14 - 06 - 2026

"ريكشا" ثكنات المعادي

منذ يومين، عند منتصف الليل خرجت من محطة مترو ثكنات المعادي قاصدا الوصول إلى المنزل، كانت الأجواء أمام محطة المترو هادئة، والشوارع تكاد أن تكون خالية من المارة باستثناء شاب نحيل في اوائل الثلاثينيات من العمر واقفا على دراجته، ترجلت حتى اقتربت منه وتوقفت، في تلك اللحظة لا أعلم لماذا قفز في ذهني مشهد رأيته منذ عشر سنوات لرجال نحيلي الجسد في التلال الرواندية في أفريقيا يقودون دراجاتهم ويجلس بالخلف أحدهم لتوصيلهم إلى المكان الذى يريد مقابل أجر، إلا أن عقلي رفض هذا الاستنتاج، وسرعان ما كان سؤال الشاب عما إذا كنت أريد أن يقوم بتوصيلي قاطعا لأية حيرة، اعتذرت له مبتسما، وقلت له إنني اقوم بالمشي إلى المنزل.

في اثناء السير قفز في ذهني العديد من التساؤلات عن المدينة وصورتها والبنى التحتية الجديدة والتحديث الذى يملأ الإعلام والمواصلات العامة والطفرة التي حصلت لها، وذلك كله في مقابل شاب بدراجة بسيطة يعرض توصيل الركاب، في تلك الأثناء تذكرت "الريكشا"، ليس باعتبارها تكرار لما كان يحدث في بعض مدن آسيا في القرن التاسع عشر، فالتشابه مع "الريشكا" هنا يعد تشابها من منطلق اجتماعي يعيد إنتاج نفسه بصور مختلفة.

"الريكشا"، ومنذ ظهورها في اليابان في القرن التاسع عشر كانت تكثيفا لعلاقه انتاج قائمة على تحويل الجسد إلى وسيلة نقل مباشر، فالعامل لا يملك سوى قواه العضلية لتكون هي كل مؤهلاته في سوق العمل. تلك صورة الاستغلال فيها واضح وقاسٍ، فإنسان يجر آخر ليوصله حيث شاء، فلا توجد آلة أو حيوان يقوم بعمليه الفصل بين الجهد العصبي للإنسان وبين عملية النقل ذاتها.

جرى في النهر ماء كثير، تحولت فيه الرأسمالية من صيغتها الصناعية مرورا بصيغتها المالية وصولا لصيغتها الرقمية في طورها المتأخر، إلا أن ما نراه اليوم قد لا يتطابق مع مشهد "الريشكا" في اليابان إبان القرن التاسع عشر ولكنه يعيد تشكيله في إطار شروط مختلفة، فالشاب على دراجته ليس "ريكشا" بالمعنى التاريخي، فهو ينتمى إلى اقتصاد يجعل الجسد والوقت المصدر الأساسي للدخل، وفى ظل غياب أيه أدوات للإنتاج أو ضمانات اجتماعية أو استقرار في سوق عمل منظم، فالربط مع "الريشكا" تكشف استمرار نمط من العمل يعتمد على استغلال الجسد وتسليعه في قلب مدينة تعلن وتتباهى بتحديثها.

دأب ماركس على التأكيد والنظر في البنى الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج هذه الأشكال من الأعمال، فلم يكن يعنيه الوسيلة التي يتم بها العمل، فقد يبدو العمل في المنصات حديثا ومواكبا للتطور إلا أنه يعد تكثيفا للعمل الهش وإعادة لتوزيع الفقر والاغتراب والاستغلال.

من المفارقات، فإن ما يظهر تحديثًا في البنى التحتية للمدينة قد يصاحبه تراجع في البنى الاجتماعية المنظمة للعمل، بمعنى أن التحديث بدلا من أن ينتج اندماجا في سوق عمل منتظم أنه يفتح الباب أمام أشكال عمل تعتمد على المبادرة الفردية واستغلال قوى الجسد المباشرة، فيصبح العامل منفردا في مواجهة السوق وبغير تغطيه اجتماعية او حماية نقابية، مما يظهر التناقض بين مدينة تبنى أنظمتها الحديثة، ولكنها في الآن ذاته تعيد إنتاج أنماط عمل اقطاعية يعمل فيها الأفراد بأجسادهم وقواهم العضلية وبغير أي حماية أو استقرار.

وفى السياق، أصبحت "الريشكا" استعارة اجتماعية لا مجرد وسيلة تاريخيه للنقل وبالشكل الذي يصبح فيه الجسد هو رأس المال الوحيد للعامل، صحيح أن الجسد هنا متواري داخل إطار أوسع من صيغ للعمل والتطبيقات التي تخفى طابع العلاقة الاقتصادية المباشرة إلا أن جوهرها المستغِل لم يتغير.

لا أتصور أنه وفقط يمكن قراءه مشهد الشاب على الدراجة بوصفه امتدادا لماضٍ في مدينة حديثه أو كشكل واضح للإفقار وعلاقات العمل في صورتها الإقطاعية، إنما كذلك في طرح سؤال وهو كيف يمكن لمشروع تحديث وإصلاح اقتصادي أن يعيد أنماط العمل المعتمد على الجسد والقوة العضلية؟!

ربما الإجابة أن "الريشكا" بشكلها التاريخي قد غاب إلا أننا ننتج الآن أنماطاً من العمل تحمل منطق "الريشكا" بأدوات مختلفة، ضوابطها هو الاستغلال وبيع قوة العمل البدني، قديما كانت عن طريق "الريشكا" والآن عن طريق شاب بدراجة يقف أمام محطة المترو يعرض على المارة توصيلهم حيثما أرادوا مقابل أجر .
--------------------------------
بقلم: محمد الخولي
* أمين التثقيف في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي

مقالات اخرى للكاتب

كواحيلك يا مصر: الدولة السرية