13 - 06 - 2026

إيران والردع الإقليمي الجديد

إيران والردع الإقليمي الجديد

الحرب التي استمرت أربعين يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تُعدّ نقطة تحول في بروز استراتيجية «الردع الإقليمي» ضمن منظومة الأمن القومي الإيراني. في هذا الإطار، جرى تعزيز عناصر القوة الوطنية الإيرانية مثل التماسك الشعبي والاجتماعي، ووجود دولة ذات طابع حضاري، وأيديولوجيا قوية، إلى جانب الاستفادة من التفوق الجيوسياسي. وقد أسهم هذا التحول في ترسيخ مفهوم «المقاومة الحضارية» وبداية مرحلة جديدة تقوم على الدفاع عن عمق الهضبة الإيرانية ضمن منظومة الردع الوطني.

قبل الحرب الأخيرة، كان نموذج الردع الإيراني يستند، إلى حدّ كبير، إلى مفهوم «الدفاع المتقدّم»؛ إذ كان يُنظر إلى خطوط الردع خارج الحدود الوطنية بوصفها جزءاً مهماً من منظومة حماية الأمن القومي الإيراني. وفي هذا السياق، مثّلت شبكة الحلفاء والقوى الصديقة في لبنان وسوريا والعراق واليمن أحد عناصر العمق الاستراتيجي، من دون أن يعني ذلك اختزال منظومة الردع الإيرانية في هذا البعد وحده.

غير أن اندلاع حرب الأربعين يوماً أظهر أن التفوق الجيوسياسي الإيراني، ولا سيما القدرة على التأثير في مضيق هرمز، يشكل أداة ردع بالغة الأهمية، خصوصاً من حيث التأثير على أسواق الطاقة العالمية ودفع الاقتصاد الدولي نحو حالة من الضغط والتباطؤ، بما ينعكس على التوازنات الاقتصادية العالمية.

وقد أبرزت هذه الحرب الدور المحوري للجغرافيا في معادلة القوة، حيث تعززت القناعة بأن فعالية «الدفاع المتقدم» ترتفع عندما يتمركز خط الردع الأساسي داخل الجغرافيا الوطنية، مع القدرة على نقل ثقل المواجهة إلى نقاط حساسة في الاقتصاد العالمي. ووفق هذا المنظور، برزت أهمية مضيق هرمز بوصفه أحد أبرز أدوات الردع الاستراتيجي، إلى جانب القدرة على التأثير في المصالح العسكرية والاقتصادية الأمريكية في منطقة الخليج.

وبناءً على هذا التحول، باتت منظومة الردع الإيرانية أكثر تركيباً، إذ تجمع بين الدفاع من داخل الأراضي الوطنية وبين استمرار نموذج الدفاع المتقدم خارج الحدود، مع الاعتماد على القوى الحليفة كعنصر داعم عند الحاجة. وبهذا الشكل، يشكل الداخل الوطني خط الدفاع الأول، فيما يتكامل معه البعد الإقليمي عبر شبكات الحلفاء ضمن منظومة ردع متعددة المستويات. كما أتاح هذا التحول إعادة صياغة دور القوى الحليفة في المنطقة، من حيث تعزيز قدراتها العملياتية ورفع مستوى تماسكها في مواجهة التحديات المشتركة.

ولسنوات طويلة، جرى الترويج لرؤية تعتبر قوى المقاومة في المنطقة مجرد أدوات ضمن استراتيجية إيرانية، إلا أن تطورات الحرب أظهرت بروز نموذج مختلف يقوم على تداخل الأدوار داخل منظومة ردع شبكية، حيث لا تُختزل العلاقة في اتجاه واحد. كما أن صمود القوات المسلحة الإيرانية وتماسك البنية الداخلية أسهما في تعزيز موقع إيران من فاعل إقليمي إلى لاعب ذي تأثير أوسع في توازنات القوة، بما انعكس على موقع قوى المقاومة في المنطقة.

بالتوازي مع ذلك، شهدت البيئة الجيوستراتيجية تحولات لافتة، إذ برزت قضايا جديدة ضمن معادلة الردع الإقليمي، من بينها جدوى وجود القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج، وأهمية إعادة النظر في مسألة السيادة الإقليمية على الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز. وقد دفعت هذه التحولات نحو إعادة طرح فكرة نظام إقليمي جديد يعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة.

وفي السياق ذاته، طرأ تحول على موقع إسرائيل في معادلة القوة الإقليمية. فبعد أحداث السابع من أكتوبر، سعت إسرائيل إلى ترسيخ موقعها كقوة إقليمية قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق في المنطقة، بما في ذلك في مواجهة إيران، دون التقيد بقيود سياسية أو قانونية واضحة. إلا أن نتائج حرب الأربعين يوماً أظهرت حدود هذا التصور، وأفرزت واقعاً استراتيجياً أكثر تعقيداً، حيث تراجعت فعالية نموذج التفوق الأحادي، وبرزت إيران كقوة مؤثرة في موازين الردع الإقليمي.

كما أدت هذه التطورات إلى إعادة طرح مفهوم «الأمن الجماعي» في منطقة الخليج. فقبل الحرب، كانت العلاقات بين إيران ودول الخليج تُناقش ضمن إطار إنشاء منظومة أمن جماعي إقليمي، غير أن مسار الحرب كشف عن تعقيدات هذا النموذج، حيث واجهت دول الخليج معضلة أمنية مزدوجة تتمثل في استمرار التهديدات من جهة، وعدم كفاية الإنفاق العسكري والوجود العسكري الأجنبي في توفير ضمانات أمنية مستقرة من جهة أخرى.

ومن هذه الزاوية، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة تتجاوز المقاربات التقليدية للأمن، وتفرض إعادة التفكير في أسس الاستقرار الإقليمي. فالتجارب الأخيرة أظهرت أن الاعتماد الحصري على التحالفات الخارجية أو على التفوق العسكري وحده لا يكفي لإنتاج أمن مستدام، وأن معادلات الردع أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي وقت مضى. وفي ظل هذه التحولات، يبرز النقاش حول بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر توازناً بوصفه أحد أهم التحديات التي ستواجه دول المنطقة خلال السنوات المقبلة.
-----------------------------------
بقلم: د. أمینة سلیماني
* صحفیة إیرانیة


مقالات اخرى للكاتب

إيران والردع الإقليمي الجديد