02 - 06 - 2026

رشقة أفكار | "لمة بكير".. بروفة أولى لمواجهة تحديات تعصف بالصحافة!

رشقة أفكار |

- اشتباك بين التقليديين والرقميين حول إعلان وفاة الصحافة الورقية!
* خالد البلشي :عندما تريدني أن  أبرز إنجازاتك .. عليك أن تعطيني الحرية في المقابل.
* يحيي قلاش: محلب قال لى "هو فيه حد قدكم ياصحفيين"؟! .. وأسقط  في يده عندما أطلعته على المرتبات بالمؤسسات القومية!
- محمد شمروخ: " محتاجين غيار" .. حتى تعاود عربة الصحافة الانطلاق!
- نبيل عمر: الصحفيين "مبيشتغلوش "!
- أكرم القصاص: كنا كموقع يوم  سابع نحلق وحدنا إلكترونيًا ونجني آلاف الدولارات.. الكعكة صغرت الآن والكل يأكل منها!
- إيهاب البدوي: لا أحد يفكر الآن في شراء صحيفة.. يداه ستتسخ من سوء الطباعة ورداءة الأحبار!
- عصام كامل : ٢٤٠ شخصا ١٧٠ منهم صحفيين يعملون في جريدة وبوابة فيتو... ولهذه الاسباب حققنا ما أردناه في مؤتمر تطوير الإعلام.
- الخماسي الذي أحجم عن المشاكسة : عطية وحشيش وعبدالرازق والهلوتي وجلال لم يعانوا تخمة الأكل اللذيذ وإنما تخمة كثرة عدد المتحدثين!  

- "لمة بكير" التي أصبحت تقليدا إنسانيا نحرص على إقامته في فيلته بالعبور.. تكتب فصلا جديدا في العلاقات الإنسانية والمهنية بين رفاق مهنة "البحث عن الحقيقة".. والبحث عن الحقيقة عملية مضنية، جعلت من صفة "المتاعب والبحث عنها" لصيقة بالصحافة بأكثر من أي أوصاف أخري غيرها!.

على هذه الضفاف - شائكة أو شائقة - حارة أو باردة.. لذيذة غالبا و مُرَة أحيانا.. اجتمع مجددا رفاق في المهنة يوم أمس الأحد (٣١ مايو ٢٠٢٦)، في مناسبة أصبحت متجددة ومتكررة، يسأل صديقي الكاتب المتألق نبيل عمر عما إذا كان تكرارها هكذا كل شهر تقريبا مما يمكن أن تحتمله ميزانية "المضيف احمد بكير"..  فقد أولم - كالمعتاد - لأكثر من ٢٤ صحفيا.. أطعمنا السمك هذه المرة، مقليا ومشويا وطواجن لذيذة بالجمبري.. مع سلاطاتها وبابا غنوجها.. صحيح انه يبرع في طهي العكاوي.. وأصناف أخرى، يستطيع الحديث عن تفاصيلها بمهارة، تفوق ما ورد في كتب متخصصة أبدعها الراحل عباس الطرابيلي، لكن كل الغضب من جانبي، ينصب على عدم قدرتي على تناول طبقي الذي ملأته، ممنيا نفسي بالتهامه، وهو ما فشلت فيه، فتركته بعد ان قضمت منه مجرد لقيمات لاتسد الرمق!

شكرا يا بكير على "اللمة" و" الحاتمية" المعتادة.. وشكرا للجمع الرائع من الحضور، الذين لبوا  الدعوة، فإن  تجلس بمعية نقيبين، الحالي خالد البلشي.. والسابق يحيي قلاش، فهي متعة لا أظنها تتكرر مع النقيب القادم، والذي يحار المرء في مواصفاته.. ونتساءل  مع حمدي حمادة وغيره، ونحن نضرب  أخماسا في أسداس من يمكنه ان يقدم أداء جيدا تستحقه أعرق نقابات الرأي في مصر في ظل هذه الظروف المستحيلة والمصاعب الخطيرة التي نتعرض لها، من البحث عن الحرية التي باتت مطلبا عزيز المنال، وقتالا حتى السجن، من أجل كتابة - وقول - كلمة حرة، من دون أثمان ٍفادحة وعقاب وإيذاء في النفس والجسد والمال والعيال؟

هذه هي الضفاف الشائقة والشائكة التي نجتمع حولها دائما، فحيثما يكون هناك البلشي ومعه قلاش، فأنت أمام تشريح كامل لقضايا المهنة ومعاناة أبنائها.. وحينما يثري الحوار رموز صحفية منخرطة بكامل هيئتها في بحيرات الصحافة العميقة، مثلما هي الحال عند رئيس تحرير فيتو (الجريدة الأسبوعية والبوابة الإلكترونية) فلاشك انك أمام حالة فريدة في العمل  المهني.  صحفي يدير مؤسسة قوامها ١٧٠ صحفيا (بإجمالي  ٢٤٠ عنصرا بالإداريين والعاملين) ومع كل التحديات المهنية والمالية، لم نسمع كلمة واحدة عن تراجع الاداء في "فيتو"  أو عن معاناة أو شكوى صحفيين يعملون بها، أو  شكوى من التراجع المهني وتأثيره على الجريدة والموقع. لا أقصد أن أقول أن الصورة وردية تماما، لكن علينا أن نعرف ان الصحافة مهنة تحتاج إلى عمل وابتكار وموهبة وملاحقة للخبر وتعقب له.. وأسلوب إدارة صحفي ينم عن فهم ووعي بكل مايلزم من وصفات للنجاح.

الحديث امتد - رغم كل التداخل والمقاطعة التي يغرق فيها الصحفيون، عندما يتاح لهم الإمساك بـ"الكريستالة"، لكن عندما تحدث النقيب خالد البلشي عن اجتماع لجنة تطوير الصحافة والإعلام، والتنسيق الذي حدث بين أعضاء اللجنة، في اجتماع مسبق عقد بنقابة الصحفيين و سبق انعقاد  الموتمر، تكشفت لنا أبعاد ما خفي علينا، فقد أطاح المجتمعون بفكرة كانت هي محور وجوهر الدعوة اليه: "هناك إنجازات.. لكن لا تتحدث عنها الصحافة"! في الحصاد المهم بدا كما لو "أن سحرا انقلب على الساحر"! فقد نجح  البلشي وزملاؤه، في تحقيق ما أرادوا، ووضعوا أفكارا مهمة، وإن ساقها المسؤولون عن ملف التطوير إلى "درج" رئيس الوزراء!! (وهنا طرح سؤال  عن مدى جدوي ان ترفع تقارير بمثل هذه الخصوصية عن الأوضاع الصحفية إلى رئاسة الوزراء؟!) البلشي الذي تصدى لفكرة الحديث عن الإنجازات قدم  - وزملاؤه -… في المقابل رؤية مغايرة لهذا العنوان، يقول البلشي: "عندما تطلب مني إبراز الإنجازات أطالبك بأن تعطني حريتي حتى يمكنني ان أعطيك ما تطلبه"!  

من جهته آثر الكاتب الصحفي نبيل عمر التحدث عن الأوضاع المهنية بشكل عام، دون الخوض في تفاصيل ما جرى ويجرى في الاجتماعات بحكم عضويته وموقعه فيها".. فيما اهتم مجدي حلمي بالحديث عن عدم تفاعل النقابة مع استراتيجية حقوق الإنسان التي طرحت مؤخرا!!

كانت هناك رؤي متنوعة ومهمة للزملاء هشام يونس ومحمود كامل ومحمد الجارحي، ربما تحتاج إلى تفصيل أوسع مما يحتمله مقال، كما تحدث في اللقاء الذي أداره يحيي قلاش -  محمد شمروخ وعلاء عبد الهادي، وأحجم عن المشاكسة الزملاء دكتور محمود عطية وصادق حشيش وهشام الهلوتي ومصطفي عبد الرازق.. بدا لي أنهم لم يعانوا من "تخمة الطعام اللذيذ، بقدر ما عانوا من تخمة المتحدثين"!

كاتب هذه السطور - نظرا لأنه لم يقضم ما يكفي من الأسماك البكيرية - أعرب عن رفضه للقوانين المقيدة للحريات الصحفية، داعيا إلى عدم ملاحقة الصحفيين، وتعوير جيوبهم بالغرامات وإيذائهم بسجن احتياطي "طويل التيلة".. وتعقيبا على ما أثير  عن  الصحافة الورقية قال أنه لم يعلن عن وفاتها بعد لحساب الصحافة الإلكترونية.. متوجها بسؤال إلى نقيب الصحفيين خالد البلشي: هل في مقررات المؤتمر العام السادس الذي أفاض في مناقشة تحديات ومخاطر صناعة الصحافة، مايفيد بإعلان وفاة الصحافة الورقية؟ نفى البلشي ذلك تماما.. وكان أحد الزملاء في مداخلته قال ما يفيد هذا المعني - وإن لم تسنح الفرصة للتوثق من مقصده تماما - بسبب التداخل في الأصوات والمقاطعة المتكررة  - ومعرفة ما  إذا كان معني الكلام  هو مجرد تشخيص لوضع قائم أم أنه تأكيد لوضع دائم؟!

- الزميل ايهاب البديوي يرى ان القراء انصرفوا عن الصحافة الورقية، ولم يعد لديهم استعداد لقراءة صحيفة تتسخ بعدها أيديهم بسبب رداءة الورق والأحبار ونحو ذلك. ومن هنا التقط  الشربيني خيط الحديث ليؤكد "أنه من المستحيل إعلان وفاة الصحافة الورقية، وما يحدث هو أن الصحفيين "مبيشتغلوش"..  بحسب تعبير محكم لـ"نبيل عمر"، مضيفا: أن اختيارات الأجهزة المعنية لرؤساء التحرير ليست جيدة.. حيث يطبقون  معايير أخرى غير الكفاءة والمهنية!

يحيي قلاش نقيب الصحفيين السابق كان تحدث معي عن هذه النقطة، كاشفا عن ان الصحفيين في المؤسسات الصحفية لا يذهبون أساسا إلى مقار العمل، وعندما سأل أحدهم عن السبب أجابه: "إذا نزلت سوف يكلفني ذهابي إلى  الجريدة حوالي ٢٠٠جنيه.. ليه اروح"؟ كم ميتين جنيه معايا ممكن ادفعهم في مشوار مثل هذا.. وانا ممكن اكتب من البيت.. أو حتى ما أكتبش"؟! يحيي حزين على الأوضاع الصحفية، المادية والنقابيّة، ويتذكر واقعة كاشفة لعلها كامنة في  الفلسفة التي تحكم  نظرة صناع القرار إلى الصحفيين، فيقول أنه في أحد لقاءاته مع رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب، تطرق الحوار إلى أحوال الصحفيين، فاكتشف انه لايعرف شيئا عن مرتباتهم، بل وقال له "هو فيه حد قدكم انتم ياصحفيين؟! وهنا أدرك قلاش عمق المشكلة، فرئيس الوزراء لايعرف عنا شيئا .. فما كان منه إلا أن جلب نسخا من سجلات المرتبات في الموسسات  القومية، وقدمها إلى محلب الذي أسقط في يده.." ايه ده .. دي مرتبات صحفيين"؟! حتى أنه تحدث هاتفيا مع وزير المالية ودعاه للقاء معه والاستماع منه إلى المشكلة.. وبالفعل التقى معه، وقدم له صورة من السجلات وتصوراته لمعالجة تدني الرواتب! لكن مع الأسف الشديد ذهب محلب ووزير المالية وتركوا الصحفيين على سطح صفيح ساخن!  

ويؤكد الزميل كارم محمود أن الصحافة اليابانية مازالت عفية ولا تزال توزع نحو ٢٨ مليون نسخة. ويضيف كارم: إن الصحافة في زمن مضي كانت قوية ومؤثرة وكان لدينا رجال دولة تستطيع ان تتحاور وتتناقش معهم.. بعكس الأوضاع الحالية، وهنا التقط الخيط الزميل أكرم القصاص ليقول أن الثماني سنوات الأخيرة من حكم مبارك كانت حافلة بكل الآراء والانتقادات..

كارم محمود عضو مجلس نقابة سابق ويُدّرِس الإعلام حاليا، أما القصاص فهو رئيس تحرير سابق لموقع اليوم السابع، وكان في الصدارة منفردا لسنوات، ويحقق مردودا عاليا في القراءة والمشاهدة، ويبدو لمن ينصت إلى حديثه أنه يعتبر أن الصحافة الورقية لن تعود ولن تقوم لها قائمة وأن الاتجاه منصب الآن على المواقع الإلكترونية.. وطالب بالتفاوض مع ناشري الوسائط الإلكترونية، بحيث يمكن الحصول منهم على حقوق مالية عن محتوى المنشورات الصحفية. مؤكدا أن ما يدفع للمؤسسات الصحفية من قبل هذه الوسائط أخذ في التضاؤل" كنت بأشتغل لوحدي كيوم سابع، وبالتالي كان المردود جيدا، بآلاف الدولارات، الآن هناك كثير من المنافسين وبالتالي الكعكة أصبحت محدودة والقضم المستمر  منها يحد من إمكانية الاستفادة المالية كما كان سابقا"

وتبدو هذه قضية خلافية، فبينما يعتبر  البعض هذا التفاوض مجديا من اجل الحصول على حقوق أكثر، تحدث احمد بكير عن هذه الجزئية وقال: بحكم تاريخي وعلاقاتي في قطاع الاتصالات كنت أول من تعامل مع جوجل وجئت بممثليهم إلى القاهرة، مضيفا: لايوجد شيء اسمه التفاوض مع جوجل"! وربما كان هذا مثار خلاف مع الزميل مجدي حلمي الذي يرى أن هذه الوسائط يجب أن تدفع أموالا للصحافة.. وأن علينا التضامن مع الفنانين في مطالبهم بتطبيق قوانين حماية الملكية الفكرية..  وهنا كشف نقيب الصحفيين عن خلاف آخر في هذا الجانب .. فالمحتوى المنشور هو باسم كاتبه وهو صاحب الملكية الفكرية له، هنا يثور الخلاف بين الصحفي والمؤسسة فيمن يطالب او يحصل على هذا الحق؟! هذه قضية مهمة تعوزها المعلومات، وبالتالي لايمكن مناقشتها على نحو موسع، من دون دراسة معمقة.

الهموم النقابيّة مطروحة دائما على مائدة الصحفيين، وحيث يكون يحيي قلاش حاضرا تكون الذكريات متدفقة، والقياسات على المواقف السابقة ممكنة، وهنا يلمع اسم نقيب النقباء كامل زهيري، ومعاركه انتصاراً للمهنة وقضاياها، مشيرا إلى واقعة تتعلق بضمانات الصحفيين في قانون النقابة، تتعلق بتفاهماته مع رئيس مجلس الأمة السابق لبيب شقير - زميله في كلية الحقوق - وكيف أن تفاهمهما معا أثمر عن إقرار هذه الضمانات. يقينا هي موجودة في اللائحة، وربما ليست موجودة في عقل السلطة، ولذلك يقول محمد شمروخ: المطلوب فقط يعملوا "غيار"! بمعنى نقلة فتيس حتى تعود العربة للإنطلاق! والحديث مستمر.
-------------------------------
بقلم: محمود الشربيني


مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار |