لا أظن أن دولة بالعالم بها نفس الزخم والكم من الأعياد والاحتفالات والمناسبات والمواسم (الدينية – التاريخية "أعياد الانتصاارات" – الإجتماعية- المرتبطة بالنيل وفيضانه والحصاد والزرع ومواسم الخير – المرتبطة بأحداث عالمية ....) على مدار العام كما فى مصرنا الحبيبة، ولا أظن أن دولة بالعالم بها نفس المظاهر الاحتفالية أو نفس الطابع الخاص الذى يطبع به المصريون احتفالاتهم.
من هذا المنطلق حظيت احتفالات المصريين بالأعياد والمناسبات باهتمام الباحثين والمؤرخين والمستشرقين بشكل كبير؛ إذ لفتت انظارهم طرائق ومظاهر تلك الاحتفالات، وسجلوا فى مدوناتهم طبائع المصريين وطبعهم لتلك المناسبات بطابع مصرى خاص ومتميز ؛ حتى إذا أصبح الاحتفال بهذه المناسبة أو تلك مصبوغاً بصبغة مصرية خالصة ، أخذت منه البلاد والثقافات الأخرى وتعلمت الكثير من المعانى والدلالات.
ومن خلال الكتابات التاريخية والمدونات – المتقدم ذكرها- نستطيع رصد مظاهر الاحتفال بعيد الأضحى المبارك فى مصر تاريخيا على النحو التالى :
أولاً: الصيام والصدقة واعمال الخير فى ذى الحجة والتكبير؛ ذلك أن غالبية المصريون يكثرون من صيام التسعة أيام الأوائل من ذى الحجة منذ دخول الاسلام مصر إلى اليوم أو على الأقل يصوم من لم يصم منهم الأيام الثمانية الأولى يوم وقفة عرفات (اليوم التاسع) كما يكثرون من الصدقة واعمال الخير فى تلك الأيام ، مع الذكر والتكبير؛ فتجد هناك من يكبر فى الطرقات أو فى متجره أو فى منزله أو فى مكان عمله، مع الإكثار من الذكر والدعاء وطلب المغفرة والرحمة وأعمال الخير.
ثانياً: إقامة ختمات القرآن الكريم والوعظ وإنشاد المدائح النبوية خلال التسع الأوائل من ذى الحجة وأيام العيد ، حيث اعتاد المصريون وخاصة الاغنياء منهم عبر التاريخ إقامة ختمات القرآن الكريم فى بيوتهم وآخرين أمام متاجرهم ووكلاتهم حيث يتلو فيها "القراء" (حسنى الصوت) ، كما يلقى فيها "الوعاظ" خطبا مؤثرة فى فضل تلك الأيام وفضل العمل الصالح فيها وعن فريضة الحج والاقتداء بالحجاج داعين الله "عز وجل" فى نهاية خطبتهم أو حديثهم أن يرزقهم جميعاً حج بيته الحرام ، كما أن هناك من كان يقيم فى بيته أيضاً جلسات الإنشاد الدينى التى ينشد فيها المنشدون الدينيون المدائح النبوية وسير الصالحين الأوائل وآل البيت ، كذلك كانت المساجد تقيم حلقات الذكر على مدار هذه الأيام التسعة.
ولا شك أن جميع الفاعليات السابقة كان يتخللها بسط المأكولات والمشروبات والتى لم يقتصر تقديمها أو تناولها على هؤلاء القراء والواعظين والمنشدين بل كان يمتد إلى الفقراء والمريدين والجيران وعابرى السبيل والقائمين – الذين يخدمون فى تلك البيوت أو المؤجرين للخدمة مع زيادة العدد - على إعداد تلك المؤكولات فى مظاهر احتفالية تشع بالسعادة والبهجة وتبث الفرحة فى نفوس الجميع .
ثالثاً: شراء الملابس الجديدة ومستلزمات العيد ولوازم حلوى "المعمول"، حيث اعتاد المصريون فى اعيادهم بشكل عام على ارتداء الثياب الجديدة التى يشترونها قبل العيد، ليتحول الشهر الذى يسبق العيد إلى موسم تجاري من الدرجة الأولى يروج فيه بيع الملابس والأقمشة والتوابل ومستلزمات حفظ اللحوم وتخزينها وأماكن بيع أدوات واسلحة الذبح وحبال أو سلاسل تعليق أو رفع الأضاحى، ومحلات أو دكاكين بيع الدقيق والسميد والسمن البلدى والحليب التى كان يصنع منها "المعمول" أو "القرص" الذى اعتاد المصريون إعداده فى عيد الأضحى خلافاً لما يصنعونه فى عيد الفطر من شتى أنواع " الكعك" و "البسكوت والبيتى فور "البيتفور".
