صيف سانتياجو 2024
قطعت رنة الهاتف شريط الذكريات. كان اتصالاً طويلاً انتظرته بلهفة، ربما لرغبة داخلية لمعرفة ما آلت إليه الرواية وكيف سارت بها الأيام، وأيضًا لمعاودة حبل ود قطعه البعد، فبعيدًا عن العمل المشترك بيننا، جمعني وزياد أواصر مودة واحترام خلال إقامتي في بيروت، نتبادل التهاني في المناسبات، وأحيانًا كنا نلتقي على غير ترتيب فنتحدث حول فنجان قهوة أو شاي حول موضوعات مختلفة في الشأن العام، كنت أعلم أن ما غَشَى طباعة الرواية من ملابسات أمر عابر، لن يلبث أن ينقضي فور يراها بين يديه ويشم رائحة الورق الممزوجة بالحبر، أو حين يخبره مسئول التوزيع أنها في طريقها إلى المعرض من دون تأخير. وقتها سوف ينسى كل التوتر والقلق اللذان غشيا مراحل إعداد الرواية للنشر، وتعود العلاقة الإنسانية نقية كأصلها بين شخصين يُكنان لبعضهما الاحترام والتقدير.
وكأن كلانا كان ينتظر هذه المكالمة فتحدثنا حول أمور عديدة، سارت بنا المكالمة على غير هدى، حتى ظننت أنها ليست سوى مكالمة للاطمئنان ووصل ما انقطع، تكلمنا في الحياة والسياسية وطلبت منه أن يحدثني عن أحدث الروايات العربية، فمنذ سافرت إلى سانتياجو تراجع اتصالي بفضاء الثقافة العربية، صارت أمريكا اللاتينية -بحكم العمل- الفضاء الحيوي الذي أتحرك بين دوله، مستخدمًا اللغة الإنجليزية في المعاملات الرسمية، مع إسبانية عرجاء لزوم الاحتياجات البسيطة، لكنها أبدًا لا تسمح بالاطلاع على منتجات الآداب الإسبانية من روايات وأشعار، مستوى يرى فيه فرناندو قمة البلاغة، مقارنة بماض اقتصر على لغة الإشارة إلا من تحيتي الصباح والمساء، وإن لم يمنعني ذلك في بعض الأيام –ومن باب الدعابة- أن أهز رأسي تعقيبًا على كلام لا أفهم فيه حرفًا، بما يعني أني منصتٌ لك وأتفهم معنى ما تقول، وإن لم أفهم الكلام حرفيًا.
بحكم المهنة، سألني عن آخر أعمالي الأدبية، وأخبرته أن كتاباتي المتواترة قد اقتصرت على قصص قصيرة، نُشر أغلبها على صفحات المواقع الإلكترونية.
وعرفت منه أن مبيعات الرواية سارت بشكل مقبول، اللطيف كان في تجنب كلانا ذكر معرض الكتاب بالشارقة، وملابسات إلغاء حفل التوقيع، ولا حتى الرأي الإيجابي لبعض نقاد تكفلوا بقراءتها وعقبوا عليها خلال جلسة الإعلان عنها بالمعرض. بدا أننا ما زلنا متفاهمين رغم مرور الزمن
أخبرني زياد أنه استطاع عقد عدة صفقات مع عديد مع دور النشر والتوزيع في الدول العربية. ثم تنهد وأطلق زفرة طويلة، وقال:
- أتدري أنني أعاود الاتصال بك بسبب هذه الرواية!
- لعله خير؟ (قلتها مبتسمًا وبنبرة استفسار)
رد بصوت كله حيرة،
- لا أدري!
عقبت وقد تسرب القلق إلى صوتي،
- ماذا تعني؟
- أقول لا أدري، هل ما سأخبرك به خير أم غير ذلك؟
- قلقتني!!
- دعني أحكي لك!
- .....
استطرد زياد من غير ترتيب، مرة يرجع بالزمن فيغرق في الماضي البسيط والتام ومرة يتقدم به فإذا هو موغل أشد ما يكون الإيغال في المستقبل البعيد، وأحيانًا بين ذلك قواما، فإذا به في المضارع مسترخ كأنما لا صلة له بماض أو مستقبل.
اضطرني تشوش حديثه لإيقافه أكثر من مرة كي استبين مقصده، وبأريحية كرر اعتذاراته جراء تشتت أفكاره. استمعت له بقلب منقبض وداهمتني مشاعر متباينة، خليطٌ بين الفرح والحزن، أشبه بفوار متباين الألوان والحرارة.
