أقام أيمن لطفي علاقات مختلفة بين الأرض والسماء.. قيد العمارة بالحبال وغمى عيون النساء.. ونثر على رمال التيه خيوط القدر الحمراء، ليغزل من صمت الصحراء وسكون الغيم ترانيم بصرية تفيض بالشجن والغموض. لوحات تشبه الأحلام، تدعونا بعمق ونعومة لأن نغمض عيوننا نحن أيضا.. لنبصر بقلوبنا ما وراء الصورة.
تمثل أعمال الفنان أيمن لطفي مرحلة ناضجة من امتزاج التكنولوجيا برؤيتة الفلسفية، حيث لا تقف الكاميرا لديه عند حدود التوثيق، بل تتحول إلى أداة لإنتاج واقع مواز يعيد صياغة الوعي الإنساني. من خلال دمج الفوتوغرافيا بالتقنيات الرقمية الحديثة. يتجاوز لطفي جماليات الصورة التقليدية ليخلق فضاء سرياليا محملا بالرموز والدلالات النفسية والبيئية والمجتمعية، وهو ما يظهر جليا في هذه المجموعة المتميزة من لوحاته التى تعرض فى قاعة الفن بالزمالك.
تتحرك البنية البصرية والمفاهيمية للأعمال في مساحتين متداخلتين هما الجسد الإنساني كحامل للمشاعر، والبيئة السريالية المحيطة كعنصر ضاغط أو محرر.
في اللوحة الوجوه المتكررة يفاجئنا الفنان ببنية بصرية صارمة تعتمد على التكرار اللا نهائي لرؤوس صلعاء متطابقة الملامح والتعابير. يتوسط هذا الحشد وجه واحد ينظر مباشرة إلى المشاهد، ويعتمد هذا التكوين على سيكولوجية الجماهير، ونقد فكرة فقدان الهوية الفردية داخل المجتمعات الحديثة. الرقمية هنا مكنت الفنان من تحقيق تكرار هندسي دقيق يخدم مفهوم "التنميط الذاتي" والاغتراب.
يظهر هذا المفهوم بوضوح في لوحتين لابراج سكنية تم تقييدها بحبال ضخمة تلتف حولها بعنف وتوجد راقصة باليه فى إحدى اللوحتين تؤدي حركتها برقة متناهية وسط مساحة عشبية وردية، مما يخلق تضادا صارخاً بين "قيد الإسمنت" و"حرية الجسد والروح".
بينما في اللوحة الثانية، يتأكد هذا القيد البيئي بوجود حيوان "سيد قشطة" (فرس النهر) تائها في بيئة صحراوية جافة بجوار صنابير مياه حمراء ضخمة ومغلقة، وهي صرخة بصرية واضحة تنتقد "التصحر"، "شح المياه"، واعتداء التمدن الحشري على الطبيعة الحية.
وتتجلى السريالية الميتافيزيقية في اللوحة التى تقف فيه مجموعة من النساء الحوامل فى فضاء صحراوي شاسع، تمتزج رماله الحمراء بظلال قاتمة، والنساء الحوامل تقف بفساتين صفراء متشابهة في حالة من الترقب الخاشع. وتظهر بوابة حجرية من بعيد تقيم علاقة مع الانتشار المنظم للنساء وتمنح العمل بعدا أسطوريا. يتأمل في فكرة "الخصوبة"، "المستقبل البشري"، والانتظار الأزلي. ويتقاطع هذا العمل مفاهيميا مع اللوحة التى بها فتاه تجلس على الأرض المغبرة وبيدها منجل وأمامها خيوط حمراء متشابكة وحقيبة سفر، في إشارة رمزية إلى قطع حبال الماضي أو غزل مصير جديد وسط صحراء التيه.
استطاع أيمن لطفى أن يلعب بمفرداته ويقوم بإبداع تشكيلات تؤكد الغموض النفسى وتفكيك الملامح. حيث قام باخفاء الملامح عمدا فى عدد من اللوحات مثل الرأس التى تلتف بالخيوط والشاش، ويبدو كأنه يتحرك حركة دورانية سريعة تعبيرا عن التشتت الذهني أو الأفكار المتصارعة.

وفى لوحة اخرى يندمج الوجه بأوراق شجر جافة متساقطة، في إشارة إلى الفناء أو الذبول العاطفي.
وفي لوحة ثالثة تغطى عيني المرأة عصابة قماشية مزينة بخطوط وكتابات مبهمة، مما يحرمها من الرؤية البصرية ويدفع المشاهد لتأمل "البصيرة الداخلية" وسلطة الموروث أو الأفكار التي تحجب عنا الحقيقة.
لم تكن التقنيات الرقمية عند أيمن لطفي مجرد "مؤثرات بصرية"، بل هي أداة لبناء الواقعية السحرية. ويمكن رصد توظيفه العلمي للتكنولوجيا من خلال المحاكاة النسيجية التى نلاحظها في لوحات تحولت الأعمدة المعمارية أو البيوت إلى كتل مغلفة تماما بنسيج الحبال الحصيرية الملتفة. هذا التلاعب الرقمي بالخامات يغير من طبيعة المادة (من صلبة خرسانية إلى عضوية ليفية)، مما يثير حيرة معرفية لدى المشاهد تحفزه على التساؤل والتحليل.
نلاحظ التحكم الصارم في الإضاءة والجو العام الذى تأكد فى معظم الأعمال والتى ترى بها سماء درامية ملبدة بغيوم ثقيلة ذات لون مخضر أو كبريتي، تتناقض مع رمال الأرض الحمراء أو الصفراء. هذا التناغم اللوني غير الطبيعي يتم هندسته رقميا لخلق حالة من "القلق الجمالي" الذي يبعد المشاهد عن الواقع العادي ويدخله في حالة التأمل السريالي.
ويمتلك لطفي مهارة رقمية فائقة في المنظور والنسب ودمج عناصر بأحجام غير واقعية (مثل كرات الحبال الضخمة المزينة بالزهور في إحدى لوحاته، أو الصنبور العملاق مقارنة بفرس النهر في فى لوحة اخرى. هذا التلاعب بالنسب يكسر القوانين الفيزيائية التقليدية، فاتحا المجال للتأويل الرمزي.
إن تجربة الفنان أيمن لطفي في هذه المجموعة هي دعوة صريحة لإعادة قراءة العالم. إنه لا يقدم صورا فوتوغرافية لنستهلكها بأعيننا، بل يقدم "أفكاراً مرئية" صيغت بأدوات العصر الرقمي.
عندما تتأمل هذه اللوحات، ابحث دائما عن الروابط الخفية: لماذا يربط الفنان المباني؟ لماذا يخفي العيون؟ ولماذا يضع أبطاله دائما في فضاءات صحراوية شاسعة تحت سماء تنذر بالتحول؟ الإجابة تكمن في رغبته بجرنا من صخب الحياة المعاصرة إلى مساحة هادئة من الوعي، حيث تصبح التكنولوجيا خادمة للفلسفة، وتتحول الكاميرا إلى مرآة تعكس خفايا النفس البشرية ومخاوفها من القادم.
-------------------------
كتب: د. سامى البلشي















