أُبادرُ فأقولُ إنَّ مشروع شعبان يوسف الذي يقع في منطقة الغبن والتّهميش والظّلم التي يقع مشروعه كلّه في مركزها دفعني دفعًا لإعادة الكتابة عنه؛ فقد سبقَ وكتبتُ عنهُ، وخالفتُ في ذلك مذهبي ألَّا أكتُبَ عن أحدٍ مرّتينِ، ولكنْ يبدُو أنَّ المخالفةَ ستتّسعُ وسأكتبُ عنهُ مرَّاتٍ لاتّساعِ دوائر اشتغالاتهِ الثَّقافيَّةِ، واشتباكاتِهِ مع واقعِنا الثّقافيّ بصُورة نادرةٍ يغذُوها الإيمان بدورِ الثَّقافةِ في بناءِ الوَعْي، ويُظلُّها نُبلٌ شَخصيٌّ في رغبتهِ العارمةِ لردِّ الظُّلمِ عن المظلومينَ، وإعادةِ الحقوقِ المغتصبَةِ للمُجَهَّلينَ والمنسِيّين والمقصِيّين والمنفيّين والمقمُوعين، فَضلًا عن كونهِ مبدعًا أصيلًا في الوقت ذاتهِ، أبدعَ في معظم الأنواع الأدبيَّة الحديثةِ، وقدِ استثمرتُ فُرصة استضافتهِ في "صالون عَرفات الثّقافيّ" هذا الشَّهْرَ لأُزجِيَ إليهِ بعضَ حَقّهِ، ولطالما أزجَى حقوقًا لكثيرٍ من المبدعينَ والمفكَّرينَ والنُّقّادِ في ثقافتنا الوطنيَّةِ ؛ كما سيكشف لنا هذا المقالُ.
- مِن مَجازَاتِ الأَلْقَابِ إلى دَوَائِرِ الأَدْوَارِ:
عَرَفتِ الثّقافاتُ فِكرةَ الصّفاتِ التي ترقى إلى درجةِ الأَلقَابِ، التي تَختزِلُ أو تكثّفُ دورَ المفَكّرينَ والمبدِعينَ بمجازاتها؛ لِتغدُوَ علامةً دالَّةً على هؤلاء النَّوابغِ المؤثِّرينَ، وقد تأتي هذا الألقابُ، بمفهوم المخالفَةِ، للنَّبذِ والقَدْحِ والإقصَاءِ، وبيان الدَّورِ السَّلبيّ لبعْضِهم، وقدْ حَظِيَ شعبان يوسُف بمجموعةٍ منَ الألقابِ التي تخرجُ من مفاهيمِ الزِّينةِ والمجازاتِ البليغةِ إلى تحديدِ دوائرِ الوظائفِ والأدوارِ؛ وهو ما سيحاولُ هذا المقالُ الوقوفَ عليهِ.

- ألقابٌ وأَدْوَارٌ:
حاوَلَ كثيرونَ منَ النُّقَّادِ والمُثَقَّفِينَ والأُدباءِ أنْ يكتبُوا عن شعبان يُوسُف، بوصْفهِ ظاهرةً مُتفَرّدةً في الثَّقَافَةِ المِصْرِيَّة، فلقَّبوهُ بألقابٍ، رأوا فيها تقريظًا وعِرفانًا بدورهِ في حفظِ تُراثِ الأمَّة المِصْرِيَّة، وأمانتِهِ على كُنوزها الثَّقافيَّةِ، ووَثائقِها، وتُراثِها، مع تتبُّعهِ النَّادرِ لمستجدَّاتها أيضًا.
ومن ثمَّ؛ فقد وجدنا مَن يُلَقّبهُ (بالحارِسِ)؛ لكونهِ حارِسًا لِلثَّقَافَةِ المِصْرِيَّة، ولقَّبهُ الكاتبُ المعروف بلال فضْل (بالصَّائدِ)؛ بوَصفهِ صائدَ الكنوزِ الثَّقافيَّةِ، و لقّبهُ آخرون بــ(النَّقيبِ) أي المنقّبَ والأركيولوچيَّ لقدرتهِ الفائقةِ على الحفْر والتَّنقيبِ في طبقاتِ الثَّقَافَةِ، والوصُولِ إلى الجذُورِ الحقيقيَّةِ للظَّواهرِ، والقضَايا، والأنواع الأَدَبِيَّةِ، والموضوعاتِ المهملَةِ، والشَّخصيَّات المنسيَّة، والكتُب النَّادرة، والحوادث المؤثّرة.