رابعاً: صلاة العيد ، وفيها يخرج الرجال مصطحبين أبناءهم ونساءهم إلى الساحات والمساجد لأداء صلاة العيد، ويكبر الجميع قائلين "الله أكبر الله أكبر الله أكبر . لا اله إلا الله . الله أكبر الله أكبر ولله الحمد" فى جو يغمره الفرح والسرور، وصلاة العيد حسب السنة النبوية المطهرة / المؤكدة عبارة عن " ركعتين" جهريتين تليهما خطبة وعظية تتناول الحديث عن الأضحية ، وكيف أنها فى أصلها تعود إلى قصة سيدنا "إبراهيم" (عليه السلام) عندما أمره الله (سبحانه وتعالى) بذبح أبنه "اسماعيل" (عليه السلام) كاختبار لإيمانه وطاعته، وعندما لبى إبراهيم الأمر مستعداً للتضحية بأبنه، فدا الله اسماعيل بكبش عظيم فجاءت سنة الأضحية فى عيد الأضحى مقلدة ذلك الفداء العظيم الذى نجا أو فدا به الله (عز وجل) نبيه اسماعيل من الذبح، ثم يتحدث الخطيب بعد ذلك عن تجهيزات الأضحية وكيفية توزيع لحومها حاثاً المصلين على التوزيع أكثر على الفقراء والمساكين وترك الأدخار طمعاً فى ثواب الله العظيم، وبعد الخروج من صلاة العيد يستمر التكبير طيلة يوم العيد وأيام التشريق، وهى الأيام الثلاثة التى تلى يوم العيد وخاصة عقب الصلوات المفروضة حيث يكبر المصلون بعدها بصوت جماعى ثلاث مرات.
خامساً: ذبح الاضاحى، تُعد هذه الشعيرة الركن الأساسي للاحتفال، وأرتبطت بها كثير من الأغانى والأنشودات فى التراث المصرى مثل "بكرة العيد ونعيد ونذبح الشيخ سيد" فى إشارة إلى الأضحية، ويقوم المصريون خاصة القادرون منهم بذبح أضحيتهم بعد أداء الصلاة مباشرة، سواء يقومون بعملية الذبح بأنفسهم أو يلجأون لمن يذبح لهم من "الجزارين" ، أو من يستطيعون القيام بتلك العملية الشاقة نسبياً، ومن يمتلكون أدوات الذبح ويفهمون آلياته وفنياته – إن صح التعبير - ، ويقسم بعض المصريين الأضحية إلى ثلاثة أجزاء؛ ثلث للفقراء والمحتاجين، وثلث للأقارب، وثلث لأهل البيت، يزيد ذلك أو ينقص أو يختلف عند البعض الآخر، وقبل وجود الثلاجات وأجهزة تبريد وحفظ اللحوم ابتكر المصريون الكثير من ألوان وأشكال حفظ اللحوم من التلف مثل "التشويح فى السمن"، و"التمليح" ...وغيرها ، كما استخدموا جلود الأضاحى وخاصة فى الريف؛ إذ استخدموا جلود الماعز فى صناعة "قرب" للماء أو الألبان، واستخدموا جلود الخراف/ الأغنام كــ "فرش" للجلوس عليها خاصة فى فصل الشتاء، كما أن عالبية الأضاحى فى مصر كانت إما من الأغنام والماعز أو من الأبقار؛ إذ يقل فى مصر ذبح الجمال والجاموس.
سادساً: العيدية، وهى عبارة عن مبلغ مالى يمنحه الكبار للصغار بعد صلاة العيد، أو بعد الانتهاء من ذبح الأضحية؛ إذ يعودون بعدها إلى ارتداء الملابس الجديدة المعطرة التى ارتدوها عند صلاة العيد ، ومبلغ العيدية فى عيد الأضحى أقل قليلاً منه فى عيد الفطر ، حيث شاعت عبارة "دا عيد لحمة" بين المصريين، لكنها موجودة ولم تكن تختفى فى عيد الأضحى كما يروج البعض، ولا تزال موجودة حتى ايامنا هذه فى عيد الأضحى كما هى فى عيد الفطر، وقد تكون ظاهرة العيدية موجودة فى بلدان ومجتمعات آخرى غير المجتمع المصرى لكنها تتميز فى مصر بشكل خاص ؛ إذ لا يقتصر منحها على الأقارب فقط وانما يمنحها الكثيرون للأطفال بشكل عام "قريبهم وغريبهم" ، وللفقراء واليتامى والمساكين ، والنساء والشابات المخطوبات من خطبائهن وللأمهات من ابنائهن .... إلى غير ذلك من الطرق ، وتكون فى بعض الأحيان بصفة حلوى أو بلالين أو ألعاب صغيرة .
وللعيدية أصول تاريخية ترجع إلى العصر الفاطمى حيث كان السلطان يخرج بموكبة "الفخم" ومعه حاشيته من القاضى والوزير ورجال الشرطة مرتدياً الملابس البيضاءالمعدة خصيصاً إلى الساحة المعدة لصلاة العيد، والقريبة من القصر، ثم يعود إلى قصرة ناثراً الدنانير (العيدية) على المصطفين على جانبى الطريق من الفقراء والمساكين والعامة والجند وغيرهم، ثم يرتدى الملابس الحمراء "بلون الدم" ، ويخرج إلى الساحة ، أو المكان المعد لذبح الأضاحى أيضاً بالقصر ، فيذبح الأضاحى بنفسه ويكرر ذلك على مدار الأيام الثلاثة التاليه ، ليبلغ عدد ما يذبحة 81 رأساً من تلك الأضاحى، ويحذو الوزراء والتجار والأعيان حذوه فى توزيع الدنانير (العيدية) على مدار أيام العيد.
سابعاً: زيارة الأموات فى القبور والزيارات العائلية للأحياء: رصد المؤرخون عادة غالبية المصريين فى زيارة المقابر في صباح الأيام الأولى للعيد بل وفى يوم الوقفة لتذكر الأموات والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، ووفاء لهم حتى لا يظن الميت انشغال احبابه وذويه عنه فى تلك الأيام حسب معتقد الكثير منهم، ومثلما يزورون الأموات فى قبورهم فى الصباح كما تقدم يتبادلون الزيارات العائلية فى خاصة فى فترات الظهر والمساء لتبادل التهنئة بالعيد والهدايا فى جو من الألفة والود والتلاحم .
ثامناً: الخروج للتنزه، وقد تطورت هذه العادة تيعاً لتطور وسائل الترفيه عبر العصور؛ ففي العصور والأزمنة القديمة كانت العائلات تتجمع في الساحات وتتنزه في الحدائق وتستمتع بفرق الإنشاد والسيرك المحلي. ومع مرور الزمن، أصبحت المتنزهات الحديثة والمطاعم والسينمات وجهات رئيسية لقضاء أيام العيد.
وعلى المستوى الرسمى عبر العصور المختلفة؛ نجد تميزاً لاحتفالات السلاطين والحكام في العصرين الفاطمي والمملوكى على وجه الخصوص ؛ إذ تميز العصر الفاطمى بالاحتفالات الكبيرة والعطاءات السخية للفقراء والمحتاجين. وكان الخليفة يشرف شخصياً على توزيع اللحوم. كما تضمنت الاحتفالات في العصر المملوكي توزيع الأضاحي وإقامة المهرجانات، وإقامة السلاطين للولائم العامة.
ولا شك أن بعضاً من المظاهر الاحتفالية التى سبق رصدها، والتى ظلت عبر العصور المختلفة قد اختلفت ولو قليلاً، بسبب اختراع الالكترونيات والتكنولوجيا الحديثة، فعلى سبيل المثال اختفت ختمات القرآن الكريم والوعظ وانشاد المدائح النبوية، وما تبعها من تجمعات ومأكل ومشرب، أو قلت بشكل كبير واستعاض المصريون عنها بتشغيل اجهزة التلفاز والراديو وشرائط الكاسيت والتليفونات المحمولة التى تسع ذاكراتها للقرآن الكريم كاملاً بأصوات عشرات القراء، وللألاف من الخطب الوعظية والأناشيد والمدائح والتكبيرات بأصوات مختلفة؛ فنجدهم يشغلونها فى بيوتهم ومتاجرهم وأماكن عملهم.
وهكذا ، جسد عيد الأضحى العديد من القيم الإسلامية والإنسانية من خلال شعائره وطقوسه. وربط المسلمون بشكل عام والمصريون بشكل خاص بتراثهم الديني والاجتماعي عبر العصور، وعزز الروابط الاجتماعية والإنسانية لدي المصريين، وعًد عبر التاريخ مناسبة مميزة احتفلت بها الأجيال المصرية، ومارسوا خلالها الكثير من الطقوس الاحتفالية الدينية، محافظين فى الوقت نفسه على التقاليد الاجتماعية المميزة لمصر والمصريين.
---------------------------------------
بقلم: د. مصطفى يونس أحمد






