04 - 06 - 2026

من تسريبات سيرينا.. كواليس تعدد الوسطاء بين طهران وواشنطن للتفتيت والتحصين

من تسريبات سيرينا.. كواليس تعدد الوسطاء بين طهران وواشنطن للتفتيت والتحصين

كشفت تسريبات جديدة لكواليس المفاوضات الإيرانية الأمريكية عن وجود ما وصف بالتوتر المكتوم بين إسلام آباد وطهران، رغم التعاون الظاهري. وأن زيارة وزير الداخلية محسن نقوي يوم 20 مايو 2026، بعد يومين من مغادرته طهران، ومن بعده قائد الجيش عاصم منير، هي محاولة عاجلة لإنقاذ الوساطة الباكستانية المتعثرة، وتجنب انهيار الهدنة الهشة.

وأشارت التسريبات إلى اهتزاز العلاقة خلال الفترة الماضية، لامتعاض باكستان من طريقة إدارة طهران لملف التفاوض والوساطات الموازية، بمحاولتها إدخال وسطاء إقليميين آخرين مثل مصر وقطر وسلطنة عُمان، وهو ما تراه إسلام آباد تهميشاً لدورها ومصداقيتها.

وأرجعت مصادر عربية قريبة الصلة من إيران، التوتر الخفي نتيجة لإحباط طهران من عدم إنجاز باكستان الجزء الخاص بها من مشروع خط أنابيب الغاز الإيراني الباكستاني منذ سنوات، تخوفاً من العقوبات الأمريكية، وهو ما تراه إيران دليلاً على أن قرارها السيادي مرهون بالضوء الأخضر من واشنطن، وخشيتها الدائمة من إمكانية استخدام أراضيها وأجوائها في أي سيناريو غربي لضربها، خاصة وأن باكستان تكافح دائماً للحفاظ على حد أدني للعلاقات العسكرية والاقتصادية مع أمريكا.

أما فيما يخص الوساطة الحالية ـ وفقاً للتسريبات والمصادر ـ تشعر طهران أن باكستان تمارس عليها ضغوطاً لتقديم تنازلات في الملف النووي ونفوذها البحري إرضاءً للأمريكيين ونجاح وساطتها، وفي المقابل تشعر إسلام آباد أن إيران تتعامل معها كصندوق بريد فقط دون إعطائها الثقل السياسي المستحق كدولة نووية جارة، تمتد الحدود بينهما لمسافة 900 كيلومتر عبر إقليم بلوشستان المضطرب، والذي يمثل كابوساً أمنياً للطرفين.

التسريبات كشفت عن رفض إيران تخزين اليورانيوم المخصب لدى باكستان خشية تسليمه لواشنطن، أو منع إيران من استعادته في حال نقضت أمريكا الاتفاق في حال حدوث تغيير مفاجئ في الحكومة الباكستانية، أو تعرضها لضغوط مالية أمريكية، خاصة وأن باكستان تعتمد اقتصادياً بشكل كبير على المنح والمساعدات الأمريكية والسعودية، وهو ما استبعدته أمريكا أيضاً لسببين، الأول: عدم إثارة الهند التي تسعى أمريكا للحفاظ على وجودها في صفها كثقل موازن للصين، وعدم إفساد توازن القوى في جنوب آسيا، بتعزيز المخزون النووي والتكنولوجي داخل باكستان حتى ولو كان اليورانيوم الإيراني الوديعة.. والسبب الثاني: خشية جناح الصهيونية المسيحية واللوبي الإسرائيلي في واشنطن من إيداع اليورانيوم الإيراني المخصب في باكستان ـ وهي الدولة المسلمة الوحيدة النووية ـ من تشكيل جبهة نووية موحدة تحت ضغوط الصراع في فلسطين.

وفي السياق الهندي، فسرت صحيفة "نيويورك تايمز" زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، (28 مايو 2026) لتبديد المخاوف العميقة في نيودلهي فيما يتعلق بعلاقات واشنطن مع الصين وباكستان، وتطمين نيودلهي ـ وفقاً لمجلة نيوزويك" التي تخشى من فقدان ميزتها الإستراتيجية ككفة راجحة ضد الصين بمجرد استقرار العلاقات بين واشنطن وبكين، خاصة بعد لقاء ترامب الأخير مع نظيره الصيني، والتقارب مع إسلام آباد (الوسيط الرسمي بين أمريكا وإيران) دون مراعاة لمخاوف بشأن مرتكبي الإرهاب من الجانب الباكستاني ضد الهند.

من التسريبات أيضاً، انزعاج وغضب إيران والصين من نشر باكستان لأنظمة دفاع جوي صينية الصنع في السعودية دون الرجوع لبكين؛ مما يعني وضع بصمات الترددات والشيفرات السرية الصينية على طبق من ذهب أمام الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية.. وهو ما فسره معهد ستوكهولم (المتخصص في الصراعات العسكرية والتسلح) والمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن، بمخاوف بكين من "الهندسة العكسية" بالتقاط وكالات الاستخبارات الغربية للبصمات الإلكترونية والترددات التشغيلية وشيفرات التعارف الخاصة بالدفاع الجوي الصيني، مما يعري هذه المنظومات مستقبلاً في أي صراع ببحر الصين الجنوبي أو تايوان.. فيما ترى طهران انكشاف التقنية الصينية في الخليج يعني أن قدرة هذه المنظومات على حماية الأجواء الإيرانية أصبحت مكشوفة للأمريكيين والإسرائيليين، مما يفقدها ميزة الغموض العسكري.

ووفقاً لتقارير إعلامية فقد جاءت زيارة رئيس الوزراء الباكستاني لبكين (25و26 مايو 2026) لطمأنة القيادة الصينية بأن إسلام آباد لم ولن تسمح بوقوع أسرار التكنولوجيا الصينية في أيدي الغرب من خلال نافذة الخليج، ولتأمين الدعم الاقتصادي لمشروع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، وتعزيز دور إسلام آباد كوسيط أساسي بين إيران وأمريكا، وهو ما وضح في البيان الختامي للجانبين بتعميق الثقة السياسية المتبادلة وتعزيز التعاون العملي والدفاعي والأمني والاستمرار في التنسيق من كثب فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية والدولية.

وفي الأثناء زار قائد الجيش الباكستاني عاصم منير طهران وانتقل منها لبكين للحاق برئيس الوزراء، لتقديم تقرير عن زيارته التي أكد فيها لطهران بأن الوجود الباكستاني في السعودية هو وجود "دفاعي بحت" لحماية المنشآت وليس موجهاً ضد العمق الإيراني، وأن باكستان تتحرك كوسيط رسمي ومعتمد، يحظى بضوء أخضر صيني-خليجي، وأنها القناة الأكثر أماناً لإيصال الرسائل الإيرانية إلى فريق ترامب، لقطع الطريق على تعدد الوسطاء الذي تسعى إليه واشنطن.

** تسنيم تكشف مساعي واشنطن

الولايات المتحدة الأمريكية هي الأخرى ـ كما ذكرت وكالة تسنيم الإيرانية عن مصادر وصفتها بالمطلعة ـ تبذل مساعي مكثفة لتوسيع دائرة الوساطة عبر دول إضافية، وأشارت المصادر إلى أنه في الوقت الذي تمارس فيه الإدارة الأمريكية لغة "البلطجة" والوعيد في العلن، فإن أعضاءً في فريق التفاوض الأمريكي لم يكتفوا بالوساطة الباكستانية الحالية، وشرعوا في بذل محاولات حثيثة عبر دول أخرى (لم تُسمّها الوكالة) لفتح قنوات وساطة إضافية متزامنة مع إيران.. وأكدت المصادر المطلعة ـ في التقرير الذي نشر مطلع مايو 2026 ـ أن طهران لا تصدق استجداءهم للوساطة، وأن لغة التهديد لم تعد تجدي نفعاً، وذلك يفسر إدراك إيران للعبة تعدد الوسطاء التي تتبعها أمريكا وتهدف من خلالها لتفكيك عناصر القوة الإيرانية عبر توزيع الملفات على قنوات مختلفة، فوفقاً للتسريبات التي بدأت تخرج من مباحثات فندق سيرينا بإسلام آباد، والرسائل المتبادلة فإن واشنطن ترغب في الدفع بتركيا كوسيط ضاغط بحكم المصالح الاقتصادية والحدود الجغرافية، بإدخالها في مقايضة خاصة بملفات إقليمية لا ترغب فيها طهران حالياً، وهي سوريا والعراق، إذ يسعى دونالد ترامب لاستغلال النهم البراجماتي لأنقرة وحرصها التاريخي على التموضع في "المسار الرابح"، ملوّحاً لها بضوء أخضر لقضم النفوذ البري الإيراني في الشمال السوري والسيطرة على خطوط التجارة وإعادة الإعمار، وضرب طموحات الأكراد، مقابل قيام تركيا بتفكيك الممر البري الإيراني الممتد إلى بيروت، وبذلك تتحول تركيا في المنظور الأمريكي من وسيط محايد إلى أداة ضغط تفاوضية لتجزئة ملفات طهران وتخييرها بين التنازل في مسار إسلام آباد، أو مواجهة تمدد تركي مدعوم من الناتو على حدودها الشمالية الغربية والتي تبلغ حوالي 534 كيلومتر.  

وفي الوقت الذي تبدو فيه الإمارات بعيدة علناً عن رقعة الوساطة المباشرة، تكشف "تسريبات سيرينا" عن اشتباك مالي وعسكري معقد خلف الستار، فطهران تعتبرها شريكاً أساسياً في الحرب عليها وجبهة متقدمة لاتفاقيات أبراهام والنفوذ الإسرائيلي في الخليج، لكن ترامب يحاول تصويرها كوسيط وجبهة رافضة للحرب، لبرهنة حاجته للتفاوض وحماية شريكه الاستراتيجي والمراكز المالية الخليجية من ضربات انتقامية إيرانية قد تحرق ممرات الطاقة العالمية فيما تشير الكواليس إلى أن أبوظبي ضغطت على باكستان لإفشال المفاوضات أو الانسحاب من دور الوسيط، وأمام رفضها تنفيذ طلبها طالبتها برد وديعة المليارين دولار، فسارعت السعودية لضخ ملياري دولار فورية في البنك المركزي الباكستاني، مع وعد بثلاثة مليارات إضافية، لتلعب الرياض دور "صمام الأمان" الاستراتيجي الذي يحمي اقتصاد الوسيط الباكستاني، مقابل بقاء الجيش الباكستاني البالغ قوامه نحو 8 آلاف جندي، ونشر أنظمة الدفاع الجوي الصينية لحماية الأجواء والمنشآت الحيوية السعودية.

كما تدفع واشنطن ببعض العواصم الأوروبية خاصة باريس وروما للضغط على إيران في ملف البرنامج النووي، ومضيق هرمز، لتفكيك عناصر القوة الإيرانية عبر جبهات متعددة تمنع طهران من فرض شروطها في سلة واحدة.

** التحصين الإيراني لمواجهة أمريكا

في المقابل، ردت إيران على لعبة التفتيت الأمريكية، بإستراتيجية ـ يصفها المراقبون ـ بالتحصين والشرعية الإقليمية، بالاتجاه نحو مصر والسعودية كمظلة جيوسياسية كبرى، فالقاهرة والرياض تمثلان لطهران مفتاح التهدئة في البحر الأحمر وممراته المائية، والتنسيق معهما يستهدف تحييد أي تحالف بحري قد تقوده واشنطن ضدها، كما أن دخول مصر على خط الوساطة مرحب به من قبل بكين وموسكو، لكيفية تعاملها مع العقلية الأمريكية والإسرائيلية، كما أن إيران تنظر لها كوسيط يمتلك شرف التفاوض.

وفي هذه الشبكة الجيوسياسية المعقدة، برز الدور القطري كركيزة لا غنى عنها في الإستراتيجية الإيرانية، فهي الخزينة الآمنة والمستودع المالي الأمين، لإدارة وتسيير أموال النفط المجمدة وصفقات التبادل المعقدة، وهي محمية من العقوبات الأمريكية، وبارعة في أداء الدور اللوجستي المرن، مما يجعلها القناة الخلفية الجاهزة لإنقاذ المفاوضات مالياً كلما أصيبت المسارات العسكرية بالانسداد.

وتكتمل هذه الشبكة بالاستناد إلى بكين كضامن دولي وشريك استراتيجي يكسر مفاعيل العقوبات الأمريكية، وبذلك تكون إيران قد أثبتت فشل سياسة العزلة الأمريكية، وإجبار واشنطن على الاعتراف بالنفوذ الإيراني عبر منصات إقليمية متعددة وثقيلة، وحشدت حزام أمان إقليمي ودولي (مصر، السعودية، قطر، باكستان، الصين) لضمان عدم انقلاب ترامب على أي اتفاق، وتحييد أي تحالف عسكري ضدها، وحائط صد أمام مساعي واشنطن لتفتيت عناصر القوة الإيرانية، لتظل مسودة الـ 14 بنداً الإيرانية هي الصخرة التي تتكسر عليها مناورات التجزئة الأمريكية في فندق سيرينا.
----------------------------------------
تقرير ـ محمد الضبع