واجتهدَ بعضُهم فَجمعَ ذلكَ كلَّهُ في لقبِ (القائد)، وذلكَ لتأسيسِهِ ورشةَ الزَّيتون، أقدم رئةٍ ثقافيَّةٍ حديثةٍ، مازالتْ تتنفَّسُ، وتنعشُ الجسَدَ الثَّقافيّ المِصْرِيّ منذ ١٩٧٩م، وقدِ اقتربتْ منَ الاحتفالِ بيُوبِيلِها الذَّهبيّ، وغَدَتْ من أهمِّ المؤسَّسَاتِ الثَّقافيَّةِ المدنيَّةِ، التي جمَعتْ كلَّ أَلوانِ الطَّيفِ الثَّقافيّ المِصْرِيّ خلالَ الرُّبع الأخيرِ في القرنِ الماضِي، والرُّبعِ الأوَّلِ من القرنِ الحالي رافعةً شِعارَ الجَمالِ والمحبَّةِ والتَّسامُحِ؛ فهيَ مؤسَّسَةٌ غيرُ مؤدلجةٍ، تفتحُ نوافذَها لكلّ أدبٍ صَادقٍ دُونَ تَحيُّز أو تمييزٍ .
وتُرشِّحُ المجازاتُ لقَبَ (الكشَّافِ) ليُوسُفَ لما يقومُ به فيها من اكتشافٍ للمواهبِ الشَّابَّةِ، والمظلومةِ، والمغمورةِ، وتقديمها للسَّاحةِ الثَّقافيَّةِ؛، كما استحقَّ لقبَ (المكتشِفِ)؛ لاكتشَافِهِ نُصُوصًا إبداعيَّةً ونقديَّةً، ووثائقَ نادرةً، يمكنُ من خلالها تصويبُ الكثيرِ مِن مُسلمَّاتِنَا الثَّقافيَّةِ التي تَقُودُنا إلى مزيدٍ منَالتَّغيير والتَّوجيهِ والتاطيرِ والتَّطويرٍ.
وركَّزَت بعضُ المجازاتِ على دورِ يُوسُفَ التَّوثيقيّ، فوَصفتْهُ (بالمؤرّخ) لما رصدَهُ، واكتشفَهُ، وأحياهُ، وأعادَ من خلالهِ النَّظرَ في تاريخِ الأفكارِ والأحدَاثِ والشّخصيَّاتِ الأدبيَّةِ والنَّقديَّةِ المؤثِّرةِ في الحركةِ الثَّقَافيَّةِ المِصْرِيَّةِ منذُ عَهدِ رفاعة الطَّهطاويّ، وما أحدثهُ جيلُ ثورة ١٩١٩م، وتلاميذُهم من أبناء ثورة يوليو ١٩٥٢م، كما قامَ بتشريحٍ للواقعِ الثَّقافيّ المِصْرِيّ، وبخاصَّةٍ تتبُّعُهُ لخصوبةَِ تجربةِ جيل السِّتينيَّاتِ، وما انطَوى فيها من تجاربَ خاصَّةٍ في أدبِ الحرب والسِّجْنِ، وما تعرّضُوا لهُ منَ التَّهميشِ وشُيُوعِ الأيديولوجيَّاتِ، وضحاياهم ممَّنْ أقصَتْهم الحياةُ الثَّقافيَّةُ؛ فصاروا منسيّينَ، أو منفيّينَ، أو مقهورينَ بالإقصاءِ والنّبذِ والاتّهاماتِ الجائرةِ، فقام يُوسُفُ بدور(المنقِذِ) ليعيدَ لكثيرٍ من هؤلاءِ بعضَ حقوقهِم، ويضَعَهم في مواقعِهم المستحقَّةِ من الخريطَةِ الثَّقافيَّةِ المِصْرِيَّةِ؛ لتُقرأَ من جديدٍ قراءةً واسعةً وعميقةً وشاملةً، بما يحتّمُ إعادةَ النَّظَرِ في كثيرٍ ممَّا توصَّلَ إليه الدَّارسونَ في دراساتِهم من نتائجَ، أمسَتْ ناقصةً، أو خاطئةً، أو ظالمةً.
