إحداهن شاهدَت لصًّا يسرق شقةً في غيبة أصحابها.. المدهش أنها سألته مَن أنت ؟! أجابها بثقةٍ وهدوءٍ: أنا لص !!
فلما صرَخَت؛ تقاطر الناس من كل حَدبٍ وصوبٍ؛ وأمسكوا باللص الذي ما فتىء يهددهم ويخوفهم ليتركوه قائلًا:
"أنا لسة طالع من الحَبس".. يقصد السجن.. يعني هينٌ عليه أن يعود إليه ثانيةً.. فقد اعتاده !!
الفتاة؛ لأن بوصلة ضميرها مازالت تعمل بإخلاصٍ؛ ورغم أنها استغاثت من شرفة مسكنها المقابِل؛ وفي هذا تحديد تام لمنزلها.. بمعنىٰ أن اللص قد يعود أو يُكلف أحدًا بمضايقتها مستقبلًا.. إلا أنها لم تُلقِ بالًا لمخاوفها؛ وقامت بالدور المنوط بها؛ وسجلت المشهد بـ "الفيديو" قرينة إثبات؛ لحين قيام الرجال -الذين تجمهروا وأمسكوا باللص- بإبلاغ الشرطة.
فجأة.. التفتَ أحد الرجال تجاه الفتاة ساعة لاحظ أنها تقوم بتصوير الحدث، فرفع صوته مستنكرًا فعلتها.. والتفتَ الجمع بدوره يصب جام غضبه عليها.. ويحذرونها من التصوير رغم كونهم شهودًا وليسوا متهمين !!.. و ما لبثوا أن تركوا اللص يمضي لحال سبيله -نكايةً فيها- حاملًا المسروقات بآمان على مرآىٰ الجميع !!
القصة ليست مجرد موقفًا عبثيًّا علىٰ سبيل التّندُّر والتَّفكُّه.. بل حدث بالفعل.. وبالبحث عن تفسيرها؛ وجدتُ هذا الاستيضاح أو التشريح النفسي للظاهرة التي يُطلق عليها:
"إزاحة العدوان وتشويه الوعي الجَمعي"..
فالناس فـي هذا الموقف لم يتعاطفوا مع اللص كونه لصًّا؛ بل تعاطفوا مع الكلمة التي رماهم بها.. وهي "كارت الضحية" حين قال: "أنا لسه طالع من الحَبس"..
فقام "اللاوعي" لديهم بترجمة الموقف: "أن هذا شخصٌ مطحونٌ ومكسورٌ".
هنا تدخّلَت "الجدعنة المصرية المشوهة" كي تحميه من "الكسر الثاني".. ولو علىٰ حساب الحق والمنطق والفضيلة !!
فكان التحول الصادم.. حين تركوا اللص وتلاسنوا مع الفتاة لتكف عن تصويرهم خشية الوقوع في مشاكل مستقبلية !!.. وهذا يعكس الخوف الجمعي من: "المواجهة"..
فالفتاة بآلة التصوير الخاصة بها وصوتها كانت تمثل العمل "الفاضح" الذي يكسر "هدوء الشارع الزائف" ويجبرهم علىٰ اتخاذ موقف.. وبما أن مواجهة الحرامي "البجح" فيها خطورة ومجهود.. فـ "العقل الجمعي" اختار "الطريق الأسهل والآمِن".. وهو الهجوم علىٰ الفتاة التي التقطتهم؛ كي يداروا "عجزهم وسلبيتهم" اللذين افتضحا قدام "الكاميرا"..
فـتحول الشاهد لمتهم !!
وصار الجاني ضحية يحتاج للتعاطف !!
الخلاصة..
أوقات العجز والهروب من المسؤولية يجعلنا نكسر "اليد" التي تشير إلىٰ الخطأ؛ كي نبقىٰ نحيا بل غارقين في "وهْمِ الأمان" الذي اعتادنا عليه !!
وهذا التفسير يخرج من عباءة عِلم النفس الاجتماعي ونظرية النظم (Systems Theory).
ومن هنا قالوا:
داخل البيئة المضطربة؛ فإن الشخص الأكثر اتزانًا هو مَن يربك الجميع.. لأنه لا يسير وفق القواعد المختلة؛ بل يؤول علىٰ نفسه كشف الخلل، فيشعر الآخرون بالتهديد ويتعاملون معه علىٰ أنه المخطئ !!
هنا نتذكر مقاومة البطل "مُحمد كُرَيم" في الأسكندرية للحملة الفرنسية بقيادة "نابليون".. فحين تم القبض والحكم عليه بالإعدام؛ أرسل" نابليون" في طلبه، فلَما أحضروه قال له: يؤسفني أن أعدم رجلًا دافع عن بلاده؛ ولا أريد أن يذكرني التاريخ بذلك، لذا قد عفوتَ عنك مقابل عشرة آلاف قطعة من الذهب عوضًا عمن قُتل من جنودي.
فقال له "مُحمد كُرَيم": ليس معي ما يكفي من المال؛ لكن لي دَين عند التجار بأكثر من مئة ألف قطعة من الذهب، سأذهب طالبًا إياه.
بالفعل.. ذهب إلىٰ السوق وهو مقيد في أغلال ومُحاط بجنود المحتل الفرنسي.. آملًا فيمن ضَحّىٰ من أجلهم من أبناء وطنه فلم يستجب تاجرٌ واحدٌ !! بل اتهموه أنه كان سببًا في دمار الأسكندرية وفي تدهور أحوالهم الاقتصادية !!
عاد المسكين إلىٰ "نابليون" مستغرِبًا مَخذولًا؛ فقال له: ليس أمامي إلا إعدامك؛ ليس لأنك قاومتنا وقتلتَ جنودنا؛ ولكن لأنك دفعت حياتك مقابل أناس جبناء؛ تشغلهم أنانيتهم ومصالحهم الشخصية فقط.
ولا ننسىٰ.. أنه بعد القبض علىٰ "تشي جيفارا" فى مخبأة الأخير في "بوليفيا" وانتهىٰ الأمر بإعدامه بيد أعدائه.. أن الأمر كان نتيجة وشاية من "راعي أغنام" !! فلما سأل أحدهم الراعي: لماذا وشيت عن رجلٍ قضىٰ حياته فى الدفاع عنكم و عن حقوقكم ؟! أجاب: كانت حروبه مع الجنود تُروع أغنامي.
وهنا يقول "محمد رشيد رضا":
الثائر لأجل مجتمع جاهل مثل شخص أشعل النار بجسده كي يضيء الطريق لشخص أعمىٰ.
ويقولون: كيف تقنع الذبابة أن الزهور أجمل من القمامة ؟!
--------------------------------
بقلم: حورية عبيدة






