادها أن إيران إرهابية ومن الخطر أن يكون لديها سلاح نووى تهدد به العالم وهذه لصالح إسرائيل المعتدية دائماً والمنفلتة من كل قواعد القانون الدولى. وماذا يضير الولايات المتحدة إن كانت إيران دولة نووية وكان يجب تبنى الصيغة التى التزم بها العرب فى الأمم المتحدة وهو إخلاء الشرق الأوسط بما فيه إيران وإسرائيل من أسلحة الدمار الشامل ولا شك أن بعض الدول العربية فى الخليج تتخوف من السلاح النووى الإيرانى أكثر من تخوفها من إسرائيل، ولذلك تعتقد أمريكا أنها فى هذا الملف تتخذ موقفاً يتوافق مع موقف حلفائها فى الخليج. والمفروض أن أمريكا لديها اتفاقات دفاع مشترك مع دول الخليج التى أنشأت بموجبها القواعد الأمريكية فى المنطقة ومهمتها حماية دول الخليج من إيران. ومما يذكر أن نظام الشاه كان قد بدأ الملف النووى عام 1957 وشجعته أمريكا والدول الغربية، وكان الشاه حليفا لأمريكا ولإسرائيل فسمح له بذلك. أما الثورة الإسلامية فإنها بدأت بمعاداة أمريكا وإسرائيل على النحو الذى ذكرناه.
ثانياً: تجميد الأرصدة الإيرانية وفرض العقوبات على إيران:
مصلحة إسرائيلية خالصة وليس هناك أى مصلحة أمريكية فى هذا الموضوع وجذر الموضع هو أن تجميد الأرصدة تم لحرمان إيران من المال اللازم فى المقاومة ضد إسرائيل، وهدف ترامب القضاء على المقاومة وتأمين إسرائيل للأبد بل وإنشاء إسرائيل الكبرى على الأراضى العربية المجاورة.
ثالثاً: مضيق هرمز:
ليس لأمريكا أى مصلحة فى مواجهة إيران بسبب مضيق هرمز لأن المضيق ممر مائى دولى يتحدد مركزه القانونى بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ومن حق إيران أن تمنع السفن المعادية لها من المرور فى المضيق امتداداً لحق الدفاع الشرعى للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
رابعاً: الاتفاق بين أمريكا وإيران على هذه المسائل وأمريكا تنوب عن إسرائيل التى لا تعترف بها إيران:
وثبت أن ترمب منقاد لرغبات نتانياهو. وقد أعلنت القيادة الإيرانية أنها سوف تزيل إسرائيل ولم تتحدث ضد أمريكا أو تراجع قوتها، وانما اكتفت برد الهجوم الأمريكى عليها علما بأن إسرائيل تهاجم إيران اعتمادا على الدعم الأمريكى.
خامساً: تشترط إيران إخراج القواعد الأمريكية من المنطقة، لأن هذه القواعد لم تقم بمهمتها فى حماية دول المنطقة من إيران، بل إن هذه القواعد كانت منطلقاً للعدوان على إيران وبالطبع فإن دول المنطقة لا تستطيع أن تتدخل فى القرار الأمريكى بشأن استخدام القواعد وأمريكا تعتبر هذه القواعد أراضى أمريكية. ورغم أن دول الخليج تدفع إتاوة مقابل الحماية النظرية لها من هذه القواعد، إلا أن قاعدة العديد الأمريكية فى قطر عندما انطلق العدوان الأمريكى منها على إيران، ردت إيران على مصدر النيران وتصدت المضادات الأرضية القطرية لهذه الهجمات الإيرانية، بل إن قطر دفعت مليارات الدولارات لإصلاح القاعدة وتصر إيران على تحرير الخليج من الهيمنة الأمريكية، وهذه المسألة لصالح العلاقات الإيرانية مع دول الخليج.
---------------------------------------
بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل







