لا تكمن أهمية التقارير المتداولة حول انتشار وحدات إسرائيلية سرية في أذربيجان خلال الحرب الأخيرة مع إيران في بعدها العملياتي المباشر فحسب، بل فيما تعكسه من تحولات أعمق في بنية الصراع الإقليمي. فالمسألة تتجاوز وجود عناصر استخباراتية أو مواقع دعم لوجستي على مقربة من الحدود الإيرانية، لتكشف عن إعادة تشكيل متدرجة للبيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران، وعن انتقال المنافسة الإسرائيلية – الإيرانية من ساحات النفوذ التقليدية في المشرق العربي إلى فضاءات جيوسياسية جديدة تقع على تخوم المجال الحيوي الإيراني نفسه.
فعلى امتداد العقود الأربعة الماضية، نجحت طهران في بناء منظومة ردع إقليمية قائمة على مبدأ "الدفاع المتقدم"، عبر نقل خطوط المواجهة إلى خارج حدودها وتشييد شبكة نفوذ عابرة للدول امتدت من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. غير أن التطورات الأخيرة توحي بأن إسرائيل تعمل على هندسة استراتيجية مضادة تستهدف تقويض هذه الميزة التاريخية من خلال بناء مواقع ارتكاز استخباراتية وأمنية حول إيران، بما يحول الجغرافيا المحيطة بها من مجال حماية إلى مجال اختراق وضغط.
ومن هذا المنطلق، تكتسب أذربيجان أهمية استثنائية لا ترتبط فقط بموقعها الجغرافي الملاصق للحدود الإيرانية، وإنما أيضاً بكونها تمثل نقطة التقاء بين عدة مسارات استراتيجية متشابكة تشمل أمن الطاقة، وممرات التجارة الدولية، والتنافس التركي – الإيراني، والحضور الروسي في جنوب القوقاز، فضلاً عن الصراع الممتد بين إسرائيل وإيران. ولذلك فإن أي توسع في التعاون الأمني بين باكو وتل أبيب لا يمكن قراءته باعتباره شأناً ثنائياً، بل بوصفه مؤشراً على تحولات أوسع في خرائط النفوذ والتوازنات الإقليمية.
وفي هذا السياق، تثير التقارير الأخيرة تساؤلات جوهرية حول مستقبل البيئة الأمنية الإيرانية، ومدى قدرة طهران على الحفاظ على مفهوم العمق الاستراتيجي الذي شكل أحد أعمدة عقيدتها الأمنية لعقود، كما تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول صعود جنوب القوقاز بوصفه ساحة جديدة للتنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط الموسع.
وعلى مدى عقود، بنت إيران مفهوم "العمق الاستراتيجي" الذي يقوم على نقل خطوط المواجهة إلى خارج حدودها عبر شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المسلحة المنتشرة في المشرق العربي، وقد سمح هذا النموذج لإيران بإدارة الصراعات بعيداً عن أراضيها الوطنية وتقليل احتمالات نقل المعركة إلى الداخل الإيراني.
غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى نشوء استراتيجية مقابلة يمكن وصفها بـ"الطوق الاستراتيجي المضاد"، فإسرائيل لم تعد تعتمد حصراً على قدراتها الجوية أو شبكاتها الاستخباراتية التقليدية، بل باتت تعمل على بناء بيئة عملياتية متقدمة حول إيران نفسها، عبر شبكة من العلاقات الأمنية والعسكرية تمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر وجنوب القوقاز.
وفي هذا السياق، تكتسب أذربيجان أهمية استثنائية؛ فالدولة الواقعة شمال إيران تمتلك حدوداً مشتركة تتجاوز 760 كيلومتراً مع الجمهورية الإسلامية، وهي أطول حدود برية لإيران مع دولة ترتبط بعلاقات استراتيجية متنامية مع إسرائيل. وتوفر هذه الحدود فرصاً استخباراتية ولوجستية لا يمكن تعويضها عبر الوسائل التقنية وحدها، كما تمنح إسرائيل موقعاً متقدماً لمراقبة جزء مهم من المجال الأمني الإيراني.
التطورات الأخيرة تكشف عن تحدٍ استراتيجي جديد يواجه طهران يتمثل في تآكل ما يمكن تسميته بـ"المجال العازل" الذي اعتمدت عليه تاريخياً في شمالها. فلعقود طويلة، نظرت إيران إلى جنوب القوقاز بوصفه منطقة توازن نسبي؛ حيث كانت أرمينيا تمثل شريكاً سياسياً واقتصادياً مهماً، بينما حافظت أذربيجان على هامش من الحذر في علاقاتها الإقليمية، في ظل وجود روسيا باعتبارها القوة الضامنة للتوازنات الأمنية في المنطقة.
غير أن هذه المعادلة شهدت تغيرات جوهرية خلال السنوات الأخيرة، فقد أدى صعود النفوذ التركي في جنوب القوقاز، وتعاظم الحضور الإسرائيلي في أذربيجان، وتراجع الانخراط الروسي نتيجة استنزاف موسكو في الحرب الأوكرانية، إلى إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية المحيطة بإيران. وأصبح جنوب القوقاز ساحة أكثر انفتاحاً أمام القوى المنافسة لطهران.
ومن هذا المنطلق، فإن أخطر ما تواجهه إيران اليوم ليس احتمال وجود بنية استخباراتية إسرائيلية قرب حدودها الشمالية فحسب، بل فقدان البيئة الجيوسياسية العازلة التي كانت تمنحها هامشاً واسعاً من الأمان الاستراتيجي. فكلما تقلصت المناطق المحايدة أو الصديقة في محيطها، ارتفعت كلفة الدفاع وتراجعت قدرة طهران على إدارة التهديدات من مسافات بعيدة.
في هذا السياق، تكمن أهمية أذربيجان في مجموعة من العوامل الجيوسياسية والعسكرية المتداخلة؛ أولاً، الموقع الجغرافي. فالمسافة بين الأراضي الأذربيجانية وبعض المراكز الحيوية في شمال إيران قصيرة نسبياً مقارنة بالمسافات التي تنطلق منها الطائرات الإسرائيلية، ما يوفر مزايا كبيرة في مجالات الاستطلاع والإنذار المبكر وجمع المعلومات. ثانياً، القرب من المراكز العسكرية والبنى التحتية الحيوية الإيرانية، إضافة إلى وقوعها على مقربة من ممرات اتصال استراتيجية تربط إيران بالقوقاز وروسيا. ثالثاً، العامل الديموغرافي. إذ يقطن شمال غرب إيران ملايين المواطنين من أصول أذرية، الأمر الذي يجعل هذه المنطقة ذات حساسية خاصة بالنسبة لصناع القرار في طهران، الذين ينظرون إلى أي نشاط أجنبي فيها من زاوية الأمن القومي والاستقرار الداخلي.
بشكل عام، يصعب فهم التقارب الإسرائيلي – الأذربيجاني من دون العودة إلى حرب ناغورنو كاراباخ الثانية عام 2020، التي شكلت نقطة تحول مفصلية في توازنات جنوب القوقاز. فقد أظهرت تلك الحرب الدور الحاسم الذي لعبته الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية المتطورة التي حصلت عليها أذربيجان من إسرائيل وتركيا، الأمر الذي ساهم في تغيير ميزان القوى على الأرض. كما رسخت الحرب قناعة لدى النخب الأذربيجانية بأهمية الشراكة العسكرية والتكنولوجية مع إسرائيل. وفي المقابل، نظرت إيران بقلق إلى نتائج الحرب، ليس فقط بسبب التحولات الحدودية، وإنما أيضاً بسبب تزايد النفوذ التركي والإسرائيلي في منطقة تعد جزءاً من مجالها الحيوي التقليدي.
بالتالي تظهر أذربيجان كحلقة في استراتيجية الاحتواء المتعدد الاتجاهات، فإذا كانت إيران قد نجحت لعقود في توظيف موقعها الجغرافي لبناء مجال نفوذ إقليمي واسع، فإن ما يتشكل اليوم يبدو أقرب إلى استراتيجية احتواء متعددة الاتجاهات. فإيران تواجه في الوقت الراهن ضغوطاً متزامنة من الخليج العربي جنوباً، ومن إسرائيل في شرق المتوسط، ومن الساحات العراقية والسورية غرباً، ومن جنوب القوقاز شمالاً، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية.
ولا يمثل التعاون الإسرائيلي–الأذربيجاني في هذا السياق مجرد شراكة ثنائية، بل يمكن النظر إليه باعتباره جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى تضييق المجال الاستراتيجي الإيراني وتقليص قدرة طهران على استثمار موقعها الجغرافي بوصفه مصدر قوة. فكلما تعددت محاور الضغط المحيطة بإيران، ازدادت الحاجة إلى توزيع القدرات العسكرية والأمنية على جبهات متعددة، ما يرفع كلفة الردع والدفاع على المدى الطويل.
وعلى المستوى الاستراتيجي فإذا كانت التقارير المتداولة صحيحة، فإن أهمية الوجود الإسرائيلي المحتمل في أذربيجان لا تكمن فقط في تنفيذ عمليات محددة، بل في بناء منظومة استخبارات وإنذار متقدمة قادرة على متابعة التحركات العسكرية الإيرانية بصورة مستمرة. فالحروب الحديثة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على السيطرة على المعلومات وسرعة معالجتها. وكلما اقتربت منصات الرصد من مصدر التهديد، ازدادت قدرتها على إنتاج معلومات دقيقة في الوقت المناسب. ومن هذا المنظور، فإن أي قدرة على رصد التحركات العسكرية الإيرانية أو متابعة عمليات إطلاق الصواريخ أو مراقبة النشاط الجوي والعسكري في شمال إيران تمثل قيمة استراتيجية كبيرة لأي طرف يسعى إلى بناء تفوق استخباراتي طويل الأمد.
وفيما يخص انعكاسات ذلك على العقيدة الأمنية الإيرانية، تشير هذه التطورات إلى أن المؤسسة الأمنية الإيرانية قد تكون أمام مرحلة مراجعة استراتيجية لعقيدتها الدفاعية. فالعقيدة التي تأسست منذ الحرب العراقية – الإيرانية على مبدأ نقل التهديد بعيداً عن الحدود الإيرانية تواجه اليوم واقعاً جديداً يتمثل في اقتراب التهديدات من المجال الحيوي الإيراني ذاته.
ومع تزايد الحديث عن الاختراقات الاستخباراتية والعمليات النوعية داخل العمق الإيراني خلال السنوات الأخيرة، تصبح الحاجة ملحة أمام طهران لإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الإيراني، وربما تحقيق توازن جديد بين استراتيجية النفوذ الخارجي ومتطلبات الدفاع الداخلي.
وعلى المستوى الجيوستراتيجي، يرتبط ذلك بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط والقوقاز، حيث تكشف هذه التطورات عن حقيقة أوسع تتجاوز العلاقات الثنائية بين إسرائيل وأذربيجان. فالصراع الإقليمي يشهد انتقالاً تدريجياً من مرحلة التحالفات التقليدية إلى مرحلة الشبكات الأمنية المرنة والعابرة للحدود.
كما أن التداخل المتزايد بين ملفات الطاقة والنقل والممرات التجارية والأمن والاستخبارات يجعل من أذربيجان لاعباً يتجاوز حجمه الجغرافي والديموغرافي. فهي تقع على أحد أهم الممرات الرابطة بين آسيا وأوروبا، وتشكل عنصراً مهماً في أمن الطاقة الأوروبي، كما تمثل نقطة تقاطع بين المصالح التركية والروسية والإيرانية والإسرائيلية. ومن ثم فإن جنوب القوقاز لم يعد هامشاً جغرافياً بعيداً عن تفاعلات الشرق الأوسط، بل أصبح جزءاً من معادلة التوازنات الإقليمية، وساحة متقدمة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
أخيرا، تكشف قضية الوجود الإسرائيلي المحتمل في أذربيجان عن تحول يتجاوز حدود الصراع الثنائي بين تل أبيب وطهران، ليعكس إعادة تشكيل أوسع للبيئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط والقوقاز. فالجغرافيا التي وفرت لإيران لعقود عمقاً استراتيجياً ومجالاً للمناورة باتت تتحول تدريجياً إلى ساحة تنافس واختراق متبادل، بينما تنتقل إسرائيل من استراتيجية مواجهة النفوذ الإيراني في الأطراف إلى استراتيجية الاقتراب من المركز ذاته. وفي هذا الإطار، لا تبدو أذربيجان مجرد شريك أمني لإسرائيل، بل حلقة في منظومة إقليمية جديدة تتشكل على حدود إيران، وتستند إلى توظيف الجغرافيا والتحالفات والتكنولوجيا والاستخبارات لإعادة توزيع موازين القوة. ومن ثم فإن السؤال الأهم لم يعد ما إذا كانت إسرائيل تمتلك موطئ قدم استخباراتياً في جنوب القوقاز، بل إلى أي مدى ستؤدي هذه التحولات إلى إعادة صياغة العقيدة الأمنية الإيرانية وإعادة رسم خرائط التنافس الإقليمي خلال العقد المقبل.
------------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد







