متى نشرب الماء ؟ هل إذا عطشنا فقط؟ الإجابة العلمية القاطعة هي: لا، لا يجب على الإنسان أن ينتظر حتى يشعر بالعطش لكي يشرب الماء.
من الناحية الفيسيولوجية والطبية، الاعتماد على العطش فقط كمؤشر لحاجة الجسم للماء هو خطأ شائع، وإليكِ الأسباب العلمية السلوكية لذلك:
1. العطش مؤشر متأخر (إنذار حرائق)
عندما تشعر بالعطش، فإن جسمكِ يكون قد دخل بالفعل في أولى مراحل الجفاف (Dehydration)، وخسر حوالي 1% إلى 2% من محتواه المائي المعتاد. بمعنى آخر: الشعور بالعطش ليس دعوة استباقية للشرب، بل هو صرخة استغاثة متأخرة يطلقها الدماغ (عبر مركز العطش في الهيبوثلاموس) بعد أن بدأت الخلايا تعاني من نقص السوائل.
2. خداع الدماغ (خلط الإشارات)
في كثير من الأحيان، يترجم الدماغ إشارات نقص الماء بشكل خاطئ على أنها شعور بالجوع أو الرغبة في تناول السكريات. لذلك، يندفع الكثير من الناس لتناول الطعام بينما أجسادهم في الحقيقة تحتاج فقط إلى كوب من الماء. شرب الماء بانتظام يمنع هذا الخداع السلوكي.
3. حالات يتأخر فيها مؤشر العطش أو يغيب
هناك فئات وحالات لا يعمل فيها نظام الإنذار (العطش) بكفاءة، ومنها:
- كبار السن: مع تقدم العمر، تضعف حساسية مستشعرات العطش في الجسم، لذا قد يصاب المسن بالجفاف دون أن يشعر برغبة في الشرب.
- الأطفال: يندمجون في اللعب والحركة وينسون شرب الماء تماماً ولا يطلبونه إلا عند العطش الشديد.
- أثناء ممارسة الرياضة أو بذل مجهود شاق: يفقد الجسم السوائل عبر التعرق بسرعة تفوق سرعة تنبيه الدماغ بالعطش.
- الطقس البارد: في الشتاء، يقل الشعور بالعطش تلقائياً، لكن الجسم يظل بحاجة للماء لإتمام عملياته الحيوية وطرد السموم.
ما هو المقياس الأدق لشرب الماء ؟
بما أن العطش ليس مقياساً دقيقاً، فإن المقياس البيولوجي الأفضل لمعرفة كفاية الجسم من الماء هو "لون البول":
إذا كان شفافاً أو أصفر فاتحاً جداً (كلون قشر الليمون): فالجسم رطب ومكتفٍ.
إذا كان أصفر داكناً أو مركزاً: فهذا دليل على الجفاف، ويجب الشُرب فوراً حتى لو لم تكن تشعر بالعطش.
كم يفقد الجسم من الماء يومياً بشكل إجباري ؟
جسم الإنسان مجبر بيولوجياً على التخلص من كمية محددة من السوائل يومياً، حتى لو لم يشرب قطرة ماء واحدة، وذلك لتصريف الفضلات السامة والحفاظ على حرارة الجسم. يُطلق على هذه الكمية في الفسيولوجيا الطبية اسم "الفقد الإجباري للماء" (Obligatory Water Loss).
تبلغ كمية الماء المطروحة إجبارياً في اليوم للشخص البالغ في ظروف الطقس والمجهود الطبيعية حوالي 1400 إلى 1600 مليلتر (نحو 1.5 لتر يومياً)، وتتوزع في الجسم عبر أربعة مسارات أساسية:
1. الفقد البولي الإجباري (حوالي 500 مل)
الكلية مجبرة على إخراج حد أدنى من البول يومياً يتراوح بين 400 إلى 500 مليلتر.
السبب الفسيولوجي: هذا الحد الأدنى لا يمكن تجاوزه، لأن الكلية تحتاج إلى هذه الكمية من السوائل كحد أدنى لإذابة وجرف الفضلات النيتروجينية السامة الناتجة عن التمثيل الغذائي (مثل اليوريا والكراتينين) والأملاح الزائدة وطردها خارج الجسم.
2. الفقد غير المحسوس عبر الجلد والتنفس (حوالي 800 - 900 مل)
يُسمى علمياً بـ (Insensible Water Loss)، وهو ماء يفقده الجسم دون أن نشعر به (لا يدخل ضمن العرق الكثيف):
عبر الرئتين (نحو 300 - 400 مل): يخرج مع كل زفير لترطيب الممرات الهوائية، حيث يمتلئ الهواء الخارج من الرئتين ببخار الماء بنسبة 100%.
عبر الجلد (نحو 400 - 500 مل): يتبخر الماء مباشرة من خلايا الجلد وطبقاته السطحية للمحافظة على رطوبة الجلد وحرارته، وهو يختلف تماماً عن العرق النشط الذي تنتجه الغدد العرقية عند الحر أو المجهود.
3. الفقد عبر الجهاز الهضمي والبراز (حوالي 100 - 200 مل)
رغم أن الأمعاء تمتص معظم السوائل المخضومة، إلا أن هناك كمية ضئيلة تقدّر بـ 100 إلى 200 مليلتر تخرج إجبارياً مع البراز بشكل يومي للحفاظ على ليونته وتسهيل حركته.
ملاحظة طبية هامة:
هذه الـ 1.5 لتر هي الحد الأدنى الإجباري في ظروف الراحة والطقس المعتدل. وفي حال ارتفاع حرارة الجو، أو ممارسة الرياضة، أو الإصابة بالحمى والمرض، يرتفع هذا الفقد الإجباري بشكل حاد عبر العرق والتنفس، مما يفرض على الإنسان تعويضه فوراً لحماية الكليتين وخلايا الدماغ من الجفاف الحاد.
والسؤال المهم هو: كم تحتاج من الماء يوميا ؟
عادة ما يحتاج الرجال إلى ۳،۷ لتر من الماء يوميا، أي نحو ١٥-١٦ كوبًا (٢٥٠) مليلترا)، والنساء يحتجن إلى ٢،٧ لتر، أي نحو ۱۱-۱۲ كوبًا من الماء يوميًا. ولحساب الكمية التي يحتاج إليها جسمك بدقة اضرب وزنك في ٣٥
لتعرف كم مليلترا من الماء تحتاج إليه، ولو أردت تحويلها إلى عدد من الأكواب الصغيرة اقسم المحصلة على ٢٥٠. فإذا كان وزنك ۸۰ كيلو جرامًا فأنت تحتاج إلى ۲۸۰۰ مليلتر يوميًا، أي ١١ كوبًا على الأقل يوميًا.
الخلاصة:
ترطيب الجسم بشكل صحيح يتطلب شُرب الماء بشكل استباقي وموزع طوال اليوم (بمعدل كوب كل ساعة أو ساعتين)، لضمان كفاءة عمل الدماغ، والكلى، والدورة الدموية، وتجنب الصداع والإرهاق الذي يسببه الجفاف الصامت.
-----------------------------------
بقلم د. صبحي زردق
* استشاري الأعصاب والطب النفسي
من المشهد الأسبوعية
هل نشرب الماء إذا عطشنا فقط ؟






