07 - 06 - 2026

مؤشرات | إسرائيل تفرض واقعا جديدا في لبنان لإملاء شروطها

مؤشرات | إسرائيل تفرض واقعا جديدا في لبنان لإملاء شروطها

العدوان الإسرائيلي على لبنان يأخذ منحىً جديداً، هدفه تصفية لبنان كلياً، والدليل هو ما أعلنه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو  في الساعات الأخيرة أن قوات جيش الاحتلال عبرت نهر الليطاني، وقال خلال زيارته للفرقة 36 على حدود إسرائيل الشمالية، "إن عمليات الجيش الإسرائيلي لا تقتصر على الجنوب بل تشمل أيضا بيروت والبقاع، وتُدار هناك المعركة ضد حزب الله في الشمال، ونحقق نتائج مبهرة، وقد عبرت قواتنا نهر الليطاني، وتقدمت إلى مواقع سيطرة، ونعمل في بيروت، وفي البقاع، وعلى امتداد الجبهة بأكملها، ونوجه ضربة قاصمة لحزب الله".

وخطورة ما يفتخر به رئيس حكومة الكيان المحتل، هو أن عبور القوات الإسرائيلية لنهر الليطاني في لبنان يعني توسعاً ميدانياً واستراتيجياً للعمليات العسكرية، نظرا لما يمثله النهر من حاجز جغرافي وعمق استراتيجي في جنوب لبنان يبعد بأقل من 30 كيلومتراً عن الحدود الإسرائيلية.

وهذا في حد ذاته دليل على اعتزام إسرائيل القيام بعمليات توسع عبر التغول البري في عمق الأراضي اللبنانية، لكسب أرضية جديدة في عمليات التفاوض الجارية برعاية أمريكية بين بيروت وتل أبيب، ولاشك أن قوات الاحتلال تعتزم السيطرة على المرتفعات بما يتيح للقوات الإسرائيلية الصعود إلى المناطق المرتفعة المطلة والسيطرة عليها.

ومن وجهة نظر عسكرية واستراتيجية، فإن الكيان المحتل يستهدف تغيير قواعد الاشتباك، بكسر الحاجز الجغرافي لتحقيق نقلة نوعية في طبيعة العمليات الهجومية مقارنة بالاشتباكات التي كانت تقتصر على القرى الحدودية، وتكسر إسرائيل بهذا ما نصت عليه القرارات الأممية، ومنها القرار 1701، والذي حدد ما بعد نهر الليطاني، كمناطق سيطرة للجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة (اليونيفيل).

وهذا انتهاك واضح من جانب إسرائيل للقرارات الأممية، وسط قناعة كاملة من جانب دولة الكيان المحتل، أن أحدا لن يتصدى لما تفعله، سواء عربياً أو إقليمياً أو دولياَ، وتعمل أيضاً بعبورها "الليطاني" على فرض واقع أمني جديد يهدف إلى إبعاد قدرات حزب الله بشكل كامل عن الحدود الشمالية، مع ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري لفرض شروطها في أي مفاوضات سياسية جارية لإنهاء الصراع.

ويوميا توجه قوات الاحتلال بإخلاء قرى لبنانية تحت دعاوى وجود أنشطة ومواقع تابعة لحزب الله في تلك المناطق، لتتحول تلك القرى إلى ركام في عضون ساعات، بل ربما دقائق، وهو ما يؤكد المسعى الإسرائيلي لتحقيق أكبر مكاسب على الأرض في الجبهة اللبنانية، مع اقتراب توقيع اتفاق أمريكي إيراني جديد.

دولة الكيان الإسرائيلي، كل أهدافها سرعة انجاز خطط عسكرية في لبنان، لأنها تدرك جيداً أن أي اتفاق بين طهران وواشنطن، سينعكس على الجبهة اللبنانية، وربما يوقف عجلة الجرب في كل الجبهات، ولهذا تسعى إلى كسب الوقت، وأي وقت، تحقيقاً لأهداف من وجهة نظرها بالوصول بالوضع في لبنان إلى نقطة اللا عودة في المقاومة.

ومنذ حرب غزة، وحتى الآن، استفادت دولة الكيان المحّتل من كل الفرص، ووظفت الوقت جيداً في تحقيق مآربها في تحجيم أي مقاومة، مرتكبة في ذلك كل أنواع الجرائم، وتدمير كل ما تصل إليها أسلحتها، دون أي التفات للتحذيرات الدولية، ومن كل المنظمات عن مخاطر ما ترتكبه ضد المدنيين في لبنان، وهو ما حدث في غزة ومازال يحدث بها.

ولم يصدر أي رد فعل حتى كتابة هذه السطور على ما يجري في لبنان، فيما حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن 11 طفلا يسقطون بين قتيل وجريح كل 24 ‌ساعة في لبنان خلال الأيام السبعة الماضية، مع اتساع الغارات الإسرائيلية على أنحاء البلاد في تجاهل غير مسبوق لوقف إطلاق النار، فخلال سبعة أيام فقط، سقط 77 طفلا بين قتيل وجريح، وقد استشهد 55 طفلا وأصيب 212 آخرون منذ بدء وقف إطلاق النار في أبريل.

ووصف المتحدث باسم اليونيسف "ريكاردو بيريس"، ما يجري بأن حصيلة أرقام الضحايا من الأطفال "مروعة"، ومن هنا فإنه وبموجب القانون الدولي الإنساني، ‌يتعين حماية الأطفال والبنية التحتية المدنية.

الوضع أصبح مخيفاً جداً، ففي الوقت الذي تماطل فيه إسرائيل في تلبية طلبات التوقف عن القصف وتملي شروطها في المفاوضات الجارية في واشنطن بين وفدي الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، ومحاولة الطمأنة التي تعلنها واشنطن على لسان نائب وزير الدفاع إلبريدج كولبي، بقوله إن "المناقشات بناءة، وستكون بمثابة الأساس للشق السياسي الذي ستقوده وزارة الخارجية".

وفي المقابل تم تجاهل التأكيد على تثبيت وقف إطلاق النار، حيث تواصل إسرائيل ضرباتها في جنوب لبنان، وإصدار إنذارات الإخلاء لقرى وبلدات لبنانية، بعضها على بُعد 40 كيلومترا من شمال الحدود اللبنانية مع دولة الكيان الإسرائيلي، وعلى مدى 43 يوماً ومنذ سريان وقف إطلاق النار في 17 أبريل الماضي، لم تتوقف العمليات العدوانية العسكرية الإسرائيلية، لتأكيد فرض واقع على الأرض لتحقيق مكاسب في التفاوض، وليصبح الاتفاق حبر على ورق.
----------------------------------
بقلم: محمود الحضري


مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | حماقات.. وهل يُكلف ترامب قوات