وأرى أنَّهُ مع اتّفاقنا مع هذه المجازاتِ وما توصَّلتْ إليهِ من ألقابٍ لاستحقاقهِ لها عن جدارةٍ، تختزلُ دورهُ في باب واحدٍ، وتُغفلُ أبوابًا أخرى، وبخاصَّةٍ أبوابهُ الإبداعيَّةُ، فهو شاعرٌ له سبعةُ دواوينَ، وناقدٌ أَدَبِيّ، وروائيٌّ، وكاتبُ مقالٍ ثقافيّ من طرازٍ خاصّ جدًّا؛ لذا جاء عُنوانُ مقاليِ طويلًا نسبيًّا مع محاولاتٍ كثيرةٍ لاختصارهِ قدرَ الإمكانِ، مع أنَّهُ سيَختصِرُ الحديثَ حولَ دورِ يُوسُفَ؛ بوصفهِ المرشِدَ الأمينَ إلى ثقافةِ المِصْرِيّينَ، وسَيُحدّدُ إطارَها في أربعِ دوائرَ، يَنعتُها بدوائرِ الضَّمير والثَّقافيّ والإنسانيّ، ويُرجئُ الحديثَ عن دوائرِ إبداعِهِ الأَدَبِيّ لمقالٍ آخرَ.
- الدَّوائرُ الأربَعَةُ لِلضَّميرِ الثّقافيّ:
- الدَّائرةُ الأُولى دائرةُ المنسيّينَ:
أفردَ شعبان يُوسُف لعشرين مُبدعًا وناقدًا وسارِدًا وشاعرًا كتابه" المنسيُّونَ يَنهَضُونَ"، ونشرهُ في مؤسَّسةِ بتانة سنة ٢٠١٧م، فضلًا عن عشراتِ المقالاتِ الأُخْرَى التي لم يَضمَّها الكتابُ إيمانًا منهُ بأنَّهُ يجبُ على الباحثِ والنَّاقِدِ والمؤرخ الأَدَبِيّ، قبل الحكمِ على الظَّواهر الأَدَبِيَّةِ والنّقديَّة والثَّقافيَّةِ، الإلمامُ بالهامشِ والمهجُورِ والمقموعِ والمقصِيّ المنفيّ الغُفلِ المستبعَدِ حتَّى يصيرَ متنًا، ليَقِفَ على المسافَةِ بين الأعلَامِ المعروفينَ والأَغْفالِ المنسيّينَ، وعلى نُصُوصِهم ليكونَ الضَّميرُ النَّقدِيُّ يَقِظًا ومُستريحًا وإنسانيًّا.
ويسلكُ يُوسُف في سبيلِ هذا الهدفِ سبيلينِ؛ فتارةً يقفُ على الأغفالِ المنسيّينَ، ولو ظلَّ الأمرُ نسبيًّا بطبيعةِ الحالِ؛كبدر الدّيب، ومحمَّد مهران، ومحمَّد يُوسُف، وعبَّاس خضر، ووحيد النقَّاش، وعبَّاس علَّام، ومحمَّد كامل حسَن، ومحمود دياب، ومعظمُهم مغبونٌ حقيقةٌ، وفي كلّ فصلٍ أفرده لأحدِهم يُمكِنُ للدارِسِ المتأنّي أن يتتبَّعَ هذه المفاتيحَ ليشارِكَهُ في ردّ الحقُوقِ السَّليبةِ إلى هؤلاءِ المظلومينِ.
والسَّبيلُ الآخرُ قد يُدهشُنا أعضاؤُهُ حين نَقرأُ أسماءَهم لِلمَرَّةِ الأُولى لعِلمِنَا السَّابقِ بهم، ورؤيتِنَا كثيرًا من الأشعَّةِ والأضواءِ التي سُلِّطَتْ عليهم ، ولكِنْ سُرعانَ ماَ تزولُ دهشتُنَا حين يتناولُ يُوسُفُ الجوانبَ المنسيَّةَ في أدبهِم، والمهملةَ منْ دورِهم الثَّقافيّ معَ أهمّيَّتِهِ، كما نجدُ في تناولهِ الطَّاهر أحمد مكّيّ، ونعمات أحمد فؤاد، وأنور المعدَّاويّ، وضياء الشَّرقاوِيّ، وحسن فتح الباب وغيرهم؛ فاللَّافتُ أنَّه حين يعرضُ لبعض هؤلاء المعروفينَ لا يلِجُ عالمَهم من أبوابهِم المشرعةِ التي ولجها السَّابقونَ، ولكنَّهُ يدلفُ بنا من بابٍ سِحريٍّ مَهجُورٍ مُهملٍ، مع كونهِ صالحًا لأنْ يكونَ البوَّابةَ الرَّئيسةَ لأهميَّتِهِ، ودورهِ الثَّقافيّ.