كانت تلك اللحظة كفيلة ببعثِ كائن خرافي من بين ركام الماضي، ظننت ذات يوم أنه دفن وانتهى الأمر وعشت اضرب في سذاجتي هذه وظنوني تلك باعتباره ماضيًا تامًا، كما يقول نُحاة اللغة الإنجليزية، دُفِنَ فاستراحَ وأراحَ، فإذا به مضارع مُغرق في الحاضر، يتململ في رقدته وينتفض واقفًا لم يمسسه سوء، عاد بكل عنفوانه حيًا، حتى لتظن أن الزمن قد عاد بنا.
عندها أيقنت أن إحساسي بمرور الزمن كان زائفًا مخادعًا، وأنني غالطت نفسي كثيرًا، وصورتُ لها أوهامًا ونسجت لها من الخيال ما خدعها، بينما الحقيقةُ شيءٌ آخر.
ووجدتني، من دون تفكير، ابتسم واتجهم في آن واحد. لم أدر أي الشعورين كان الأقرب إلى قلبي، تعني الابتسامة أنني كنت مخادعًا كبيرًا، أخدع نفسي وأوهمها أن الماضي مات ودُفن تحت الثرى فأختفى عن عيوننا، ونسينا ذاكرتنا. كان التجهم إشارة إلى ظني الكامل في النسيان، فلما استيقظ الماضي وجمت، وسألت نفسي؛ أي حياة خادعة هذه التي أحياها؟
تذكرت يوم قال لي آليخاندروا ذات مرة (ألا تشعر بنفسك؟ تعيش وحيدًا كراهب معتزلاً الدنيا. حتى سانتياجو لم تزرها بعد، حياة مملة مكررة على مدار الأيام، من المكتب إلى البيت، والعكس بالعكس، تزيدها يوم السبت أو الأحد بالمرور على أحد مراكز التسوق، لتعود بعد ساعات قلائل إلى شرنقتك، أقرب إلى أولئك العَجَزةَ والمسنين الذين لم يبق لهم في الحياة إلا انتظار الموت وزيارة الكنيسة في أيام الآحاد، استبدلت السوق بالكنيسة!.. يا لها من حياة كئيبة؟!).
إيه يا عزيزي.. لم يكن هذا حالي في سانتياجو فقط يا صديقي، بل وفي بيروت أيضًا قبل أن تحتلني مايا. أدفن نفسي في العمل فلا انتبه لوقع الأيام، أعطلة هي أم عمل؟ أصباحٌ هو أم مساء؟ كل الأيام سواء، وكل الأوقات سواء، لا طعم، لا شكل، لا لون، ولا رائحة.
وعندما التقيتها غيرت الساعة عقاربها واتجاه دورانها، دبت الحياة في كل ما حولي، حتى أنها طوحت بي بأقصى ما في ذراعيها من قوة، وعُدت وحيدًا ثانية، فقدتها وهجرت بيروت إلى سانتياجو فصار العمل ملاذي للهروب من دقات الساعة المؤلمة.
كان العمل عزائي في وحدتي، وسلواني في إخفاقاتي المتكررة؛ منذ عرفت الحب، والشباب يدق أبوابي وأنا في المدرسة الثانوية، كانت ريم أصغر مني بعامين، وكما كانت هي الحب الأول، كانت أيضًا الفشل الأول. تركت بعدها البلدة إلى الجامعة بالإسكندرية، وهناك كانت جيهان تنتظرني لأبدأ رحلة حبٍ جديدة، اعتذر إنه إخفاق جديد، ففي تمام التوهج خطفها شاب يعمل في الخليج، تسبقه دنانيره وريالاته، وقتها علق محمود صديقي حين علم بأن هناك من تقدم لها، ضرب على كتفي في مودة وقال كلمته المشهورة "كش ملك". انتهى الدور، وصار عليّْ أن أبدأ من جديد.
تركت عروس البحر المتوسط إلى القاهرة؛ مستقر غادة ومستودعها، وهناك لم يدخر القدر جهدًا ليقرب منا، توجنا حبنا بالزواج، ثم كان ما كان، واكتشف كل منا أنه لم يعرف عن الآخر ما يؤهله لاتخاذ القرار الصحيح، وسرعان ما ضرب الفتور حياتنا، وصار الانفصال أقرب لنا من الاستمرار. وكالعادة، بعد كل جولة إخفاق، قررت المغادرة، واخترت هذه المرة أن أترك المحروسة كلها؛ بغيطانها وشوارعها ومدنها وسواحلها إلى بيروت، وأيقنت أن طُرق سفري مطوقة بخيبات الحب، فخلف كل قصة حب جديدة، هناك هجرة جديدة لا محالة، فزهدت الحب ودفنت نفسي في العمل.
