حين ضربت الأزمة المالية العالمية الاقتصاد العالمي في 2008، لم يكن الاقتصاد المصري في قلب العاصفة، فالتأثيرات كانت بصورة محدودة نسبيا ولم تتحول إلى انهيار واسع في سعر الصرف أو موجة تضخم تاريخية أو أزمة نقص عملة أجنبية كما حدث لاحقا بعد كوفيد والحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الإقليمية في البحر الأحمر والخليج. هنا السؤال ليس فقط لماذا كانت الصدمة أخف وقتها، بل كيف تحول الاقتصاد المصري خلال أقل من عقدين إلى اقتصاد شديد الحساسية لأي اضطراب عالمي مهما كان مصدره؟
في 2008 كان الاقتصاد المصري يعيش ذروة مرحلة الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت منذ حكومة أحمد نظيف في 2004، وقتها سجل الاقتصاد معدل نمو وصل إلى 7.2% بحسب بيانات الناتج المحلي الإجمالي وكانت الحكومة تتحدث عن تحرير الاقتصاد وجذب الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال وهي نفس المفردات التي تتكرر حاليا، لكن الفارق الحقيقي كان في طبيعة هيكل الاقتصاد نفسه فالدين الخارجي وقتها كان يدور حول 30 إلى 35 مليار دولار فقط مقارنة بما تجاوز 160 مليار دولار في السنوات الأخيرة أما الاحتياطي النقدي كان مستقرا نسبيا، والاقتصاد لم يكن معتمدا بصورة مفرطة على الأموال الساخنة أو الاقتراض الخارجي قصير الأجل وكذلك لم تكن خدمة الدين تبتلع هذا الحجم الضخم من الموازنة العامة أو الاحتياطي الدولاري كما يحدث الآن.
حين انفجرت الأزمة العالمية بعد انهيار بنك ليمان براذرز في الولايات المتحدة، وصل التأثير إلى مصر عبر قنوات محددة، ظهر في تراجع السياحة وانخفاض إيرادات قناة السويس وخروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من البورصة وحدث تباطؤ في تحويلات العاملين بالخارج بشكل نسبي، ولكن رغم ذلك ظل الاقتصاد قادرا على امتصاص الصدمة دون انهيار شامل، لم يحدث تعويم للعملة ولم تقفز الأسعار بهذا الشكل العنيف ولم يدخل الاقتصاد في أزمة ندرة دولار طويلة، حتى التضخم الذي ارتفع وقتها ظل في حدود يمكن السيطرة عليها مقارنة بما حدث لاحقاً حيث بلغ معدل التضخم في 2008 حوالي 18.3% وفق بيانات البنك الدولي.
السبب الرئيسي وقتها أن الاقتصاد المصري كان أقل انكشافاً على النظام المالي العالمي وأقل اعتماداً على التمويل الخارجي، بمعنى أدق كان الاقتصاد يعاني بالفعل من مشكلات هيكلية مثل الفقر والبطالة وضعف العدالة الاجتماعية، لكنه لم يكن مبني بهذا الحجم على التدفقات الدولارية الخارجية والديون والأسواق المالية الدولية، بل إن حكومة مبارك تعاملت مع الأزمة وقتها عبر أدوات تقليدية كزيادة الإنفاق العام وتوسيع بعض مشروعات البنية الأساسية مع محاولات تنشيط الاستثمار المحلي و كذلك خفض أسعار الفائدة تدريجيا لتحفيز الاقتصاد، ورغم أن هذه السياسات لم تغير طبيعة الاقتصاد أو تحل أزماته الاجتماعية فإنها نجحت نسبيا في منع انتقال الأزمة المالية العالمية إلى أزمة نقدية داخلية شاملة.
لكن ما حدث بعد 2013 ان دخل الاقتصاد المصري في نموذج مختلف تماما نموذج فيه الدولة توسعت بصورة ضخمة في الاقتراض الخارجي وارتفع الاعتماد على تدفقات المحافظ المالية الأجنبية المعروفة بالأموال الساخنة، كما جرى التوسع في مشروعات ضخمة كثيفة التكلفة تعتمد على الاستيراد والتمويل الدولاري في وقت لم يحدث فيه تطور مواز في القاعدة الإنتاجية الصناعية أو الزراعية هنا بدأت هشاشة الاقتصاد تتضاعف لأن أي أزمة خارجية أصبحت قادرة على ضرب عدة مفاصل في وقت واحد:
- العملة الأجنبية.
- أسعار الغذاء.
- تكلفة الطاقة.
- خدمة الدين.
- تكلفة الاستيراد.
- التضخم.
- الاحتياطي النقدي.
لكن تبلورت الأزمة بعد الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، هنا اصطدمت الصدمة الخارجية مباشرة بالنموذج الاقتصادي المصري، فمصر من أكبر مستوردي القمح في العالم وتعتمد بصورة واسعة على الاستيراد الغذائي والصناعي والطاقة، مع الحرب ارتفعت أسعار القمح والنفط والشحن عالميا وفي نفس الوقت بدأت الأموال الساخنة في الخروج من السوق المصرية مع رفع الفائدة الأمريكية في خلال شهور قليلة فقد الجنيه جزءا كبيرا من قيمته وبدأت موجات متتالية من خفض سعر الصرف وارتفع التضخم إلى مستويات تاريخية تجاوزت 33% في 2023 بحسب بيانات البنك الدولي والبنك المركزي المصري وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الأزمتين.
في 2008، كانت الأزمة تضرب الاقتصاد المصري من الخارج بينما بقيت البنية الداخلية مستقرة نسبيا، أما بعد 2022 فالأزمة الخارجية أصبحت تكشف أزمة داخلية أعمق نتيجة ان الاقتصاد يعتمد على الاستيراد أكثر من الإنتاج - يحتاج تدفقات دولارية مستمرة لتغطية التزاماته - ارتفعت فيه تكلفة خدمة الدين بصورة ضخمة - أصبح أكثر ارتباطاً بحركة رأس المال العالمي وتقلبات الفائدة الأمريكية وبالتالي تحولت الحساسية تجاه العالم الخارجي إلى حالة مزمنة، حتى التوترات الإقليمية الأخيرة المرتبطة بالبحر الأحمر وإيران انعكست مباشرة على الاقتصاد المصري عبر تراجع إيرادات قناة السويس وارتفاع تكلفة التأمين والشحن واضطراب التجارة العالمية حني ان صندوق النقد الدولي نفسه أشار إلى أن اضطرابات البحر الأحمر أثرت بقوة على موارد النقد الأجنبي المصرية.
لكن الأهم من كل ذلك هو تأثير التحول الاقتصادي على المواطن نفسه. ففي 2008 شعر المواطن بارتفاع الأسعار وببعض الضغوط الاقتصادية لكن الأزمة لم تتحول إلى تآكل يومي واسع النطاق في الدخول والمدخرات، فلم يكن هناك هذا الحجم من القفزات المتكررة في أسعار السلع والخدمات والطاقة والإيجارات. أما بعد 2022 فأصبح المواطن يعيش داخل الأزمة نفسها بشكل يومي متجلية في تراجع القدرة الشرائية - قفزات مستمرة في أسعار الغذاء - ارتفاع تكاليف النقل والطاقة - تآكل الأجور الحقيقية - تراجع الطبقة الوسطى - اتساع الاعتماد على الديون والاستهلاك المؤجل ,المفارقة أن النظامين السياسيين اتبعا في جوهرهما مسار اقتصادي متشابها قائم علي التحرير الاقتصادي والاعتماد على الاستثمار الخارجي وتشجيع القطاع الخاص نظريا والاقتراض والاندماج في الاقتصاد العالمي لكن الاختلاف كان في درجة التوسع وحدود المخاطرة ففي عهد مبارك ظل الاقتصاد أكثر تحفظاً في الاقتراض الخارجي وأقل اندفاعا في الاعتماد على التمويل الأجنبي قصير الأجل كما أن حجم المشروعات الكبرى الممولة بالدين كان أقل كثيرا.
أما في السنوات الأخيرة فقد أصبح الاقتراض نفسه جزءا مركزيا من آلية إدارة الاقتصاد وتحولت الدولة إلى أكبر مقترض ومنافس اقتصادي في السوق مع توسع غير مسبوق في المشروعات كثيفة التمويل والاستيراد وهو ما جعل الاقتصاد أكثر حساسية لأي تغير عالمي في الفائدة أو التجارة أو الطاقة أو الجغرافيا السياسية، ويمكن ان نستخلص انه لم تعد المشكلة فقط في وجود أزمات عالمية بل في طبيعة الاقتصاد المصري نفسه الذي تغير وأصبح أكثر انكشافاً على العالم وأكثر اعتماداً على الخارج وأكثر هشاشة أمام أي اضطراب دولي.
----------------------------------
بقلم: حسن البربري