وحين يعرضُ يُوسُف للدُّكتور الطَّاهر مكّيّ، على سبيلِ المثالِ، لا يعرّفُ المعروفَ، ولا يوضِّحُ الواضِحَ بأنْ يستدركَ على مَنْ فاتتْهُ مسألةٌ من المسائلِ التي كتبَها في الأدبِ المقارنِ، أو الأندلسِيّ، أو في ترجماتهِ للأدبِ الإسبانيّ، أو أنطولوجيَّتهِ المعروفةِ للقصَّة القصيرةِ العربيَّة، أو أنطولوجيَّتهِ الأُخرى لِلشِّعرِ العربيّ المعاصِر، أو تحقيقاتهِ لرسائل ابن حزم الظَّاهريّ، وما أولاهُ من عنايةٍ خاصَّةٍ بكتابهِ"طوق الحمامة" الذي يعدُّ من أهمّ كتبِ الحبِّ في التُّراثِ الإنسانيّ، ولكنَّهُ يتناولُ مقالًا مهجورًا له عن الصَّالوناتِ الثَّقافيَّةِ؛ بوصفِها مدخلًا تنافُذيًّا وصُورولوجيًّا، يُمكنُ من خلالِهِ أن نعرفَ مواطنَ أقدامِنا في الخريطةِ الثَّقافيَّةِ، و أنْ نُقارنَ حاضرَنا بماضينا من ناحيةٍ، وبغيرنا من ناحيةٍ أُخرى، ولكنَّهُ في الوقتِ ذاتهِ ينقُلُ الصُّورةَ الذِّهنيَّةَ لهذا النَّاقِدِ من أروقةِ الجامعةِ المغلقةِ إلى فَضاءاتِ الثَّقَافَة الفسِيحةِ، ويَتَوَقَّفُ، أيضًا، بالدَّرْسِ أمامَ مقالاتٍ مجهولةٍ لمكّيّ لم تُنشَرْ في كتابٍ، ينتقِدُ فيها الصُّورةَ الذّهنيَّةَ الخاطئةَ لأساتذةِ الجامعاتِ من خلالِ ما وجَّههُ مكّيٌّ من نقودٍ لبعضِ أساتذةِ كليَّةِ دار العلومِ، مع حُبِّهِ وانتمائهِ لهذه القلعةِ الحصينَةِ، وبخاصَّةٍ مقالهُ :"بعدَ الامتحانِ" الذي نشرهُ في مجلَّة الرِّسالةِ، عدد أغسطس سنة ١٩٤٨م، وبذلكَ تتبدَّلُ الصُّورةُ الرَّمزيَّةُ لمكّيّ ولأساتذةِ الجامعةِ، ولدورِهم الحقيقيّ في بنيةِ الثَّقَافَةِ.
وفَضلًا عن المقالاتِ الذَّاتيَّة لمكّيّ التي توقَّف أمامَها يُوسُفُ، فإنَّهُ يَلفِتُ النَّظرَ إلى أهمّ ما يميّز المشروعَ النَّقدِيَّ لَهُ حين يتتبَّعُ كتاباتهِ النَّقدِيَّةَ الأُولى التي لم يُضمِّنْها في كتابٍ حولَ إحسان عبد القدُّوسِ، ويحيى حقّي، ومحمَد عبد الله عنان، وغيرهم، ويكشفُ بالدَّليلِ كيفَ خالفَ مكّيٌّ آراء النُّقَّادِ المعاصرينَ لَهُ من أساتذتهِ حولَ هؤلاءِ الأُدباءِ، ويضربُ مثالًا حيًّا، لذلكَ؛ بمخالفتِهِ الحادَّةِ لهم فيما رأَوهُ من افتقادِ إحسان عبد القدُّوس للعُمقِ؛ وهُو ما يُؤكّدُ مخالفةَ مكّيّ للسَّائد المتَّبعِ، وأنَّهُ لا يُسَايرُ الرَّكبَ، ولا تَغُرُّهُ الأسماءُ والصِّفاتُ، بل يؤكّدُ تفرُّدَهُ، وقدرتَهُ على تكوينِ رُؤيةٍ خاصَّةٍ بهِ تُميّز مشروعَهُ الخاصَّ، يجبُ أن نلتفتَ إليها ونحنُ نعيدُ القراءةَ.
ويختم يُوسُفُ دِراسَاتِهِ المدْهِشةَ في كلّ فُصُولِ الكِتابِ بإضاءاتٍ إرشاديَّةً لدُروبٍ مُهملةٍ، تَحتاجُ جهُودًا كبيرةً من النُّقَّادِ والباحثينَ للوقوفِ على حقيقةِ الأمرِ، وتعميقِ رُؤيتِنا لثَقافتِنَا ودورها في بناءِ الإنسانِ المِصْرِيّ.

ولم يَكتَفِ يُوسُفُ في هذا المضْمارِ بهذا الكتابِ، فمازال يتابعُ جُهودَهُ واكتِشافاتهِ لنُصُوصٍ مجهولةٍ لشخصيَّاتٍ معروفةٍ، كما رأينا في نشرهِ روايةَ" حارة أُمّ الحُسينِيّ" للأديب شُهدي عطيَّة الشَّافعيّ مع قصَّتينِ أُخريينِ لَهُ؛ هما: "مِن الجامعةِ إلى الوظيفةِ"، و"جَمال رَخِيص"، بمُقدّمةٍ كاشفةٍ لجهودِهِ ولأهميَّةِ هذه النًّصُوصِ في إعادةِ قراءةِ التَّارِيخِ الحقيقيّ للسَّرد المِصْرِيّ، ونشَرَ الكتابَ الذي ضمَّ هذه النًّصُوصَ المجهولةَ في المجلسِ الأعلَى للثَّقَافةِ سنةَ ٢٠٠٩م.
ويأتي، في هذه الدَّائرةِ، كتابهُ "بهاء طاهر ناقدًا مسرحيًّا" سنة ٢٠١٢م؛ إذْ عُرفَتْ وُجوهٌ أُخرى لطاهرٍ لإبدَاعِهِ في الرِّوَايَةِ، والقِصَّةِ القصيرةِ، والمقالِ الأَدَبِيّ والثَّقافيّ، ونقدِ السَّردِ، وأُهمِلَ هذا الوجهُ المهمُّ في نقْدِ المسْرحِ. وقد التزم يُوسُفُ في هذه الدِّراسةِ بروح الباحثِ النَّاقِدِ لا الصّحفيّ الواصِفِ؛ فكتبَ مقدّمةً كاشِفةً عن رؤيةِ طاهرٍ الخاصَّة للمَسْرح، ودورِه، وقضاياهُ، ومشاكلهِ، وجهودهِ النَّقدِيَّةِ المسرحيَّةِ المتميّزةِ التي قدَّمَها في البرنامج الثَّاني، وسَعيهِ الدَّؤوبِ لترقيةِ الذَّوْقِ المسرحيّ، وعدم الاقتصارِ على اتّجاهٍ دونَ آخرَ ليُفْسِحَ المجالَ للتَّثقيفِ والتَّأثيرِ.
ويُشِيرُ في نهاية المقدّمةِ إلى أنَّ هذا الجُهْدَ هو بعضٌ من كلٍّ، وأنَّ الكتابَ، على ما فيهِ من جهدٍ، لا يَعدُو كونَهُ مقدّمةً لجهودٍ أكبرَ مُستَحقَّةٍ؛ نظرًا لما بذلهُ طاهِرٌ في النَّقْد المسرحيّ؛ بوصفهِ ناقدًا مسرحيًّا ومنظّرًا، وصاحبَ موقِفٍ متسامحٍ من كلّ فنونِ المسرحِ، وألوانهِ العالميَّةِ والمِصْرِيَّة؛ كما تكشفُ المقالاتُ التي جمعَها يُوسُفُ عن دور طاهرٍ تُجاهَ التيَّاراتِ المسرحيَّةِ في السِّتينيَّاتِ والسَّبعينيَّاتِ بما لها أو عليها.
ومن ثمَّ، يُتبعُ هذا الكتابَ عن بهاء طاهر بآخرَ، يكشفُ فيهِ وَجْهًا آخَرَ بوَصفِهِ مُفَكّرًا سياسيًّا، ومُنظّرًا ثقافيًّا، وفيلسُوفًا رُوحيًّا؛ لذَا يختارُ عُنوانًا لهُ هو: "هَكَذَا تَكَلَّمَ بهاء طاهر" سنة ٢٠٢٣م، ليذكرنا بأحدِ أهَمّ كُتُبِ الفيلسُوفِ الألمانيّ نيتشه "هَكَذَا تَكَلَّمَ زرادشت".
