28 - 05 - 2026

ملايين أهدرت وامتيازات وزعت في الخفاء | وثائق تفضح تجاوزات مالية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب

ملايين أهدرت وامتيازات وزعت في الخفاء | وثائق تفضح تجاوزات مالية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب

في عام ١٩٦٩، حين أضاء معرض القاهرة الدولي للكتاب أروقته للمرة الأولى، كان العالم العربي يحلم بأن تكون القاهرة عاصمة للعقل لا للسلطة وحدها، ومنارة يشدّ إليها الكتاب والقرّاء من أقصى المغرب إلى أقصى الخليج. وقد كان لذلك الحلم ما يسنده؛ فمصر التي أنجبت طه حسين ونجيب محفوظ والعقاد كانت تمتلك من الرصيد الثقافي ما يجعل مثل هذا الحلم معقولاً بل واجباً.

مرت العقود، وتوالت الدورات، وصار المعرض تقليدا راسخا في وجدان ملايين المصريين والعرب، يشبه في رمزيته ما تمثله معارض الكتب الكبرى في فرانكفورت ولندن؛ فضاء يلتقي فيه الفكر بالسوق، والثقافة بالاقتصاد، على أمل أن يخدم الأول الأخير دون أن يستعبد له.

غير أن ثمة فارقا جوهريا بين أن تخدم الثقافة الاقتصاد وبين أن تنهب الثقافة باسم الاقتصاد.

ما تكشفه الوثائق التي بين أيدينا اليوم ليس مجرد أرقام ومبالغ مهدرة، وإن كانت هذة الأرقام وحدها كافية لإدانة منظومة بأكملها. والأشد إيلاما هو أن المكان الذي اختارته مصر ليكون معبدا للكلمة قد تحول وفق هذة الوثائق إلى فضاء توزَع فيه الامتيازات في الخفاء، وتهدر فيه موارد الدولة على مرأى من الأوراق الرسمية ذاتها التي كان يفترض أن تصونها.

والمفارقة المرة أن الكتاب ذلك الكائن الذي قاوم عبر التاريخ كل أشكال الفساد وفضحها هو الذي يتخذ اليوم ستارا لما تصفه هذة المستندات.

ما بين أيدينا وثائق رسمية صادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب نفسها، موجهة إلى القائم بأعمال رئيس الهيئة الدكتور خالد أبو الليل، تكشف عن منظومة متكاملة من التجاوزات الإدارية والمالية التي شابت تنظيم الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب عام ٢٠٢٦. هذه الوثائق، التي حملت توقيعات مسؤولين داخل الهيئة ذاتها، تطرح تساؤلات حول منظومة الرقابة الداخلية، وآليات تخصيص الأجنحة، وإهدار المال العام بصورة ممنهجة.

فوضى تخصيص الأجنحة من يضع السعر ومن يجني الفارق؟

تشير الوثيقة الأولى، المعنونة بـ"مذكرة للعرض"، إلى أن مراجعة كشف القرعة ومطابقتها بخريطة صالة (٤) تراث في المعرض كشفت عن مخالفات صريحة في قطاعي (B) و(C).

ففي قطاع (B)، ثبتت الجهة المنظمة عدد اثنين من الناشرين بالسعر العادي في أماكن مميزة، وهو ما يعني بصراحة أن هؤلاء الناشرين حصلوا على مواقع ذات قيمة أعلى بأسعار أقل مما كان ينبغي. والأرقام تتحدث عن نفسها:

- دار المنهاج (٤٥ م²): دفعت ٧١٧٨ دولاراً كسعر عادي، في حين أن السعر المميز لهذا الموقع ٩٩٠٠ دولار، أي أن الفارق الذي لم تحصّله الدولة ٢٧٢٢ دولاراً.

- دار السنابل (٣٦ م²): دفعت ٥٢٢٠ دولاراً عوضاً عن ٧٩٢٠ دولاراً، بفارق ٢٧٠٠ دولار ذهب إلى غير وجهته.

أما في قطاع (C)، فالصورة أكثر إثارة للقلق، إذ بلغ عدد المخالفات أربعة حالات، وتنوعت بين ناشرين مصريين وسعوديين:

- دار الصحابة (٣٦ م²): فارق ٩٤٥٠٠ جنيه.

- مؤسسة الرسالة العالمية (٣٦ م²): فارق ٩٤٥٠٠ جنيه.

- مؤسسة ساعي لتطوير الأوقاف (١٨ م²): فارق ١٤٢٢ دولار.

- شركة عطاءات العلم للنشر(٢٧ م²): فارق ٢٠٧٩ دولار.

وتحمل الوثيقة الفوارق الإجمالية في ٨٩٢٣ دولاراً و١٨٩٠٠٠ جنيه مصري، وهي أموال كان ينبغي أن تدخل خزينة الدولة.

ولنا أن نطرح الأسئلة في ضوء ذلك فمن الذي أصدر قرار تثبيت هؤلاء الناشرين بالسعر العادي في مواقع مميزة؟ وهل جرى ذلك بتوجيهات شفهية أم بأوامر مكتوبة؟ وهل أُبلِغت الجهات الرقابية المختصة كالجهاز المركزي للمحاسبات بهذه الفوارق؟

السؤال الثاني هل هذه أول دورة تقع فيها هذة المخالفات، أم أن هذا النمط تكرَّر في دورات سابقة دون محاسبة؟

ناشرون ببطاقات ضريبية منتهية ومن أجاز دخولهم؟

الوثيقة الثانية تكشف ملفاً مختلفاً لكنه لا يقل خطورة؛ فقد تبين أثناء التجهيز للمعرض أن مكتبة الخانجي للطباعة تقدّمت ببطاقة ضريبية منتهية منذ عام ٢٠٠٣، وأن دار التوفيقية للتراث تقدمت ببطاقة ضريبية منتهية عام ٢٠٢٤. وبدلاً من استبعادهما فور اكتشاف المخالفة، جرى رفضهما من المسؤولين في البداية، ثم وهنا بيت القصيد قام الأستاذ ياسرحسن لطفي المشرف على المعرض بالتوقيع على دخولهم على مسؤوليته الشخصية، مرفقاً صورة من استمارة الاشتراك.

 فبأي صلاحية قانونية وقع المشرف على دخول مؤسسات بوثائق ضريبية منتهية؟ وهل يملك فرد واحد صلاحية تجاوز اشتراطات قانونية ملزمة بقرار شخصي؟ وما هي التبعات القانونية والمالية لهذا القرار على الهيئة؟

وهل سددت هذه المؤسسات التزاماتها الضريبية كاملة قبل دخول المعرض، أم أن إدارة المعرض أغمضت عينيها عن هذا الأمر تماماً؟

تبديل الأجنحة والتلاعب بمساحات العرض

تكشف الوثيقة الثانية أيضاً أن جناح رقم (A16) الخاص بالهيئة المصرية للكتاب في صالة (5) الأطفال جرى استبداله بجناح آخر في مكان مختلف تماماً هو جناح (A35) في قاعة أخرى، وذلك بقرار من "السيد المسؤول" دون أن تحدد الوثيقة هوية هذا الشخص بحجة "زيادة المبيعات". والأخطر من ذلك أن هذا الجناح البديل ثُبت بالسعر العادي لا بالسعر المميز، مما يعني خسارة مالية مباشرة للهيئة.

فمن هو "السيد المسؤول" الذي اتخذ قرار استبدال جناح الهيئة ذاتها؟ وما الإجراءات الرسمية التي اتبعت قبل اتخاذ هذا القرار؟ وهل خضع للمراجعة والاعتماد من الجهات العليا؟

 - إهدار موارد النقد الأجنبي.. قضية الكويت

تتناول الوثيقة الثانية ملفاً آخر بالغ الحساسية يتصل بموارد الدولة من العملة الصعبة. فقد دخلت دار المعاني للنشر والتوزيع الكويتية المعرض بمساحة ٢٧ متراً مربعاً، وسددت رسوماً بقيمة ٦٢١٠ دولارات بتاريخ ٢٣ نوفمبر ٢٠٢٥. ثم في ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٦ أي بعد أسبوع جرى تخفيض المساحة إلى ١٨ متراً مربعاً فقط بقيمة ٤١٤٠ دولاراً، مما يعني أن الفارق البالغ ٢٠٧٠ دولاراً كان يجب أن يرد إلى الناشر الكويتي أو يسجل رسمياً في حسابات الهيئة.

والوثيقة تقر صراحة بأن هذا التحويل أهدر على الدولة ٢٠٧٠ دولاراً أمريكياً. لكن السؤال يبقى معلَّقاً هل أُعيدت هذه المبالغ فعلاً إلى الناشر؟ أم أنها اختفت في فراغ إداري لا تتضح حدوده؟

ومن الذي وافق على تعديل المساحة بعد التعاقد وسداد المبالغ؟ وهل تمت محاسبة من أصدر هذا القرار على ما ترتب عليه من خسائر بالعملة الأجنبية؟

التجاوزات الشاملة في جميع الصالات

الوثيقة الثالثة هي الأشد وطأةً من الناحية الإجرائية، إذ تُشير إلى أن عملية حصر كشوفات القرعة والخرائط الخاصة بالناشرين كشفت عن وجود تجاوزات في جميع الصالات بلا استثناء. فقد تبيّن أن دوراً للنشر تسكن أماكن مميزة بالسعر العادي مخالفةً لكراسة الشروط والمواصفات، وأن هذه المخالفة تطال الصالات أرقام (١، ٢، ٣، ٤، ٥) كلها.

والوثيقة تُذكّر بأن كراسة الشروط تنصُّ صراحةً على أن تسكن دور النشر المصرية المواقع المميزة بسعر ٦٠٠٠ جنيه للمتر الواحد، في حين تسكن دور النشر العربية هذه المواقع بسعر ٢٢٠ دولاراً للمتر. ومخالفة هذه الأسعار على النطاق الذي تصفه الوثائق تعني أن الخسائر الفعلية تتخطى بمراحل الأرقام الواردة في الوثيقة الأولى.

 إذا كانت هذه التجاوزات موجودة في جميع الصالات، فلماذا لم تكتشفها أجهزة الرقابة الداخلية في الهيئة إلا بعد انتهاء المعرض أو في أثنائه؟ وهل ثمة تواطؤ ممنهج بين موظفي التخصيص وبعض الناشرين؟

 وهل أجرت الهيئة المصرية للكتاب تحقيقاً داخلياً رسمياً في هذه المخالفات، وما نتائجه؟ وهل أُحيل أحد إلى النيابة الإدارية أو النيابة العامة؟

-  مؤسسة ثقافية أم بؤرة تجاوزات؟

الهيئة المصرية العامة للكتاب مؤسسة ثقافية عريقة تأسست لتكون حارسة للكتاب والمعرفة، ومعرض القاهرة الدولي للكتاب الذي تنظمه هو واجهة ثقافية لمصر أمام العالم. غير أن ما تكشفه هذه الوثائق يُظهر أن ثمة منظومة غير رسمية تعمل داخل المنظومة الرسمية؛ تُعيد توزيع الامتيازات وفق معايير بعيدة عن الشفافية، وتُهدر الموارد العامة التي يُفترض أن تصبَّ في خدمة الثقافة والمثقفين.

 من يتولى الإشراف الفعلي على عمليات تخصيص الأجنحة؟ وهل تخضع هذه العمليات لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات قبل انطلاق المعرض أم بعده فحسب؟

 هل يعلم وزير الثقافة السابق د.أحمد هنو بهذه الوثائق وما تتضمنه؟ وما الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لمحاسبة المسؤولين واسترداد الأموال العامة المُهدَرة.

الوثائق المنشورة هنا ليست اتهامات من خارج المنظومة، بل هي مذكرات رسمية كتبها موظفون داخل الهيئة ذاتها ورفعوها إلى رئيسها. وهذا وحده يُثبت أن جهازاً رقابياً ما ما زال يعمل ويوثِّق. لكن التوثيق وحده لا يكفي؛ فالسؤال الحقيقي هو ماذا فعلت الإدارة بعد أن وصلتها هذه المذكرات؟ وهل طُويت في أدراج المكاتب، أم أنها فتحت باباً للمحاسبة الحقيقية؟

الإجابة عن هذا السؤال وحده ستُحدِّد ما إذا كانت الهيئة المصرية العامة للكتاب قادرةً على إصلاح نفسها بنفسها، أم أن الأمر يستدعي تدخلاً من الجهات الرقابية العليا والنيابة العامة.
---------------------------------
تقرير:  صبري ممدوح 
من المشهد الأسبوعية

وثائق تفضح تجاوزات مالية بمعرض القاهرة الدولي