07 - 06 - 2026

عارٌ أن نُصدّر الرحمة

عارٌ أن نُصدّر الرحمة

في الوقت الذي تسعى فيه الأمم إلى ترسيخ قيم الإنسانية والرفق بالحيوان، فوجئنا خلال الأيام الماضية بجدل واسع حول مقترحات تتعلق بتصدير الكلاب الضالة إلى الخارج، وكأن هذه المخلوقات أصبحت عبئاً يجب التخلص منه بأي وسيلة، أو سلعة يمكن المتاجرة بها تحت أي مبرر.

الحقيقة أن القضية ليست قضية كلاب ضالة فقط، بل قضية ضمير وأخلاق وصورة دولة أمام نفسها وأمام العالم.

من حق المجتمع أن يبحث عن حلول لمشكلة الكلاب الضالة، ومن حق المواطنين أن يشعروا بالأمان في الشوارع والميادين، لكن ليس من حق أحد أن يحول مخلوقات حية إلى بضائع تُشحن عبر الحدود لمصير مجهول، خاصة مع ما يتردد عن إمكانية وصولها إلى دول تُستخدم فيها الكلاب كمصدر للغذاء. هنا لا نتحدث عن إدارة أزمة، بل عن أزمة قيم.

لقد خلق الله كل مخلوق لحكمة، وجعل الرحمة أساس التعامل مع الإنسان والحيوان على السواء. وما يميز المجتمعات المتحضرة ليس فقط حجم مشروعاتها أو قوة اقتصادها، بل قدرتها على حماية الضعفاء، حتى وإن كانوا من الحيوانات التي لا تملك صوتاً للدفاع عن نفسها.

المؤسف أن البعض يحاول تقديم تصدير الكلاب باعتباره حلاً سحرياً لمشكلة معقدة، بينما الحلول العلمية والإنسانية معروفة وواضحة في دول العالم المتقدمة. برامج التعقيم والتطعيم والإيواء والتبني وتنظيم أعداد الحيوانات الضالة أثبتت نجاحها في عشرات الدول، وحققت التوازن بين حماية المواطنين والحفاظ على حقوق الحيوان دون اللجوء إلى حلول تفتقد البعد الأخلاقي.

إن مصر، بتاريخها وحضارتها وقيمها الدينية والإنسانية، لا يمكن أن تكون جزءاً من مشهد تُعامل فيه الكائنات الحية باعتبارها شحنات للتصدير أو أرقاماً في دفاتر التجارة. فالدولة التي تحترم الإنسان لا بد أن تحترم أيضاً حق الحيوان في الحياة والمعاملة الرحيمة.

الأخطر من ذلك أن مثل هذه الأفكار ترسل رسالة سلبية للأجيال الجديدة، مفادها أن التخلص من المشكلة أهم من البحث عن حل إنساني لها. وهذا منطق خطير، لأن المجتمعات التي تتخلى عن الرحمة مع الحيوان يسهل عليها لاحقاً أن تتخلى عنها في مجالات أخرى.

لسنا ضد معالجة ظاهرة الكلاب الضالة، ولسنا ضد حماية المواطنين، لكننا ضد أن يكون الحل على حساب القيم والأخلاق والإنسانية. فبين الإدارة الرحيمة للأزمة والتخلص القاسي منها فارق كبير، والفارق هو ما يصنع صورة الأمم المحترمة.

إن الرحمة ليست شعاراً نرفعه في المناسبات، بل اختبار حقيقي لأخلاق المجتمع. واليوم نحن أمام هذا الاختبار.

فإما أن نختار طريق الحضارة والإنسانية والحلول العلمية، وإما أن نقبل بتحويل مخلوقات ضعيفة إلى سلعة تُباع وتُشحن وتُستبدل.

وأثق أن ضمير الشعب المصري، الذي عُرف عبر تاريخه بالشهامة والرحمة، لن يقبل أبداً أن تكون الرحمة هي الشيء الوحيد الذي يتم تصديره خارج حدود الوطن.
-----------------------------------
بقلم : محمد عبدالمجيد هندي


مقالات اخرى للكاتب

عارٌ أن نُصدّر الرحمة