وإلى هذه الدَّائرةِ ينتمِي كتابهُ "خلوة الكاتب النَّبيل" المنشُور سنة2012م الذي جمعَ فيهِ، مع مقدّمةٍ مهمَّة كاشفةٍ، المقالاتِ المجهولةَ غيرَ المجموعةِ في كتابٍ للأديب إبراهيم أصلان مع شهاداتٍ لأصدقائهِ ومقالاتٍ لنقّادِ أدبهِ، كما يأتي كتابُهُ :"وجُوهٌ أُخرى لفتحي غانم"، المنشور سنة2015م الذي يَكشِفُ فيه ما تعرَّضَ له غانمٌ من تهميشٍ، وإقصَاءٍ بسبَبِ أنَّهُ ظلَّ خارجَ أسرابِ الجرادِ منَ المؤدلجينَ، مُستقِلَّ الإرادةِ والقلمِ والرَّأيِ؛ لذا تعرَّضَ كثيرٌ من إبداعهِ للحذفِ؛ كحذفِ مائةٍ وثلاثينَ صفحةً مِن روايتهِ العلَامةِ:" تلكَ الأيَّام"، كما يكشفُ يُوسُفُ عن سببِ الحَذْفِ والمتسبِّبِ الحقيقيّ، والآثار المترتّبة، والسّياقات الثَّقافيَّة، ليضعَنا أمام مقارناتٍ واجبةٍ، وإصلاح حتميّ، ولا سيَّما أنَّ الموقِفَ متكرّرٌ مع غانم، فقدحُذِفَ من روايتهِ المشهورةِ: "الرَّجُل الذي فَقَدَ ظِلَّهُ"، ويثيرُ يُوسُفُ قضيَّةَ اختلافِ نَشْىرَتي هذهِ الرِّوَايَةِ في مجلَّة "روز اليُوسُف"، والطَّبعةِ المشهورةِ في كتابٍ؛ لِيؤُكِّدَ هذا التَّهميشَ المتعمَّدَ، والإقصَاءَ، والملاحقةَ، والقَمعَ بما حدثَ لروايةِ :"الجبَل" لِغانمٍ التي أصابَها ما أصابَ سابقتيها...!
ويُشيرُ يُوسُفُ إلى ظواهرَ مُدهشَةٍ فى الرِّوَايَةِ الأخيرةِ؛ إذ جاءَ فيها فَصْلٌ يمثّلُ سيرةً ذاتيَّةً للمؤلّف، وإلى عناوين الفصولِ التي حُذفتْ، وكانت مذكورةً في طبعة:" روز اليُوسُف" من الطَّبعَةِ المشهُورَةِ، ويوضّح يُوسُفُ أثَرَ الإسقاطاتِ السِّياسيَّةِ والثَّقافيَّةِ فيما حدثَ من حذفٍ وتغييرٍ في الرِّوَايَةِ، ودورها في محاولاتِ تجهيلِ غانِمٍ ، وأدبهِ بشكلٍ عامّ، بما يحتاجُ إلى دراسةٍ موسَّعةٍ، لا يمكنُ لناقدٍ واحدٍ أن يقولَ فيها القولَ الفَصلَ، وهي روحٌ موضوعيَّةٌ متسامحةٌ ومتواضعةٌ، تميَّز بها يُوسُفُ في مشاريعهِ، ودوائرهِ؛ إذْ يثيرُ قضايا مثيرةً جديدَةً ومهمَّةً، ولا يدَّعي أنَّه قتلَها بحثًا كما يدَّعي المدَّعون...!

ويَقعُ في هذه الدَّائِرةِ، أيضًا،كتابهُ: "خيري شلبي فيلسوفُ الهامِشِ"، ومن بابِ الموضوعيَّةِ يرى أنَّ كتابهُ نوعٌ من العِرفانِ بالجميلِ لكاتبٍ طالما أنصف المهمشين، ولم يجد مَن يُنصفهُ إلا بعد أنْ صارَ عَلَمًا تقتربُ إليه دوائرُ الباحثينَ والمهتمين بالشأن الثَّقافيّ المِصْرِيّ، وبيان أسبابِ كيفيَّةِ صناعةِ البصمةِ الخاصَّة بشلبي في وصفِ الرّيفِ المِصْرِيّ، وعوالم المهمَّشِين من عُمَّال التَّراحيل، والباعة الجائلين، والأوباش ممَّن لم يحتفِ بهم أحدٌ، وكيف نجحَ في تحويل الهامشِ متنًا جديرًا بالدَّرْسِ والعنايةِ وأهميَّة ذلك في المقارنةِ والعُمقِ.
ويبرز يُوسُف وجوهًا مجهولةً أخرى لشلبي بعيدًا عن السَّرد، والمقال، والبورتريه الذي غدَا علامةً فارقةً في كتابتهِ، فيكشف عن جُهد شلبي في إحياءِ التُّراث المسرحيّ للزَّعيم مصطفى كامل، ونصّ التَّحقيقِ الذي حقَّقهُ محمَّد نور وكيل النَّائب العام مع عميدِ الأدب العربيّ طه حسين في قضيَّة الشِّعر الجاهليّ، وجُهود شلبي في دراسةِ الشِّعر، والمسرح، والإذاعة، والتَّلفزيون، ولايَفوتهُ أنْ ينشُرَ بعضَ مقالاتهِ المهمَّةِ المهملةِ والمستبعدَة.
وفي هذه الدَّائرَة يقع كتابه:" حلمي سالم ناقدًا ومحاورًا" سنة ٢٠١٢م ليقِفَ على أفكاره النَّقدِيَّة، وتأمُّلاتهِ حول الواقع السِّياسيّ والاجتماعي، ورؤاهُ التي قد لا يُفصِحُ عنها شعرهُ، ومقالاتهُ النَّقدِيَّةُ، وكتابه" صبري موسى: سيرة عطرةٌ.. وإبداعٌ شامخ" سنة 2015م الذي يحاول فيه أن يعيدَ له بعض حقّهِ في ريادةِ فنّ القِصَّةِ القصيرةِ خاصَّةً، وفيما قدّمه للأدب العربيّ من كتاباتٍ إبداعيَّةٍ ونقديَّةٍ وفكريَّةٍ عامةً.

- الدَّائرة الثَّانيةُ: دائرةُ الكاتباتِ المنسِيَّات، المقتولات كمدًا، والمغتالات مَعنويًّا:
كتب يُوسُف مجموعَةً كبيرةً من المقالاتِ التي يُنصفُ فيها كثيرًا من الكاتبات المِصْرِيَّات اللَّائِي تمَّ إهمالهنَّ، وتهميش دورهنَّ عَمدًا لدرجةِ أدَّتْ بهنَّ إلى القتلِ المعنويّ العَمدِ، جمع بعضَها في كتابهِ: "لماذا تموتُ الكاتباتُ كمدًا"، الصَّادر عن دار بتانة ٢٠١٦م، وممَّن اختارهُنَّ في هذا الكتابِ عائشة التَّيموريَّة، ونبويَّة موسى، ونازك الملائكة، وميّ زيادة التي عاد وأفردَ لها كتابًا مستقلًّا ، صدرَ عن كتاب أخبار اليوم سنة ٢٠٢١م بِعُنوانِ: "الذين قتلُوا ميّ"، ولم يَقِفْ قلَمُ يُوسُف عن إنصافِ هؤلاءِ الكاتباتِ بإحياءِ المهمَلِ والمنسيّ والضَّائع من كتاباتهنَّ، وتوضيح الأسبابِ التي أدَّت إلى اغتيالهنَّ ليس لإعادة التَّحقيق فيها، بل لإعادة النَّظرِ في سياقاتنا الثَّقافيَّةِ والاجتماعيَّة لئلَّا تتكرَّرَ أخطاءُ الماضي.
- الدَّائرةُ الثَّالثةُ: دائرةُ المقمُوعينَ والمقهُورينَ:
وقد قام يُوسُفُ بتتبُّع جهود المبدعين والنُّقَّاد الذين قُمِعُوا في المنافي والسُّجون، وحرَّر كتابَ "أدب السُّجون" الصَّادر عن هيئة الكتابِ سنة ٢٠١٤م الذي لم يكتَفِ فيه بتحريرِ الدّراساتِ والتَّقديم لها بما يكشفُ الحقائقَ المتَّصلةَ بهذا القمعِ، وما نجمَ عنهُ من تشويهٍ للدَّرسِ النَّقدِيّ والأَدَبِيّ بإغفالِ هذا النَّوْع من الكتابةِ، أو الكُتَّابِ، بل كتبَ دِراستينِ مهمَّتينِ شَملهما الكتابُ، الأُولى عَمَّن شَمِلَهم القَمعُ والسِّجْنُ والنَّفيُ بعد ثورةِ يوليو ١٩٥٢م، والأُخْرَى عنْ أشكالِ مقاومةِ القمعِ بالشِّعرِ من خلالِ دِراسَةِ بعضِ تجاربِ هؤلاءِ المقهورينَ.
وفي هذه الدَّائرة يأتي كتابهُ:" ضحايا يُوسُفَ إدريس وعصرهِ" سنة ٢٠١٧م ليكتُبَ عن هؤلاءِ الذين تعرَّضُوا لنوعٍ منَ الإقصاءِ والظُّلْم، منهم أبو المعاطي أبو النَّجا الذي سبقَ يُوسُفَ إدريس في النَّشْر، وإدوارد الخرَّاط؛ بوصفِهِ أحدَ رُوَّادِ التَّجريبِ الذين وُجِّهتْ إليهم سِهام الاتهام بالوجوديَّةِ والسَّوداويَّة، والكفكاويَّةِ، وغيرها من التُّهمِ المعدّةِ سلفًا لكلّ مخالفِ حينئذٍ والافتراءاتِ الظَّالمةِ بغَرَضِ الإقصَاءِ، وكذا ما تعرَّضَ لهُ الأديب القاصُّ محمد يسري أحمد؛ بوصفِهِ أحدَ رُوَّادِ القصَّةِ القصيرةِ من إهمالٍ وغبنٍ.
- الدَّائرةُ الرَّابعةُ: القَضَايَا المُهمَّشَةُ:
تختصُّ هذه الدّائرةُ بقضايا ثقافيَّةٍ مُهمَّشَةٍ معَ أهميَّتِها البالِغة، كما نجدُ في كتابهِ المبكّرِ عن "شُعَراء السَّبعينيَّاتِ السّيرَة: الجيل- الحركة" الصَّادِرِ عن المجلسِ الأعلى للثَّقافةِ سنة ٢٠٠١م، و ما كتبَهُ وبثَّهُ من دورٍ لليسار المصريّ في الحركةِ الثَّقافيَّةِ المِصْرِيَّةِ بعيدًا عن الاشتباكِ السّياسيّ؛ وهو ما أسهمَ في كتاباتهِ الموسَّعةِ التي نعتها بأنَّها سِيرةٌ أخرى للثَّقافةِ المِصْرِيَّةِ، وهو يركّز على الإبداع الجيّد وأثرهِ، وما تعرّض له صاحبهُ من إقصاء بعيدًا عن اشتباكاتهِ السّياسيَّة التي قد تظلمهُ؛ فنجدهُ يُفرِدُ لصرخةِ فرج فودة دراسةً مُهمَّةً، كما أعادَ الاعتبارَ للمُقدِّماتِ الأولى لبعضِ الأعمالِ الإبداعيَّة والنَّقدِيَّة التي كتبَها أعلامٌ كبارٌ، وحُذفتْ في الطَّبعاتِ التَّاليةِ، كما لفتَ النَّظَرَ لكثيرٍ من الدَّواوينِ، والكتُبِ ذاتِ الطَّبعاتِ النَّادرةِ، والمصَادَرَةِ، والفُصُولِ المحذُوفةِ من بِعضِها، والسِّير والمذكّراتِ المجهولةِ، والمقالاتِ التي تغيَّرتْ في نشَراتٍ تاليةٍ بما يفتحُ البابَ واسعًا لدراسةِ هذه النًّصُوصِ بعَقليَّةٍ مختلفةٍ، ذات مُعْطَياتٍ جدِيدةٍ مؤثّرة في الدَّرسِ النَّقدِيّ والأَدَبِيّ والثَّقافيّ.
ويمكنُنا تلخيصُ مشروعِ شَعبان يُوسُفَ في ضَوءِ سُوسيُولوجيا الأدَبِ؛ بهذهِ المعادلةِ:الأدبُ= (نَصّ) + (سياق اجتماعيّ) + (مؤسَّسات) + (صِراع ثقافيّ)؛ فهو لا يدرسُ النُّصُوصَ الأدبيَّةَ بمعزلٍ عن سياقاتهِا الاجتماعيَّة، بل يدرسُها في إطارِ شبكةٍ معقَّدةٍ من العلاقاتِ الثَّقافيَّة والسّياسيَّةِ؛ ليكشفَ كيفَ يُنتجُ العملُ الأدبِيّ داخلَ بنيةٍ اجتماعِيَّةٍ غيرِ محايدةٍ؛ بما يجعلُ مشروعَهُ ممثّلًا لأُنموذجٍ مائزٍ في سُوسيُولوجيا الأدبِ؛ إذْ يَنتقِلُ منَ التّوثيقِ والبحثِ والتَّنقيبِ والكشفِ إلى إعادَةِ قِراءةِ النُّصُوصِ وَفقَ الحقولِ الثَّقافيَّةِ المنتجَةِ لها؛ بما يكشفُ آليَّاتِ الهيمنَةِ والتَّهميشِ داخِلَ المجتَمَعِ الثَّقافيّ المصريّ، والعربيّ بالتّبعيَّةِ.
وَتَقَعُ كلُّ هذهِ الدَّوائرِ في إطارِ الأَدبِ الوَصفيّ، ويبقَى لنا دَوائرُ أُخرى فيما يقعُ في إطار الأدبِ الإنشائيّ من شِعرٍ، وسَردٍ، وكتابةٍ مَسْرحِيَّةٍ، وهو ما يحتاجُ إلى مقالاتٍ ودِراساتٍ وأُطرُوحاتٍ أُخرى، واقتِداءً بروح شَعْبان يُوسُفَ؛ فإنَّ ما طَرحتُهُ يحتاجُ إلى جُهُودٍ متتابعةٍ تعمّقها وتبذَلُ فيها جهودٌ كبيرةٌ في تفصيلهِ.
-----------------------------------------
بقلم: د. محمد سيد علي عبدالعال (د. محمد عمر)
* أستاذ الأدب والنقد ووكيل كلية الآداب للدّراسات العليا بآداب العريش.






