ليست كل المعارك التي تدور حول المدن معارك خرسانة وطرق وكباري. أحيانًا تكون المعركة الحقيقية حول سؤال أكثر تعقيدًا: من يملك المدينة؟ ومن يقرر شكلها؟ ومن يبقى فيها ومن يرحل عنها؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة كلما عاد الحديث عن مشروعات تطوير القاهرة التاريخية، ومخطط القاهرة 2050، والبرامج المرتبطة بإعادة رسم قلب العاصمة المصرية الممتد من المقطم شرقًا حتى النيل غربًا، ومن الفسطاط جنوبًا إلى رمسيس وبولاق شمالًا. فبعيدًا عن الشعارات الرسمية التي تتحدث عن التطوير والحفاظ على التراث وتحسين جودة الحياة، ثمة رؤية أخرى يطرحها منتقدو هذه المشروعات، ترى أن ما يحدث يتجاوز مجرد إعادة تأهيل مناطق تاريخية إلى عملية أوسع لإعادة تشكيل الخريطة السكانية والاقتصادية للقاهرة.
اللافت أن فكرة تطوير القاهرة التاريخية ليست جديدة. فمنذ سنوات طويلة جرى الحديث عن برامج لإحياء المناطق التراثية بالتعاون مع مؤسسات دولية معنية بالتخطيط العمراني والحفاظ على التراث. وكانت الفكرة المعلنة تتمثل في استعادة القيمة الحضارية للقاهرة التاريخية وتحويلها إلى نموذج عالمي يجمع بين حماية الآثار وتحسين البيئة العمرانية.
لكن مع مرور الوقت، بدأ البعض يطرح تساؤلات مختلفة. فإذا كانت الغاية هي حماية التراث فقط، فلماذا تتسع حدود المشروعات المقترحة لتشمل مساحات هائلة تضم أحياء مأهولة ومراكز تجارية وأنشطة اقتصادية حية؟ ولماذا يتزامن ذلك مع سياسات نقل السكان والأنشطة تدريجيًا إلى مدن جديدة خارج الكتلة العمرانية التقليدية؟
فالمتابع لما جرى خلال العقد الأخير يلاحظ اتجاهًا واضحًا نحو إعادة توزيع السكان والوظائف الاقتصادية خارج قلب القاهرة. آلاف الأسر انتقلت أو يجري نقلها إلى تجمعات عمرانية جديدة. مؤسسات حكومية غادرت مواقعها التاريخية. أنشطة تجارية وإدارية تتجه شرقًا نحو العاصمة الإدارية أو غربًا نحو الامتدادات الجديدة. وفي المقابل، ترتفع القيمة الاستثمارية للأراضي الواقعة داخل النطاق المركزي للمدينة بصورة غير مسبوقة.
بالنسبة للمدافعين عن هذه السياسات، فإن الأمر طبيعي ومنطقي. فلا يمكن لمدينة تعاني اختناقات مرورية مزمنة وكثافات سكانية هائلة أن تستمر بالآليات نفسها التي حكمتها طوال قرن كامل. أما المعارضون، فيرون أن ما يحدث ليس مجرد تخفيف للضغط العمراني، بل إعادة تعريف لوظيفة المدينة نفسها. فالقاهرة التي كانت مدينة للسكن والعمل والتجارة الشعبية، تتحول تدريجيًا إلى مدينة استثمارية وسياحية وإدارية، تتزايد فيها قيمة الأرض بينما تتراجع قدرة السكان التقليديين على البقاء داخلها.
ومن هنا يبرز نموذج مثلث ماسبيرو باعتباره مثالًا دالًا في نظر كثيرين. فالمسألة لم تكن مجرد إزالة منطقة عشوائية وإعادة بنائها، بل كانت تعبيرًا عن التحول الذي يجعل الأرض الواقعة في قلب المدينة أصلًا اقتصاديًا عالي القيمة، يجذب المستثمرين المحليين والدوليين أكثر مما يخدم الوظائف الاجتماعية التقليدية للمكان.
الأمر نفسه ينسحب على الجدل الذي أثير سابقًا حول مشروعات ومحاور كبرى كانت تستهدف إعادة تشكيل العلاقة بين وسط القاهرة والجيزة والأهرامات. ورغم اختلاف مصير بعض هذه التصورات بين التنفيذ والتعديل والتجميد، فإنها كشفت عن توجه عام يرى المدينة باعتبارها مساحة يمكن إعادة هندستها بالكامل وفق أولويات اقتصادية جديدة.
لكن المشكلة أن المدن ليست خرائط صماء.فالمدينة ذاكرة أيضًا. هي المقهى الذي يعرف رواده بعضهم منذ عقود، والورشة الصغيرة المختبئة في شارع جانبي، والمحلات التي تشكل اقتصادًا شعبيًا كاملًا، والعائلات التي صنعت هوية الأحياء عبر أجيال متعاقبة. وحين يُنظر إلى المدينة فقط من منظور الاستثمار والعائد الاقتصادي، يصبح من السهل تجاهل هذه العناصر غير المرئية رغم أنها تمثل روح المكان الحقيقية.
ولهذا يخشى منتقدو المشروعات الكبرى من أن تنتهي القاهرة إلى نموذج شبيه ببعض المدن العالمية التي نجحت في جذب الاستثمارات والسياح، لكنها فقدت تدريجيًا سكانها الأصليين لصالح طبقات أكثر ثراءً أو شركات أكبر نفوذًا. عندها تصبح المدينة أكثر جمالًا في الصور، لكنها أقل حياة على أرض الواقع.
لا يعني ذلك رفض التطوير أو الدفاع عن العشوائية أو الوقوف ضد تحسين البنية التحتية. فالقاهرة بحاجة بالفعل إلى تحديث جذري بعد عقود من التراكمات والمشكلات المزمنة. لكن السؤال يظل قائمًا حول طبيعة هذا التحديث وحدوده وأولوياته. هل الهدف هو تطوير المدينة من أجل سكانها؟ أم تطويرها من أجل قيمتها السوقية؟
هل تُصمم المشروعات الجديدة لتوسيع فرص المواطنين داخل قلب العاصمة؟ أم لتقليص وجودهم تدريجيًا لمصلحة أنشطة أكثر ربحية؟
هذه الأسئلة لا تجد إجاباتها في المخططات الهندسية وحدها، بل في السياسات التي تحكم توزيع الملكية والسكن والخدمات وفرص العمل خلال العقود المقبلة.
في النهاية، قد تنجح القاهرة في أن تصبح مدينة أكثر حداثة وتنظيمًا وجاذبية للاستثمار. وقد تنجح أيضًا في استعادة جزء مهم من تراثها العمراني الذي تعرض للإهمال طويلًا. لكن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد الأبراج التي تُبنى أو حجم الاستثمارات التي تتدفق، بل بقدرة المدينة على الاحتفاظ بأهلها داخل معادلة المستقبل. فالتاريخ يعلمنا أن المدن العظيمة لا تُصنع بالحجر وحده، وإنما بالناس الذين يمنحون الحجر معنى. وإذا فقدت القاهرة هذا المعنى، فلن تكون القضية مجرد تطوير مدينة، بل إعادة كتابة قصة عمرها أكثر من ألف عام.
-------------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