لا تعرف أيامي ساعات عمل محددة، 24/7 كما يقول الأمريكيون، تتداخل كل مسارات حياتي وتتقاطع مع العمل؛ في السيارة، وأثناء التسوق، والنزهات على قِلتها، وحتى عندما أعود للبيت، أتناول طعامي ثم أهرع إلى ما تركته من ملفات عمل على جهاز الحاسب، أنشغل بها وفيها إلى أن يداهمني النوم، فأترك كل شيء على حاله؛ الأكواب، بقايا الطعام، زجاجات المياه، الأقلام، الأوراق، والفوضى، وآثار هروبي من نفسي ومن التفكير في الحب.
رافقتني الفوضى في كل أموري، وكانت تريزا المضاد الحيوي لفوضاي في بيروت. تمر عليّْ صباح كل سبت فلا تترك البيت إلا وقد أصلحت شأنه وعادت كل قطعة فيه إلى مكانها الطبيعي الذي صُنعت من أجله، وفوق ذلك تعد بعض الطعام أو المخبوزات.
من صنيع يديها أطعمت مايا أول قطعة كيك بعد عودتها من أبو ظبي، كم كان وقتًا سعيدًا لا يُنسى، تجاوزنا بحبنا حدود الزمان والمكان ووقفنا مبهورين على بساط الريح وهو يطوف بنا في بلاد لم يُخلق مثلها في البلاد، لحظتها قررت أن أجعل منه بداية لتاريخ جديد، لكنني سرعان ما اكتشفت أنها النهاية لا البداية.
كم كان أكل تريزا شهيًا، أشعر معهه بأُنس البيت، خلاف أكل آنجيلا، بذلت معها مجهودًا كبيرًا كي تُضفي على طعامها نكهة شرقية وفشلت، تنحصر كل خبراتها في الطعام المحلي في سانتياجو السيفيتشي والإمباناداس، إضافة إلى الكازويلا والتاكو، وفي النهاية رضيت منها بالمعجنات المحشوة بمزيج من اللحم البقري المفروم (بينو) والبصل والزيتون والبيض المسلوق والزبيب، أو ما يُطلق عليه "إمباناداس دي بينو" بقشرتها الذهبية اللامعة، تصنع منها ما يكفي أسبوعًا أو يزيد، فأُقبل عليها وأُهدي فرناندو منها، لكنني سرعان ما أزهدها وأقف في المطبخ لأعد صينية لحم بالبطاطس، أو شوربة سمك صيادية، أو غير ذلك مما يُذكرني بطعام أمي رحمها الله، وكان من عادة آنجيلا إن وقعت عيناها على بعض من هذه الأطباق أو بقاياها أن تُبدي اشمئزازها دون حرج.
منذ توفيت أمي، ولحق أبي بها بعد أسابيع قليلة، ازداد شعوري بالوحدة. كانت رسائلها ومكالماتها اليومية زادًا يعينني على وحدتي، بينما كان صوت أبي الأجش -صباح كل جمعة- صدى الأمان والطمأنينة والحارس من غدر الزمان.
وها هي الأيام تمر على وتيرة شبه متكررة، لا يقطع رتابتها إلا اختلاف مؤقت لإيقاع العمل بحسب الموضوع وما يتطلبه من سفر قصير لا يطول، إلى أن تواصل زياد معي بعد تلقيه مظروفًا كبيرًا من الورق المقوي عبر خدمة البريد السريع، ظنه لمظهره الخارجي وثقل وزنه مشروع رواية أرسلها صاحبها بغرض النشر.
وقتها لم يكن زياد في حال مزاجية تسمح له باستقبال أعمال جديدة من أشخاص مجهولين، فألقاه على سطح المكتب من غير اكتراث حتى أنه لم يقرأ اسم المرسل، وعاود انهماكه في الإعداد لطباعة بعض كتب ارتبط بها بعقود ومواعيد، فانشغل بها عن المظروف. ولو أنه قرأ اسم المرسل، لكان للمظروف شأن آخر.
سمحت فوضي المكتب بإخفاء المظروف لمدة ليست بالقصيرة عن عيني زياد، حتى كان أحد الأيام التي قرر فيها ترتيب مكتبه ووضع حد للفوضى المقيمة فيه، فأمسكه بين يديه وتعجب أنه ما زال على حالته، كما استلمه من رجل البريد، وعاتب نفسه على مرور كل ذلك الوقت من دون أن يفتحه، خاصة وأن اسم المرسل كفيل بإثارة فضوله.
