06 - 06 - 2026

عودة الدولة العميقة.. ومحاولة اغتيال ذاكرة يناير

عودة الدولة العميقة.. ومحاولة اغتيال ذاكرة يناير

تبدو مصر في السنوات الأخيرة وكأنها تشهد محاولة منظمة لإعادة كتابة التاريخ، ليس بهدف فهمه أو استخلاص الدروس منه، وإنما بهدف تبرئة مرحلة كاملة من المسؤولية عن الأزمات التي انفجرت في وجه المجتمع والدولة معًا. فجأة عاد بعض رموز وأدوات الدولة العميقة إلى المشهد الإعلامي والسياسي، يحملون خطابًا واحدًا: ثورة يناير كانت خطأ، ومبارك لم يكن مسؤولًا، وجمال مبارك لم يكن مشروعًا للتوريث، بل إن زمن مبارك كان عصرًا ذهبيًا للحريات والصحافة والإعلام.

هذه الرواية لا تكتفي بمهاجمة ثورة يناير المجيدة، بل تسعى إلى إنكار الأسباب التي دفعت ملايين المصريين إلى النزول إلى الشوارع في 25 يناير 2011. وكأن الغضب الشعبي الذي ملأ الميادين كان مجرد وهم جماعي، أو مؤامرة عابرة، لا علاقة له بالفساد والاستبداد والاحتكار السياسي وتراجع العدالة الاجتماعية. ومن هنا يمكن فهم ما يجري اليوم باعتباره جزءًا من مشهد أوسع عنوانه: عودة الدولة العميقة.. ومحاولة اغتيال ذاكرة يناير، عبر إعادة تقديم الماضي بصورة مغايرة لما عاشه المصريون وعاينوه بأنفسهم.

أكثر ما يثير الدهشة هو محاولة إنكار مشروع توريث الحكم لجمال مبارك، رغم أن هذا المشروع كان حديث الشارع المصري والنخب السياسية والإعلامية لسنوات طويلة قبل الثورة. فقد شهدت تلك المرحلة صعودًا متسارعًا لنفوذ مجموعة محددة داخل الحزب الوطني، وتراجعًا واضحًا لدور المؤسسات التقليدية لصالح دائرة ضيقة ارتبطت باسم جمال مبارك. ولم يكن رفض المصريين لهذا المسار مجرد موقف سياسي، بل كان رفضًا لتحويل الجمهورية إلى ملكية مقنعة.

أما تبرئة نظام مبارك من الخراب الذي تراكم على مدى ثلاثين عامًا، فهي محاولة تتجاهل أبسط قواعد المنطق. فالنظم السياسية تُحاسب على نتائج سياساتها، لا على نواياها. وعندما يحكم نظام دولة بحجم مصر ثلاثة عقود كاملة، فمن الطبيعي أن يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والإدارية. لا يمكن تحميل كل الإخفاقات لمن جاء بعده، بينما تُنسب إليه وحده أي إنجازات أو استقرار تحقق خلال فترة حكمه.

ومن أكثر الشعارات تداولًا هذه الأيام مقولة: "ولا يوم من أيامك يا مبارك". وهي عبارة تستند إلى مقارنة انتقائية تتجاهل السياق التاريخي بالكامل. صحيح أن هامشًا من الحركة كان موجودًا في بعض الفترات، وأن الصحف المستقلة والبرامج الحوارية شهدت مساحة للنقد أكبر مما هو قائم في مراحل أخرى، لكن تصوير عهد مبارك باعتباره نموذجًا للديمقراطية وحرية التعبير يمثل مبالغة لا تصمد أمام الوقائع. فذلك العهد عرف قوانين الطوارئ، والمحاكمات الاستثنائية، والتضييق على المعارضة، والتدخل في الحياة السياسية بشكل مستمر.

المشكلة الحقيقية ليست في تقييم فترة مبارك بموضوعية، فالتاريخ يجب أن يُقرأ بإنصاف، بما له وما عليه. المشكلة تكمن في تحويل الحنين إلى أداة لتزييف الوعي الجماعي. فالأمم التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر قابلية لتكرار أخطائها. والثورات لا تُقاس فقط بما تحقق بعدها، بل أيضًا بالأسباب التي جعلتها تندلع من الأساس.

ختامًا، لقد كانت ثورة يناير المجيدة صرخة شعبية ضد واقع قائم، قبل أن تكون مشروعًا سياسيًا مكتملًا. ومن حق الجميع أن يختلفوا حول نتائجها أو مساراتها، لكن إنكار أسبابها أو شيطنتها بالكامل لا يخدم الحقيقة. كما أن تبرئة نظام استمر ثلاثين عامًا من مسؤولياته التاريخية لا تغير من الوقائع شيئًا، مهما تكررت الروايات أو ارتفعت الأصوات.

فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات، ولا يُعاد تشكيله بالحنين، وإنما بالحقائق التي تبقى، مهما حاول البعض طمسها أو استبدالها بروايات أكثر راحة لأصحابها.
---------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

القاهرة 2050.. خرائط العمران وأسئلة المصير