02 - 06 - 2026

عين علي تركيا.. لماذا الإصرار علي عودة كليجدار أوغلو؟!

عين علي تركيا.. لماذا الإصرار علي عودة كليجدار أوغلو؟!

صدور قرار من المحكمة الدستورية العليا بإزاحة قيادات حزب الشعب الجمهوري بتهمة تزوير شهادات جامعية تعود لأكثر من ٤٥ عاما، وإعادة الزعيم التاريخي للحزب كمال كليجدار أوغلو الطاعن في السن، والذي لم ينتصر في أيٍ من معاركة السياسية علي حزب الحرية والعدالة طول فترة حكم أرودغان. فلماذا الإصرار علي عودة كليجدار أوغلو الآن؟!

- إدراكاً من الحكومة التركية بالواقع الجيوسياسي والخرائط التي ينتوي النظام العالمي إعادة رسمها للإقليم بحدود وشخصيات وأدوات جديدة، فعودة وتمكين كمال كليجدار أوغلو، يتزامن مع تصريحات قديمة لتوم باراك سفير أمريكا في تركيا ومبعوث ترامب للشرق الأوسط، أُعيد ذكرها علي لسانه منذ أيام: أن صيغة الحكم المستقبلية التي ستكون أكثر استقراراً وثباتاً في تركيا والمنطقة هي "الحكم العرقي أو القبلي" علي غرار النظام في لبنان في إشارة واضحة وتلميحات ربما للنهاية الحتمية لحقبة حكم العدالة والتنمية.

- تصريحات باراك وضعت الحكومة المركزية التركية في مأذق، لأن النسيج العرقي للأعراق التركية يتركب من ثلاث طوائف لم تتلاقي أبداً عبر التاريخ وهم: العرق الارناؤوط البوشناق (الأتراك الأصليين)، والأكراد ثم العلويين الذين لم يكونوا يوماً جزءًا من النسيج التركي. العلويون ظهروا فقط بسبب استيلاء تركيا في عهد أتاتورك علي مساحات شاسعة من أقاليم الشمال السوري (حلب، أضنة ولواء اسكندرون) التي تقع في النطاق الديموغرافي للعلويين بجانب تواجدهم بالساحل السوري الحالي فيما يسمي بجبال العلويين وأصبحوا بعد ذلك يشكلون ٢٠% من التركيبة السكانية للشعب التركي. أما الأكراد: فطائفة الأزمات التاريخية التي تطالب بكردستان الكبري من شرق تركيا حتي غرب إيران مروراً بسوريا والعراق، بل يريدون امتدادًا لها حتي أذربيجان و أرمينيا الولسونية (نسبة للرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، الذي قام عام ١٩١٨ بإصدار ما يسمي المبادئ الأربعة عشر، التي اقترح خلالها خريطة لأرمينيا الكبري، تلك التي تربط البحار الثلاث: الأسود، قزوين والبحر المتوسط).

- كلام باراك يتناسب جداً وطموح التوسعات الصهيونية المستقبلية، علي حساب دول المنطقة التي تريد لها أن تبقي مجرد كانتونات متصارعة أكثر تفسخًا وتقسيمًا.

-  إستباقاً لرؤية باراك بمخطط التقسيم المقبل علي المنطقة بشكل عام وتركيا بشكل خاص: اقترحت بعض قيادات العدالة والتنمية تقاسم مناصب الدولة (الحقائب السياسية) بين الأعراق التركية، لقطع الطريق علي أي تقسيم للدولة بأيادٍ صهيو-امريكية. بحيث يكون رئيس الجمهورية من المسلمين السُنة وله نائبان أحدهما كردي، والآخر علوي، علي أن يتم اختيارهما بعناية فائقة، فيما جاء كمال كليجدار أوغلو (العلوي) الأكثر تفاهماً من حزب العدالة والأقل اشتباكاً، لتنفيذ تلك المهمة في الإنتخابات الجمهورية القادمة، علي أن يتم اختيار وزير الخارجية حاكان فيدان كشخصية كردية متفق عليها نائبًا ثانِ للرئيس، أو ربما الطلب من عبد الله أوجلان زعيم الأكراد ترشيح شخصية متوافق عليها.

- بهذه الترتيبات الجديدة، يظن العدالة والتنمية وأردوغان أنهم قطعوا طريق التقسيمات المحتملة علي الغرب، وقاموا بتلبية المطالب الأمريكية ورجلها في تركيا توم براك في آن واحد.

-  لكن في حقيقة الأمر، فإن سجن وعزل قادة حزب الشعب الجمهوري وتمكين قوات الأمن منذ أيام لكمال كليجدار أوغلو من رئاسته سيكون له ارتدادات عكسية علي حشد الشارع ضد هزلية وضعف أحكام القضاء التركي الصادرة بحق زعيم حزب الشعب الجمهوري (المخلوع) أوزغور أوزال، رجل الدولة القوي القادر علي حشد الشارع، خاصة أنه ينحدر من عائلة سنية نقشبندية متدينة جدًا، وهو نفسه كان عضواً نشطاً جداً في الطريقة النقشبندية، ووالدته كانت أحد عضوات جماعة اسكندر باشا الصوفية النقشبندية، بعكس ما يُشاع أنه من عائلة أشد إلحادًا وكرهاً للدين، وهذا في حد ذاته من شأنه تأليب الشارع علي أردوغان وحزبه.

- ولا ننسي المارد القابع في سجن مرمرة أكرم إمام أوغلو المتدين الذي شوهته آلة الإعلام التركية الموالية للعدالة والتنمية واصفة إياه بالفساد تارة، وتزوير شهاداته الجامعية تارة، وبالعلمانية القح المعادية الهادمة لكل ما هو إسلامي تارة أخري، و اختلاق سرديات مفادها إما العدالة والتنمية أو إغلاق المساجد وحظر الجحاب وعودة البيزنطيين لآيا صوفيا مرة أخري.

- في حين تشير التقارير إلي أن أكرم إمام من عائلة متدينة جداً لكنها سلكت سلوكاً ليبرالياً سياسيًا بعيدًا عن الدين.

- شخصية أكرم إمام أوغلو تقلق حزب العدالة والتنمية وأردوغان لسببين رئيسيين: أولاً، قدرته الاستثنائية على حشد الشارع وجمع قاعدتين واسعتين هما العلمانيين والمحافظين المتدينين الغاضبين من الاقتصاد، وهو تحالف نادر يهدد النموذج الإنتخابي لأردوغان. ثانياً، رئاسته وحزبه لأكبر بلديتين في تركيا (إسطنبول وأنقرة)، مما يمنحه موارد ضخمة وشبكات دعم اجتماعي تكسب ولاء الطبقات الفقيرة التي كانت قاعدة للحزب الحاكم. لذلك يرى أردوغان في إمام أوغلو تهديداً وجودياً، ما يفسر محاولات تفكيك منصبه عبر سجنه وعزله مؤسسياً قبل أن يُترجم زخمه إلى فوز رئاسي.

- كانت عقبة أردوغان تكمن في إبعاد أكرم إمام، بِيد أن تعقيدات المشهد أبرزت له عقبة أخري اسمها أوزغور أوزال، الزعيم الحالي لحزب الشعب الجمهوري، يمثل عقبة جديدة لأردوغان لأنه استطاع توحيد الحزب خلف خطاب أكثر مرونة وحسمًا من إمام أوغلو، ونجح في تحويل احتجاجات الشارع إلى عمل سياسي مؤسسي، مما جعل إقالة إمام أوغلو لا تعني انتهاء التهديد، بل تجسّد القيادة في شخص أوزال الذي يدير المعركة من الداخل، والأيام ستقول كلمتها.
----------------------------------------
بقلم: د. أحمد عبد العزيز بكـير


مقالات اخرى للكاتب

عين علي تركيا.. لماذا الإصرار علي عودة كليجدار أوغلو؟!