شق جنب المظروف الأصفر السميك بفتاحة الخطابات فوجد في داخله مظروفًا آخر أبيض اللون مُغلقًا مكتنزًا بالأوراق، كتب عليه بخط ركيك (مؤسسة الكروم للنشر والتوزيع، يسلم ليد حضرة الأستاذ زياد ملحم غتوري المحترم).
فتح المظروف وأخرج رزمة أوراق بين فَكَيّ مشبك معدني أنيق وردي اللون، يُضفي على الرزمة لمسةً أنثويةً أو طفوليةً، كزهرة معلّقة على حافة دفتر. فَضَهُ وشرع يقرأ فاستغرقته القراءة، كأنما شُد بخيط سري إلى سطورها وكلماتها، فكان كلما أزمع بينه وبين نفسه أن يتوقف عند قِسم، على أن يعاود القراءة في اليوم التالي، دفعه الفضول لاستكمال القراءة.
صنع عدة أكواب من القهوة وأشعل المدفأة طردًا للصقيع، كانت الصفحات تتوالى أمام عينيه توالى الصور من خلف نافذة قطار، أحس ارتباطه الشديد بالأوراق وما حوت، حتى أن أنفاسه كانت تتسارع ما تسارعت الأحداث، وتهدأ وتتباطأ ما تباطأت وتيرتها، ينشرح صدره لأحداثها السعيدة، وينقبض في الأزمات والمواقف الصعبة.
وعرفت منه أنه لم يستطع ليلتها ترك مكتبه قبل الانتهاء من قراءة الأوراق، شعر بثقل الحمل على كتفيه وصعوبة إرجاء قراءة ما تبقى إلى اليوم التالي فواصل القراءة مدفوعًا بشغف الرغبة في معرفة النهايات، وما النهايات بالشيء الذي يُدرك، فخلف كل نهاية بداية، لنجد أننا لسنا أمام نهايات، إنما هي بدايات متعاقبة!
كانت الساعة قد تخطت الثالثة صباحًا واكتنف المكتب ظلام دامس إلا من تلك البقعة التي يجلس فيها زياد في غرفة مكتبه، لا يزيد فيها عن ثلاث؛ يقرأ ويدخن ويحتسي القهوة.
امتلأت منفضة السجائر عن آخرها، وتناثرت آثارها على سطح المكتب وتحولت بعض أكواب القهوة الورقية إلى طفايات رُشِقت فيها أعقاب السجائر، وعبق المكتب دخان كثيف معلق في حال تشابه ما بلغه عقله وفكره من حيرة، حتى بعدما انتهى من القراءة، وهو الذي كان يظن أن في تمام قراءة هذه الأوراق ما يشفي غليله ويصل به إلى شاطئ الراحة والفهم، ولكن هيهات هيهات، كان كمن يمشي مسحورًا خلف سراب، يرى في الصفحات التي قرأها صحراء قاحلة موغلة في القسوة، فيظن بالصفحات التي لم يقرأها بعد ظنًا غير ذلك، حتى إذا ما بلغها وجدها كسابقتها، سراب في سراب، وهكذا استمر على هذه الحالة حتى بلغ الخاتمة متبوعًا بتوقيع السيدة، فإذا هو في فضاء صحراء قاحلة، تائه لا يعرف أين يمضي، محتارًا لا يستقر على رأي.
ووجد نفسه يعيد ترتيب الأوراق ويحكم فكي المشبك على أطرافها، ويعيد وضعها في المظروف المقوي ويغلقه ويقبض عليه بكفيه وينظر إليه نظرته إلى صديق عزيز، ويقول له بعتاب محب (آآه.. حتى أنت؟)، ثم ابتسم بسخرية وأردف (حقًا إن المشاكل تنادي بعضها بعضًا)، ثم وضع المظروف في الدرج عن يمينه وفرك عينيه وأطفأ مصباح الأباجورة فعم المكتب ظلام حالك، فسار على هدي ضوء الهاتف واهتدى بخيط نور متسلل من تحت باب المكتب الخارجي بتوجيهه إلى باب الخروج، مضى وهو يهز رأسه ويسأل نفسه بصوت مسموع، (يا الله .. كيف حدث هذا؟ .. وما العمل؟).
وما أن أغلق باب المكتب بالمفتاح من الخارج، حتى سحب سيجارة من العلبة وأشعلها ونفث خيط دخانها في ضيق، في الوقت الذي كانت تتصاعد فيه ألسنة حرائق خفية لا يراها أحد سواه، تتأجج في صدره وتخرج من كل خلية في جسمه مصحوبة بحيرته وظنونه. (يُتبع)
-------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط






