في لحظة هادئة، وأنت تبحث عن صورة قديمة أو رسالة منسية في هاتفك، قد تجد نفسك تفتح بابًا لم تكن تقصد أن تفتحه، تمر أمامك أسماء أشخاص كانوا يومًا جزءًا من تفاصيلك اليومية؛ صديق كنت تروي له كل ما يمر بك، قريب كانت الأعياد لا تكتمل إلا بوجوده، زميل دراسة أو عمل شاركك سنوات من التعب والنجاح، وربما إنسان ظننت أن وجوده في حياتك سيبقى ما بقي العمر.
تقف قليلًا أمام تلك الأسماء، وتتعجب: كيف يصبح من كان يعرف ملامح حزنك قبل فرحك شخصًا لا تعلم عنه شيئًا؟
كيف يتحول القريب إلى غريب، والحديث اليومي إلى صمت طويل؟
ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان أنه لا يفقد الناس بالموت وحده، بل يفقدهم وهم أحياء.
هناك علاقات لا تنتهي بضجيج، وإنما تذبل بهدوء؛ تقل الزيارات، وتتأخر المكالمات، وتختفي الأسئلة، حتى يكتشف كل طرف أن الحياة مضت به في طريق آخر. كثيرًا ما نحاول أن نفسر هذه النهايات، فنقسو على أنفسنا أو على الآخرين، فنقول إن المحبة لم تكن حقيقية، أو إن الصداقة كانت وهمًا، لكن الحقيقة أكثر إنصافًا من ذلك.
فليس كل ما انتهى كان كذبًا ، هناك مشاعر كانت صادقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكنها لم تستطع الصمود أمام تغير الناس، واختلاف طباعهم، وضغوط الحياة وتقلباتها.
يقول الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: "لا يمكنك أن تعبر النهر نفسه مرتين."
فالإنسان يتغير بفعل الزمن والأحداث التي يمر بها، كما أن العلاقات بدورها تتبدل مع تغير أصحابها ، فالقلوب لا تُجبر على البقاء، كما أنها لا تُجبر على الرحيل.
ولكل علاقة عمرها الذي كُتب لها، وقد يكون من أجمل ما تعلمته مع التقدم في العمر أن العلاقات نوع من الرزق ، فكما أن الله يفتح لنا أبوابًا ويغلق أخرى، يرسل إلينا أشخاصًا في أوقات معينة لأن وجودهم يحمل رسالة ما، فقد يأتي صديق لينتشلنا من وحدة، أو قريب ليقف بجوارنا في أزمة، أو زميل ليعلمنا درسًا في الحياة، ثم تنتهي مهمته ونكمل الطريق.
ولهذا قال الفيلسوف الروماني سينيكا: "كل ما نملكه في هذه الحياة هو، في الحقيقة، معار لنا."
ومحبتنا في قلوب البشر رزق لا يقل قيمة عن المال أو الصحة أو النجاح ، ونحن، في الحقيقة، لا نعرف أين كتب الله لنا هذا الرزق، ولا في قلب مَن من البشر وضع لنا مكانًا، فقد نجده في صديق، أو أخ، أو زوج، أو قريب، أو حتى في شخص غريب لم يكن في حساباتنا.
وحتى الأشخاص الذين نحبهم لا نملكهم، وإنما نلتقي بهم لفترة قد تطول أو تقصر، ثم تمضي بنا الأيام في اتجاهات مختلفة.
ومع النضج، يدرك الإنسان أن خسارة بعض العلاقات ليست دائمًا هزيمة ، أحيانًا يكون الابتعاد رحمة للطرفين، وأحيانًا يكون حفاظًا على ما تبقى من الذكريات الجميلة.
والإنسان الحكيم لا يحاول أن ينتصر في كل خلاف، ولا أن يحتفظ بكل الناس حوله، وإنما يحرص على ألا يخرج من حياة أحد وهو يحمل ظلمًا أو إساءة متعمدة.
ومع مرور السنوات، تخف حدة التعلق، ويزداد فهمنا لطبيعة الدنيا، فندرك أن بعض الأشخاص خُلقوا ليكونوا فصلًا جميلًا في كتاب حياتنا، لا الكتاب كله، وأن بعض الوجوه جاءت لتترك أثرًا ثم ترحل، وأن هذا لا ينتقص من قيمتها ولا من صدق ما كان بيننا.
وربما يكون للعلاقات رصيد خفي لا نراه، يتكون من المواقف الجميلة، والاعتذار، والتسامح، وحسن الظن، والقدرة على التغاضي عن الهفوات الصغيرة. وكلما زاد هذا الرصيد، استطاعت العلاقة أن تتجاوز العواصف، وعكس ذلك صحيح؛ فكثير من العلاقات لا تنتهي لأن المحبة كانت زائفة، بل لأن طاقة الاحتمال انتهت.
ومع ذلك، ليست كل النهايات متشابهة.
فهناك من يدخل حياتنا فيترك فيها جرحًا عميقًا. أشخاص منحناهم الثقة، فبادلونا بالخيانة، وأعطيناهم الود، فردوا بالإساءة، وأخلصنا لهم، فقابلوا الإخلاص بالخذلان.
وهنا تكون المعركة الأصعب؛ ليس مع الآخر، وإنما مع أنفسنا ، فقد يكون الانتقام سهلًا، ورد الإساءة بالإساءة أمرًا في متناول اليد، لكننا تعلمنا من تجارب الحياة أن الظلم لا يُداوى بظلم مثله، وأن هناك يومًا لا تضيع فيه الحقوق.
قال الله تعالى في سورة إبراهيم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
ولذلك، حين نعجز عن انتزاع ألم الظلم من قلوبنا، نحاول على الأقل أن ننتزع منه الرغبة في الانتقام ، نوكل الأمر لله، ونترك الخصومات ليوم تجتمع فيه الخلائق عند مليك مقتدر، يوم لا يحتاج المظلوم إلى أن يرفع صوته؛ لأن الحق يعرف طريقه إلى أصحابه.
وربما لا يلتئم جرح الخذلان تمامًا، لكنه يهدأ عندما تشعر أن الله شاهد على ما مررت به، وأنه لا يضيع عنده معروف، ولا تسقط عنده دمعة مظلوم.
وقد يكون هذا من أعلى درجات السلام النفسي؛ أن تنجو بقلبك من التحول إلى نسخة تشبه من آذاك، وأن تحافظ على نقائك رغم كل ما مر بك.
وفي النهاية، لسنا مطالبين بأن يحتفظ بنا الجميع، ولا أن نبقى في حياة كل من مررنا بهم، لكننا مطالبون بأن نمر بخفة، وأن نحسن ما استطعنا، وأن نترك خلفنا أثرًا طيبًا.
فنحن جميعًا عابرون في حكايات بعضنا البعض، لكن السعداء حقًا هم أولئك الذين إذا غابوا بقي لهم في القلوب دعاء، وفي الذاكرة امتنان، وفي الروح أثر جميل لا يمحوه الزمن.
ونسأل الله أن يرزقنا قلوبًا تعرف المحبة، وأن يرزقنا محبة من يحبنا فيه، وأن يهون علينا فراق من كُتب لهم أن يرحلوا من حياتنا، وأن يجبر كسورنا إذا خذلنا البشر؛ لأن من جعل أمره كله لله، عاش مطمئن القلب، مهما تقلبت به الأيام .
-----------------------------
بقلم: سحر الببلاوي






