في أسفل نافذة المحادثة، لمعظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي الكبرى (ChatGPT، Gemini، Claude، DeepSeek) بخط يكاد يختفي، يوجد عبارة معظمنا لا يقرأها او لا يكاد يلاحظ وجودها الذكاء الاصطناعي قد يرتكب أخطاءً، تحقق من المعلومات المهمة.
لكن من يتوقف عندها يكتشف أنها ليست مجرد تحذير عابر، بل واجهة مختصرة لمنظومة قانونية كاملة تُقلّص مسؤولية الشركة وتُحمّل المستخدم العبء الأكبر في التحقق واتخاذ القرار.
وحين تسأل: لماذا هي هنا؟
تتفتح أمامك ثلاثة أبواب لا يريد كثيرون التوقف عندها.
الباب الأول: موضعها يفضح وظيفتها
التحذير الحقيقي يجب ان يأتي في لحظة الخطر لا قبلها او بعدها، فتحذير ان السيارة تحتاج لوقود لا يظهر حين تدير المحرك كل صباح، بل حين يشحّ الوقود فعليا، وتحذير استخدام الدواء يكون مرتبطاً بطريقة الاستخدام والجرعة نفسها، فأين يجب أن تظهر تلك العبارة لو كانت تحذيراً عملياً بالمعنى الكامل؟
ان الموضع الأمثل لظهور تلك العبارة في نهاية كل إجابة نحصل بخط واضح لا يمكن تجاهله لا في زاوية ثابتة اعتاد المستخدم ألا يراها، فموضعها الحالي لا يمنع الخطأ من الحدوث، لكنه يؤدي وظيفة أخرى لا تقل أهمية: تذكير المستخدم مسبقاً بأن مسؤولية التحقق النهائي تقع عليه.
والدليل الأوضح ادانة المحامي الأمريكي ستيفن شوارتز عام 2023 باستخدام معلومات قانونية مغلوطة استند فيها على عدداً من السوابق القضائية مصدرها (Chat GPT ) واتضح أنها غير موجود أصلاً، فلم تنتقل المسؤولية القانونية إلى النموذج، بل بقيت على عاتق من استخدم المعلومة واعتمد عليها.
الباب الثاني: التشابه الذي يستحق التأمل
الشركات التكنولوجية الكبرى "الامريكية والصينية" تتنافس على كل شيء تقريباً "المواهب، والاستثمارات، والحصة السوقية، والنفوذ التقني، والجيوسياسي "لكنها تنتهي جميعاً تقريباً إلى الرسالة نفسها "قد يخطئ الذكاء الاصطناعي."قد يبدو هذا التشابه للوهلة الأولى مصادفة يصعب تصديقها، فشركات تختلف في الجغرافيا والنموذج التجاري والفلسفة التقنية، تنتهي إلى التحذير ذاته تقريباً.
وربما يكون السبب ببساطة أنها تواجه المشكلة نفسها: نماذج قادرة على الإبهار، لكنها قادرة أيضاً على إنتاج معلومات غير دقيقة أو مختلقة.
لكن النتيجة النهائية واحدة في جميع الأحوال تؤسس لعلاقة جديدة مع التقنية تقوم على المساعدة لا الضمان،
فالذكاء الاصطناعي التوليدي لا يعمل كقاعدة بيانات تسترجع الحقائق حرفياً، بل يولّد الإجابات اعتماداً على أنماط واحتمالات لغوية معقدة، لهذا فإن إمكانية الخطأ ليست حادثاً استثنائياً طارئاً، بل جزء معروف من طبيعة التقنية نفسها.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يلغي السؤال الأهم: من يتحمل تبعات الخطأ عندما يتحول النص إلى قرار؟
فعلي الرغم من التنافس قائم على من يقدم أفضل ذكاء اصطناعي، فالنتيجة المشتركة، سواء جاءت من تنسيق مباشر أو من مواجهة الخطر القانوني فلا أحد يريد أن يكون الطرف الذي يتحمل المسؤولية النهائية عن الخطأ، وهنا تحديداً تبدأ أهمية ذلك السطر الصغير. التأكيد على فكرة أن مسؤولية التحقق النهائية تقع على المستخدم.
الباب الثالث: التهيئة لعصر الوكلاء الأذكياء
هنا يصبح المشهد أكثر إثارة للاهتمام، حيث يتجه نحو "الوكلاء الأذكياء" (Agentic AI) القادرين على تنفيذ المهام واتخاذ خطوات عملية نيابة عن المستخدم، فالجيل القادم من الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الإجابة عن الأسئلة حيث يمكن استخدامه في إرسال رسائل، إدارة المواعيد، تنفيذ إجراءات إدارية، وربما مستقبلاً يمكن استخدامه في اتخاذ قرارات أكثر تعقيداً ضمن حدود يحددها المستخدم.
وإذا كانت النماذج الحالية تخطئ أحياناً، فمن الطبيعي أن يبقى احتمال الخطأ قائماً مع الأنظمة الأكثر استقلالية.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل تسهم سنوات من الرسائل المتكررة التي تذكّر المستخدم بإمكانية الخطأ في تهيئته نفسياً لتقبّل قدر أكبر من استقلالية هذه الأنظمة مستقبلاً؟ قد لا نملك إجابة قاطعة بعد، لكن السؤال يستحق أن يُطرح.
فكلما اعتاد المستخدم على فكرة أن الذكاء الاصطناعي ليس معصوماً، أصبح أكثر استعداداً للتعامل مع عالم تُنفذ فيه الأنظمة الذكية مهاماً حقيقية نيابة عنه.
وربما يصبح السؤال الأهم حينها: إذا اتخذ الوكيل الذكي إجراءً خاطئاً، فأين تنتهي مسؤولية النظام وأين تبدأ مسؤولية المستخدم؟
كيف تتعامل مع ذلك؟ وعي لا رفض
هذا المقال لا يدعوك إلى نبذ هذه الأدوات، فهي مفيدة بالفعل، وستصبح أكثر قوة وتأثيراً في السنوات القادمة
لكنه يدعوك إلى بناء علاقة واعية معها، لا علاقة ثقة عمياء.
فكرياً: أعد تعريف دور هذه الأدوات فالذكاء الاصطناعي ليس مرجعاً بالمعنى التقليدي، إنه محاور ومساعد ومُلخّص ومولّد للأفكار، يمكنه أن يسرّع الفهم، لكنه لا يعفيك من مسؤولية التحقق، حين تتعامل معه باعتباره مساعداً، تستفيد من امكانيته، وحين تتعامل معه باعتباره حقيقة نهائية، تبدأ المخاطر.
عمليا: اختبر النموذج قبل أن تثق به، اسأله عن أمور تعرفها جيداً، وراقب كيف يتعامل مع الخطأ عندما يقع.
استراتيجياً: اقرأ الخط الصغير... حرفياً
في المرة القادمة التي تفتح فيها أي تطبيق ذكاء اصطناعي، توقف للحظات واقرأ شروط الاستخدام المتعلقة بالأخطاء والمسؤولية، قد لا تجد ضمانات مطلقة، لكنك ستفهم بصورة أوضح كيف ترى الشركات دورها، وكيف ترى دورك أنت.
إنه نافذة صغيرة تطل على أسئلة كبيرة حول التقنية والثقة والمسؤولية.
استخدم هذه الأدوات، استفد منها. لكن تذكّر دائماً أن الثقة ليست شيئاً يُمنح تلقائياً.
بل شيئاً يُكتسب.
------------------------------
بقلم. د. أسامة منير







