06 - 06 - 2026

التسميم والإعدام الجماعي لكلاب الشوارع حل مقبول لدى البعض!

التسميم والإعدام الجماعي لكلاب الشوارع حل مقبول لدى البعض!

الأزمة تكشف علاقتنا غير السوية بالرحمة والإنسانية وتغييبهما وراء جدران الخوف
- دينا ذو الفقار: فكرة القتل الجماعي للكلاب «فكر إرهابي متطرف».. والأكل النيء لا يصنع كلبا شرسا
- القمص بضابا بخيت: العهد القديم يأمر بالرحمة بـ«نفس بهيمته».. وتعذيب الحيوانات للتسلية «خطيئة» ومن يطعمها قلبه رحيم
- الشيخ ياسر سلّمي: الكلب "ليس نجسا" فقهياً والإعدام الجماعي إسراف محرم.. وعنف البشر أيقظ جينات «الشراسة» لدى الكلاب
- براء المطيعي: الاستقواء على «الكلاب» يكشف عنف المجتمع.. وحملات الإبادة بالسم تعكس عجزا عن الحل العلمي

قبل سنوات قليلة لم يكن إطعام كلب جائع او وضع وعاء ماء لحيوان في الشارع فعلا يثير الجدل… كان الأمر يمر باعتباره تصرفا عاديا.. قد يراه البعض جميلا وقد لا يهتم به آخرون.. لكنه لم يكن سببا للاتهام أو السخرية أو الهجوم..  اليوم يبدو المشهد مختلفا…

على مواقع التواصل الاجتماعي.. وتحت أخبار حوادث العقر او انتشار صور كلاب الشوارع،  تتكرر موجات متشابهة من الغضب والدعوات إلى التسميم والقتل الجماعي والتجويع.. وفي المقابل أصبح من يطعم الحيوانات أو يدافع عن حقها في الحياة عرضة للهجوم والاتهام.. حتى ظهر مصطلح «كلبجية» بوصفه وصفا ساخرا يلاحق كل من يرفض الإبادة أو يطالب بحلول أكثر إنسانية… 

وبين طرف يرى في الكلاب الضالة خطرا يجب التخلص منه بأي وسيلة.. وآخر يرفض تحويل الخوف إلى مبرر للقتل تحولت القضية من نقاش حول حيوانات الشوارع إلى معركة أوسع حول معنى الرحمة نفسها وحدودها… 

فهل أصبحت القسوة هي اللغة الأسهل؟ وهل يمكن أن يتحول الخوف المشروع إلى مبرر لتجويع أو تسميم أو قتل آلاف الكائنات الحية دفعة واحدة؟ وهل يقف الدين والعلم فعلا إلى جانب هذه الدعوات كما يروج البعض؟

هذا التحقيق لا ينطلق من إنكار مخاوف المواطنين أو التقليل من خطورة حوادث العقر والسعار، لكنه يحاول تفكيك خطاب يتسع يوما بعد يوم خطاب يرى في القتل الجماعي للكلاب حلا وفي الرحمة تهمة.. وفي كل من يرفض الإبادة «كلبجيا» يستحق السخرية والهجوم… 

وفي محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة يفتح هذا التحقيق الملف من زواياه المختلفة بين الدين والعلم والخبرة العملية.. بحثا عما إذا كانت الإبادة فعلا طريقا إلى الأمان، أم أن الأزمة تكشف شيئا أعمق يتعلق بعلاقتنا بالرحمة نفسها..


براء المطيعي

براء المطيعي: هلع مجتمعي

في مستهل النقاش تفتح الإعلامية براء المطيعي، مدير البرامج العلمية بالإذاعة العامة والمعنية بملف شؤون الحيوان في مصر.. والمشاركة في مشروع قانون لتنظيم شؤون الحيوان، زاوية التحليل السوسيولوجي والقانوني للأزمة مؤكدة أن أزمة الكلاب الضالة لا يمكن فهمها بمعزل عن فجوة الوعي المجتمعي وطريقة إدارة الملف عبر السنوات.. مشيرة إلى أن الخوف من الكلاب غالبا ما يتضخم بفعل المعلومات المغلوطة والمبالغات في أعداد وإحصاءات غير دقيقة يتم تداولها دون سند علمي… 

وتقول المطيعي إن الإنسان عدو ما يجهل.. موضحة أن غياب الوعي بالتعامل الآمن مع الحيوانات.. إلى جانب الترويج لروايات غير دقيقة أسهما في خلق حالة من الهلع المجتمعي دفعت بعض الفئات إلى تبني دعوات القتل والتخلص الجماعي باعتباره الحل الوحيد.. 

وتشير إلى أن السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة في التعامل مع الكلاب، والتي شملت القتل باستخدام الخرطوش أو السموم مثل “الاستركنين” لم تحقق النتائج المرجوة بل أسهمت في إلحاق أضرار بيئية وصحية إلى جانب ما وصفته بإهدار المال العام وإثارة مشاهد عنف كان لها أثر سلبي على الصحة النفسية العامة.. دون أن تؤدي إلى تقليص فعلي ومستدام في أعداد الكلاب… 

وترى المطيعي أن استمرار الأزمة رغم تلك السياسات يعكس ضرورة التحول إلى نهج مختلف يقوم على العلم والرحمة،.. مشيرة إلى أن دولا عدة سبقت في تطبيق برامج تعتمد على “التعقيم والتحصين وإعادة الإطلاق” (CNVR)، وحققت نتائج إيجابية نسبيا .. وإن كان هذا النهج يحتاج إلى وقت وإرادة مؤسسية وتعاون مجتمعي واسع… 

وتوضح أن تطبيق هذا النموذج في مصر يتطلب شراكة بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، مؤكدة أن الموارد الحكومية وحدها قد لا تكون كافية لتحقيق نتائج سريعة، ما يستدعي إشراك مؤسسات كبرى ورجال أعمال لدعم برامج التعقيم والتطعيم والتوعية… 

وفي ما يتعلق بالمعلومات المتداولة عن أعداد الكلاب، تشير إلى أن بعض الأرقام المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مثل تقديرات تصل إلى 40 مليون كلب.. لا تستند إلى بيانات علمية دقيقة ولا تتوافق مع ما هو معلن رسميا من تقديرات أقل بكثير، معتبرة أن تضخيم الأرقام يساهم في تأجيج حالة الخوف.. 

كما تنفي المطيعي صحة بعض المعتقدات الشائعة، ومنها أن جميع حالات العقر مصدرها الكلاب الضالة فقط.. أو أن كل من يتعرض للعقر يكون بريئا بالكامل.. موضحة أن بعض الحالات ترتبط بسلوكيات بشرية خاطئة أو استفزاز للحيوان، بينما تظل هناك حالات أخرى محدودة من الهجوم غير المبرر، لكنها لا تمثل القاعدة العامة… 

وتؤكد أن الكلاب كائنات حية لها حق في الحياة، وأنها لا تتحمل وحدها مسؤولية الأزمة الحالية، مشيرة إلى أن غياب برامج التعقيم والتطعيم والتوعية عبر سنوات طويلة هو ما أدى إلى تفاقم الوضع، وليس “سلوك الحيوان” في حد ذاته… 

انتهاكات 

في حديثها عن الانتهاكات التي تتعرض لها الحيوانات في مصر، ترى أن العنف لا يقتصر على الكلاب فقط، بل يمتد إلى مختلف الحيوانات، ما يعكس  في رأيها  تغيرا في السلوك الاجتماعي يستدعي دراسة أعمق من قبل علماء النفس والاجتماع لفهم جذور هذه الظاهرة… 

وتضيف أن أحد أهم أسباب سوء الفهم هو غياب التربية السليمة في التعامل مع الحيوانات، حيث تلجأ بعض الأسر إلى تخويف الأطفال بالكلاب أو القطط، ما يرسخ صورة ذهنية سلبية منذ الطفولة، مشددة على أن هذا الخطأ التربوي لم يتم التعامل معه بشكل كاف على مستوى الإعلام أو المؤسسات التعليمية والدينية.. 

وتنتقد المطيعي غياب قانون شامل ومنظم لشؤون الرفق بالحيوان في مصر، رغم وجود نصوص دستورية تنص على الرفق بالحيوان، مشيرة إلى أن الاعتماد الحالي على مواد متفرقة مثل المادة 357 من قانون العقوبات لا يكفي لردع الانتهاكات، بسبب ضعف العقوبات وعدم شمولها… 

وتدعو إلى ضرورة ترجمة النصوص الدستورية إلى قانون متكامل ينظم العلاقة بين الإنسان والحيوان، مؤكدة أن التشريع وحده قادر على إحداث تغيير حقيقي في التعامل مع هذا الملف… 

وتختتم المطيعي حديثها بالتأكيد على أن الدعوات إلى القتل الجماعي للكلاب تتناقض مع كل الشرائع السماوية والمبادئ الإنسانية، موضحة أن الأصل في التعامل هو رد الاعتداء فقط، وليس الإبادة، مشيرة إلى أن القتل العشوائي لا يؤدي فقط إلى تفاقم العدوانية، بل يخلّ بالتوازن البيئي الذي تشكل الكلاب جزءاً منه منذ آلاف السنين… 

وترى أن الدولة بدأت بالفعل في تبني نهج علمي قائم على برنامج CNVR (الإمساك، التعقيم، التحصين، وإعادة الإطلاق)، إلا أن التحدي الحقيقي بحسب وصفها يكمن في ضعف التواصل مع المواطنين، وتحول الدولة أحياناً إلى رد فعل بدلا من أن تكون فاعلاً في توجيه الرأي العام نحو الحلول العلمية المستدامة… 

كما تحذر من استمرار حملات القتل العشوائي التي ينفذها بعض الأفراد، مؤكدة أنها لا تتعارض فقط مع توجهات الدولة، بل تشكل أيضاً خطرا بيئيا وصحيا داعية إلى تطبيق القانون، وتفعيل برامج التوعية، وتوسيع نطاق الحلول العلمية بدلاً من الانزلاق نحو العنف….

الإسلام يدعو للرفق بالحيوان

في مواجهة موجات التحريض والدعوات المتصاعدة للتخلص من كلاب الشوارع كان لا بد من الوقوف على رأي الشريعة الإسلامية الغائبة عن أذهان الكثيرين، وتفكيك الشبهات التي يتخذها البعض غطاءً لممارسة العنف.. وفي هذا الصدد، يؤكد الشيخ ياسر سلمي، الخطيب بوزارة الأوقاف والباحث في التراث الإسلامي، أن التعامل مع الحيوانات في الإسلام لا ينفصل عن منظومة أوسع تقوم على الرحمة والمحبة تجاه جميع المخلوقات. ويؤكد أن النصوص الإسلامية حافلة بالأمثلة التي تدعو إلى الرفق بالحيوان وتحذر من إيذائه، مستشهدا بحديث المرأة التي دخلت النار بسبب حبسها لقطة ومنعها من الطعام، وحديث الذي غفر الله له بسبب سقيه كلبا عطشانا.. ويشير سلمي إلى أن الرحمة بالحيوان ليست مسألة هامشية في الإسلام، بل قد تكون سببا في نيل رضا الله ومغفرة الذنوب، موضحا أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم نهى عن تعذيب الحيوانات أو إيذائها.. واعتبر الإحسان إليها جزءا من القيم الدينية الأساسية.. 

وفيما يتعلق بالدعوات المطالبة بقتل الكلاب الضالة، يرفض سلمي فكرة القتل الجماعي بشكل قاطع، معلنا في حسم: القتل الجماعي هذا أمر لا يجوز مطلقا.. ولا يقتل من الكلاب إلا العقور منها، أما القتل الجماعي فهو إسراف في القتل وأمر محرم نهى عنه القرآن الكريم.. ويؤكد أن التعامل مع الكلاب التي تمثل خطرا يجب أن يكون من خلال العزل والملاحظة والرعاية البيطرية، وليس عبر حملات إبادة جماعية تستهدف جميع الحيوانات الموجودة في منطقة ما… 

كما يصف مشاهد تعذيب الكلاب أو الاعتداء عليها بالحجارة والعصي بأنها سلوكيات محرمة لا تمت إلى الدين بصلة.. مشددا على أن الإسلام نهى عن التعذيب وأمر بالإحسان إلى جميع الكائنات الحية… ويضيف أن إيذاء الحيوان لا يفقده حقه في الرحمة.. حتى في ظل الخلافات الفقهية المتعلقة بطهارة الكلاب أو نجاستها.. حيث فجر مفاجأة فقهية بقوله: "الكلاب ليست نجسة، وهذا مذهب الإمام مالك ومذهب أبو حنيفة.. وحتى لعاب الكلاب وعرق الكلاب ليس نجسا وكل حي طاهر.. مؤكدا أن تحريم التعذيب والإيذاء أمر مستقل تماما عن هذه المسائل الفقهية… 


الشيخ ياسر سلّمي

العنف سبب تغير سلوك الكلاب

ويعتقد سلمي أن العنف المتكرر الذي تتعرض له الكلاب في الشوارع قد يكون أحد أسباب تغير سلوكها وزيادة عدوانيتها.. موضحا أن الخوف يدفعها إلى التجمع في مجموعات (قطعان) بحثا عن الحماية.. وهو ما ينعكس على طبيعة تعاملها مع البشر… ويرى أن استعادة العلاقة الطبيعية بين الإنسان والحيوان تبدأ من نشر ثقافة الرحمة والرفق بدلا من التخويف والعنف… 

وحول الجدل الدائر بشأن إطعام الكلاب والقطط في الشوارع، يؤكد سلمي أن إطعام الحيوانات من أعمال البر والإحسان التي يؤجر عليها الإنسان، مستشهدا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «في كل ذات كبد رطبة أجر»… ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في الإطعام ذاته، وإنما في ضرورة تنظيمه بطريقة لا تسبب إزعاجا للسكان أو تلوثا للبيئة المحيطة.. مستنكرا الأصوات التي تحرم ذلك بقوله: الكلاب تعيش معنا وتعتبرننا جيرانا.. ومنع إطعام الكلاب أو التحريض على منع إطعامهم هو أمر منكر ونهي عن المعروف.

ويشدد سلمي على أن حماية المواطنين والحفاظ على سلامتهم لا تتعارض مع الرحمة بالحيوان، موضحا أن المجتمع مطالب بتحقيق التوازن بين الأمرين من خلال التعامل العلمي مع الحالات الخطرة، وتوفير الرعاية البيطرية وبرامج التعقيم والتطعيم مع تجنب العنف والقتل العشوائي معقبا: المحافظة على أرواح الأطفال واجب شرعي، ولكن إيذاء الكلاب وقتلها محرم والمحافظة على أرواحها واجب شرعي.. ولابد أن نحافظ على الواجبين.. 

ويختتم حديثه بالتأكيد على أن أزمة الكلاب الضالة لا تعكس فقط مشكلة تتعلق بإدارة الشوارع، بل تكشف أيضا عن تراجع قيمة الرحمة داخل المجتمع.. مشيرا إلى أن العلاقة بين الإنسان والحيوان كانت في الماضي أكثر هدوءا وأمانا.. وأن استعادة هذه العلاقة تتطلب إعادة إحياء قيم التعاطف والرفق التي دعا إليها الدين.


القمص بضابا بخيت

الرفق بالكائنات متجذر في العقيدة المسيحية

تكتمل الرؤية الإنسانية في هذا الملف بموقف الكنيسة المصرية حيث يؤصل القمص بضابا بخيت.. كاهن كنيسة القديسين مكسيموس ودوماديوس والأنبا موسى بالعصافرة بالإسكندرية.. للمفهوم المسيحي تجاه الحيوان مؤكدا أن الرفق بالكائنات الحية مبدأ أصيل متجذر في العقيدة… 

ويستشهد القمص بضابا بنصوص الكتاب المقدس قائلا: نص العهد القديم ذكر صراحة أن الصديق يراعي نفس بهيمته.. والسبب هنا أنه إنسان بار منح الله في قلبه فيضاً من الرحمة تجعله عطوفا على كل مخلوقاته.. وهذا هو المبدأ الأساسي؛ أن يراعي الإنسان حيواناته ويكون رحيماً بها.. 

ولكن، وفي إطار المقاربة الواقعية لحفظ أمن المجتمع.. يوضح القمص بضابا أن الرسائل الروحية لا تنفصل عن القوانين الصارمة لحماية البشر مستدلا بالشريعة الموسوية في العهد القديم: في الوقت نفسه، وضعت الشريعة عقابا شديدا.. فلو كان لشخص ثور نطاح ونطح أحداً وآذاه.. يلتزم صاحب الثور بتعويض الإصابة ويقتل الثور.. وفي حالتنا المعاصرة، لو أن كلبا عقورا عض مواطنا.. فإن الكلب يعدم، ويتحمل صاحبه التعويض الكامل لأنه مسؤول عنه قانونا وشرعا فلا يمكن أن نترك أموراً تخرج عن السيطرة والتحكم..

ويرفض كاهن كنيسة القديسين بشكل قاطع الممارسات العنيفة التي يرتكبها بعض الهواة في الشوارع، معقباً بحسم: نحن بالتأكيد لسنا ضد الحفاظ على الحيوانات، لكننا في المقابل لا يمكننا تجاهل رعب الأطفال وحالات الفزع التي تصيبهم عندما يهاجمهم كلب ويعقرهم، وكم من أرواح بريئة حصدها داء السعار.. 

وحول سؤال التحقيق المركزي عن مدى تأييده لدعوات "الإخلاء التام" وإبادة الكلاب من الشوارع.. يجيب القمص بضابا برفض قاطع لـ"الإبادة الجماعية"، طارحا البديل العلمي والتاريخي: لا للاستئصال ولا للقتل الجماعي . ويقول: زمان ونحن صغار، كان هناك نظام مؤسسي محترم.. كانت تنزل عربات مخصصة ومقفلة تابعة للجهات البيطرية، يصطادون الكلاب بطرق رحيمة إما بطلقة مخدرة أو بجنازير معينة.. ثم يتم فحصها بيطرياً لعزل المسعور منها وعلاجه.. وكان أصحاب المزارع الكبرى يأتون لشراء الكلاب السليمة وتأهيلها لحراسة مزارعهم في الصحراء والمشروعات الجديدة لحمايتها من الأفاعي والثعابين، هذا هو التوازن البيئي الحقيقي.. 

وفيما يخص ظاهرة إطعام الكلاب في الطرقات، يرى القمص بضابا الأبعاد المتداخلة للقصة: الناس الذين يطعمون الكلاب في الشوارع، بلا شك في قلوبهم رحمة وإحسان، لكن من الناحية البيئية والتنظيمية، الأمر يحتاج إلى انضباط حتى لا يسبب تشوهاً في الشارع..

ويختتم القمص بضابا بخيت حديثه بالتعليق على مشاهد التعذيب والتنكيل بالكلاب بدافع التسلية المنتشرة على السوشيال ميديا قائلًا: التسلية بتعذيب الحيوانات سلوك خاطئ تماما والكنيسة ترفضه، والطفل أو الشاب الذي يعذب كلبا يرتكب ذنبا.. لكن في المقابل، لو هاجمني كلب في الشارع وضربته لردعه.. فهذا دفاع مشروع عن النفس يكفله القانون.. الوضع الطبيعي والصحي والآمن.. هو ألا تكون شوارعنا ساحة للخوف أو للأمراض المعدية، بل مكانا آمناً للأطفال عبر تنظيم وجود هذه الكائنات برحمة وعلم..

دينا ذو الفقار

تطرف خارج نطاق الدين والإنسانية

لم يقتصر تفكيك مغالطات "الإبادة بالسم" على الجوانب الدينية والفقهية فحسب.. بل امتد ليتسلح بالمنطق العلمي والقانوني حيث تصف دينا ذو الفقار، ممثل المجتمع المدني في استراتيجية 2030 لمكافحة السعار.. الدعوات المتصاعدة لقتل وتسميم الكلاب بأنها تفكير متطرف خارج عن نطاق الدين والإنسانية.. 

وتتابع ذو الفقار حديثها بلهجة حاسمة تلك الأصوات التي تحرض على القتل والسم على منصات التواصل الاجتماعي تمثل فكراً يشبه الفكر الإرهابي فهو يعكس تدنيا حادا في لغة الحوار والأسلوب.. ولا يمكن أبداً أن نجعل من التجاوز، وقلة الأدب، والعنف، قاعدة عامة نقيس عليها أمن مجتمعنا، فهذا كلام غير سليم بالمرة.. 

وعن جدوى الحلول الدموية العشوائية التي يطالب بها البعض، تؤكد ممثل المجتمع المدني أن التاريخ والعلم أثبتا فشلها قائلة: حملات التسميم والقتل الجماعي لم تنجح في أي مكان في العالم لتقليل الأعداد.. هناك منهج علمي مستدام مقر من قبل كبرى المنظمات الدولية كمنظمة الصحة العالمية (WHO)، والمنظمة العالمية لصحة الحيوان، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وهو ما يعرف ببرنامج (صحة واحدة للجميع)، فالأمر محسوم علميا.. صحة الإنسان والحيوان مرتبطان والحل يبدأ من التوعية، والتعامل السليم، والوقاية عبر التحصين والتطعيم.. 

وتشرح ذو الفقار الروشتة العلمية البديلة لمواجهة الكثافة العددية للكلاب: المواجهة الحقيقية تعتمد على محاور أساسية أولها (التعقيم الجراحي).. ويصاحبه توعية جادة لملاك الكلاب وفرض رقابة صارمة على محلات البيع، وعلى المزارع التي تقوم بعمليات تزاوج وإكثار عشوائي للسلالات دون حاجة أو طلب، فالكلاب جزء لا يتجزأ من المنظومة الإيكولوجية والتوازن البيئي.. 

وفي سياق متصل، تدافع ذو الفقار عن الأشخاص الذين يتطوعون لإطعام حيوانات الشوارع، واصفة من يهاجمونهم بـ"المجموعات العشوائية" وموضحة: إطعام حيوان جائع هو تصرف حسن وجيد من جهة الدين والإنسانية والصحة.. لاسيما وأن هذه الكائنات تواجه الجوع وسوء التغذية وتكافح للبقاء في بيئة قاسية، لكننا في الوقت ذاته، نشدد على أن النجاح يكمن في الإطعام بمسؤولية وليس بطريقة عشوائية.. 

وفصلت ذو الفقار معايير الإطعام المسؤول كالتالي:

 - اختيار الأماكن الآمنة: يجب اختيار مناطق هادئة ومخصصة.. بعيدة تماما عن الطرق المزدحمة وملاعب الأطفال ومداخل البيوت والمناطق التجارية.. 

 - النظافة الصارمة والوقاية: الالتزام بإزالة بقايا الطعام والأوعية والتغليف فور انتهاء الحيوانات من الأكل منعا لجذب القوارض مع ضرورة إفراغ أوعية المياه وتغييرها يومياً لمنع تكاثر البعوض.

 - طريقة تقديم الطعام: يفضل وضع الطعام في خط طويل على شكل (حوض) وليس في كومة واحدة، لتقليل سلوك حراسة الطعام ومنع العدوانية والمشاجرات بين الكلاب… 

- الربط بالجانب الطبي: اختيار جدول زمني ثابت يوميا للإطعام يرسخ روتينا يسهل عملية السيطرة على الكلاب من أجل التطعيم السنوي والتعقيم.. 

وعن طبيعة الأكل، نفت ذو الفقار الشائعات التي تربط بين اللحوم النيئة والشرس قائلة: الأكل الني لا علاقة له بالسعار أو بتشريس الكلب تماما.. فالطبيعة أصلا قائمة على ذلك، لكننا ننصح بطهي اللحوم أو البيض جيدا من باب الوقاية الطبية فقط لحمايتها من السالمونيلا والأمراض.. 

وتختتم ممثل المجتمع المدني في استراتيجية مكافحة السعار حديثها بتوجيه رسالة لمن يظنون أن القتل هو الحل الأسرع: من يرى في القتل والسم حلا سريعا هو شخص غير مسؤول.. وغير واعي وغير متابع.. لدينا استراتيجيات مستدامة وبرامج دولية تحث على التعايش السلمي واحترام الكون ومكوناته، والتعامل بطرق سليمة بعيدة تماما عن تشجيع الأفكار المتطرفة والإرهابية..

مناشدة القائمين على الإطعام بتجنب المواجهات غير الضرورية مع الجيران.. وتوثيق نظافة المكان بالصور والفيديوهات لإثبات تحضرهم، وعدم اللجوء للقانون إلا كملاذ أخير لحل الأزمات وديا..

خاتمة

ورغم أن مهنة الصحافة.. كما تعلمناها واعتدنا عليها.. تقوم في جوهرها على الحياد والموضوعية وعلى المسافة المتساوية بين الأطراف.. إلا أنني اليوم في هذا التحقيق أختار عن وعي كامل أن أبتعد قليلا عن هذا الحياد البارد.. 

ليس لأن الحقيقة غائبة ولا لأن الوقائع غير واضحة.. بل لأن هناك لحظات يصبح فيها الصمت المتوازن نوعا من القسوة غير المقصودة ويصبح فيها الحياد نفسه غير كاف لشرح ما يحدث على الأرض.. 

أنا لا أكتب هنا ضد الناس.. ولا ضد خوفهم ولا أقلل من ألم أي شخص تعرض للأذى أو شاهد خطر حقيقي في الشارع… هذا الخوف مفهوم ومشروع ولا يمكن تجاهله أو إنكاره… 

لكن ما لا يمكن تجاهله أيضا هو الطريقة التي بدأنا نتعامل بها مع هذا الخوف.. كيف تحول في لحظات كثيرة إلى دعوات للإبادة والتسميم والقتل الجماعي وتجويع الحيوانات وكأننا أمام عدو يجب محوه بالكامل لا التعامل معه أو فهمه… 

نحن مجتمع يستطيع أن يختلف بشراسة حول كل شيء تقريبا.. نختلف حول فريق كرة قدم.. فننقسم بين الأهلي والزمالك وكأن العالم يتوقف عند هذه الخصومة ثم نعود بعدها للحياة بشكل طبيعي.. و نختلف حول السياسة فنتبادل الاتهامات ونتصارع في كل اتجاه لكننا في النهاية نظل قادرين على الاعتراف بأن الاختلاف جزء من طبيعة البشر.

حتى في أشد خلافاتنا اليومية نحن نتعلم أو نحاول أن نتعلم كيف نعيش مع فكرة أن الآخر موجود حتى لو لم نتفق معه… 

لكن الغريب أن هذا المجتمع نفسه الذي يتسع لكل هذا الاختلاف يبدو أحيانا غير قادر على تقبل وجود كائن أضعف بكثير لا يملك لغة ولا موقفا سياسيا ولا حتى قدرة على الدفاع عن نفسه… كائن يختزل وجوده في لحظة خوف ثم يتحول هذا الخوف إلى حكم بالإعدام.. 

في النهاية قد ننجح في التخلص من الكلاب من الشوارع لكن السؤال الحقيقي سيبقى معلقا.. هل تخلصنا من المشكلة… أم تخلصنا من جزء من قدرتنا على الرحمة أيضا؟
----------------------------------------
تحقيق: مادونا شوقي
من المشهد الأسبوعية

التسميم والإعدام الجماعي لكلاب الشوارع حل مقبول لدى البعض