يعد"التاريخ والتراث الدينى المصرى" المحرك الأساسي لصياغة الهوية المصرية عبر العصور، فهو ليس مجرد تاريخ للممارسات والطقوس، بل موروث ثقافي وفكري. تداخلت فيه المعتقدات والأخلاق والممارسات الروحية وتشابكت لتشكل نسيجاً استثنائياً يتوارثه المصريون، وتبرز ملامحه في الحقبات التاريخية .
لقد مارس المصريون القدماء طقوساً تشبه أركان الحج الحالية التى جاء بها الاسلام (فرائضه وسننه) ؛ وذلك بزيارة مدينة " أبيدوس" الواقعة بــ ( محافظة سوهاج / مركز البلينا حالياً) للتعبد للإله أوزوريس - حسب معتقدهم – ، وكما أن أمنية كل مسلم مصرى اليوم الذهاب إلى "مكة المكرمة" و"المدينة المنورة" لأداء فريضة الحج فإن امنيه كل مصري قديماً كانت السفر لــ "ابيدوس" لقضاء الحج متفرغاً للعبادة، طالباً المغفرة والتوبة، وملتمساً للحياة الأبدية والتجدد ؛ ولذا كانت تلك الرحلة التى استمر تقديسها لقرون طويلة، ووثق المصريون القدماء مشاهد الذهاب والإياب فيها على جدران مقابرهم تشبه في جوهرها الحج في الديانات اللاحقة .
وقد ارتبطت رحلة أو موسم الحج عند المصريين القدماء بموعد ثابت يبدأ في اليوم الثامن من الشهر الأول من فصل الفيضان حتى اليوم السادس والعشرين، وتضمنت التنقل بالمراكب عبر النيل أو سيراً على الأقدام ، وارتداء ملابس بيضاء مطهرة (تلف حول الكتف اليسار نظرا لوجود القلب ، وبه جزء صالح وجزء سيء فكان يغطي قلبه بالثوب حتى يستر الجزء السيء أمام الإله) ، كما تضمنت تقديم القرابين وحرق البخور، وإقامة طقوس تمثيلية للموت والبعث، وترديد أدعية وأناشيد وترانيم دينية للتقرب للإله مثل : " السلام عليك ايها الإله العظيم وسيد تاور العظيم ف أبيدوس لقد اتيت إليك فانت صاحب العطف استمع لندائي ولبِ ما اقوله ف اني واحد من عابديك " ، بالإضافة إلى أن تلك الرحلة قد تضمنت تقديم الأضاحي (ثور أو بقرة) ، والمشاركة في مواكب جنائزية تمثل أسطورة إيزيس ، أخد الحاج لوحه / نذريه من الحجر أو الخشب ليكتب عليها أمنياته ، وأخذه لبعض الهدايا التذكارية من هذا المكان المقدس ( تمثال لأوزوريس أو ورقه بردي من كتاب الموتى وهدايا تذكاريه أخري) وعند عودته كان يرسم طقوس الحج على جدران منزله وفي مقبرته .
ومع دخول المسيحية مصر ، تحول مفهوم الحج لدى المصريين المسيحيين من "الرحلة إلى المعابد الفرعونية" إلى "الحج المسيحي" . وعلى الرغم من أن الحج ليس فريضة واجبة في المسيحية كشرط لدخول الجنة ، إلا أنه يعتبر رحلة روحية عميقة لتقوية الإيمان حسب معتقدهم .
وتمثلت أهم ملامح رحلة الحج المسيحى فى زيارات الأماكن المقدسة داخل الأراضى المصرية وخارجها ؛ فكانت الرحلة داخل مصر من خلال تتبع خط سير رحلة العائلة المقدسة (المسيح عليه السلام ، والسيدة مريم ، وقريبهما يوسف النجار) لتصبح أول وأهم رحلة حج ، يمر فيها الحاج على الكثير من المواقع مثل "شجرة مريم" في المطرية ، و"دير المحرق" في أسيوط ، و" كنيسة العذراء" في سخا ، وأديرة الصحراء مثل دير "الأنبا بولا" ودير "الأنبا أنطونيوس" ، وأخيراً منطقة سيناء ، وخاصة جبل "الطور" و دير"سانت كاترين".
أما رحلات المصرى المسيحى للحج خارج الأراضى المصرية ، وتحديداً إلى الأراضي المقدسة بالقدس وفلسطين، فاستمرت عبر العصور ولا تزال قائمة حتى الأن ، وكانت تتم على مدار العام، وتنشط بشكل مكثف خلال فترات الأعياد المسيحية مثل "أسبوع الآلام" و"عيد القيامة المجيد"، وتتضمن زيارة مواقع محورية مرتبطة بحياة ومعجزات السيد المسيح مثل " كنيسة القيامة "، وهى الوجهة الأقدس والأهم ؛ إذ يؤمن الكثير من المسيحيين أنها تضم موقع صلب يسوع وقبره – حسب معتقدهم - ، وكذلك مثل "طريق الآلام" ، وهو المسار الذي سار فيه السيد المسيح عليه السلام حاملاً صليبه ، وكذلك مثل مدينة "بيت لحم" وهى مسقط رأس المسيح عليه السلام ، وتحديداً زيارة كنيسة "المهد" فى بيت لحم ، وأخيراً زيارة نهر الأردن وهو موقع تعميد السيد المسيح عليه السلام على يدي يوحنا المعمدان.
وبعد دخول الإسلام إلى مصر وبطبيعة الحال مع علم جميع المسلمين بأن الحج فرض أساسي من فروضه وركن أساسي من أركانه الخمسة بشرط الاستطاعة ، وكذلك مع علمهم بأن اداء تلك الفريضة هو مغفرة للذنوب وفرصة ووسيلة لمحوها نهائياً بل ولدخول الجنة وفقاً لقول النبى (صلى الله عليه وسلم) بأن " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " وأيضاً قوله (صلى الله عليه وسلم) بأن "الحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة" وهو ما يسعى كل مسلم إلى تحقيقه. من هنا أصبحت رحلة الحج إلى بيت الله الحرام بمكة وزيارة مدينة نبيه (صلى الله عليه وسلم) حلم كل مصرى مسلم عبر العصور الإسلامية المتلاحقة فهى "رحلة العمر" في الوجدان الشعبي المصرى منذ دخول الاسلام مصر حتى اليوم رغم تغير وسائل السفر وتطور أنماط الحياة الحديثة ، ولا تزال الكثير من المظاهر التراثية المرتبطة بالحج حاضرة بقوة داخل المجتمع المصري.
أصبحت مصر نقطة الانطلاق الرئيسية لرحلة الحج الإسلامية ؛ فهى طريق الحج الإفريقي ؛ إذ ينطلق موكب الحج الكبير من مصر مروراً بـالسويس ثم صحراء سيناء عبر محطة "نخل"، وصولاً إلى ميناء العقبة ومنه إلى الأراضي الحجازية، في رحلة كانت تستغرق ما بين الشهرين إلى الثلاثة أشهر، واضطلعت مصر - بناء على ما تقدم - بدور محوري في خدمة الحجاج وتأمين طرق السفر وتنظيم القوافل عبر قرون طويلة ، مما منحها مكانة دينية وحضارية مميزة في العالم الإسلامي ، وفى وقت لاحق أصبحت مدينة القاهرة – التى انشئت بعد دخول الاسلام مصر بفترة طويلة - مركزاً رئيسياً لانطلاق قوافل الحجاج.
أما "المحمل" المصرى (هودج خشبي مزخرف ومغطى بكسوة فاخرة ، كان يرسل سنوياً مع قافلة الحج كرمز لسيادة وسلطة الدولة المصرية) ، والذى كان أحد أبرز الرموز الحضارية والدينية المصرية في التاريخ الإسلامي ، والذى يعد كذلك رمزاً تاريخياً لارتباط مصر بالحرمين الشريفين ويؤرخ للدور الكبير الذي قامت به مصر في صناعة كسوة الكعبة المشرفة عبر العصور، فكان يخرج من ميدان القلعة بالقاهرة ، وكان يوم خروجه يوماً مشهوداً تحول إلى احتفال شعبي ضخم يضم فرق الفنون الشعبية بوصفه ، فهو لم يكن مجرد وسيلة لنقل الكسوة فحسب ، بل كان يحمل معه الفنون المصرية والزخارف الإسلامية والخط العربي، ليعكس مكانة مصر الحضارية والدينية.
وعبر التاريخ الاسلامى لم تقتصر رحلات الحج إلى الحرمين الشريفين على البعد الديني فقط ، بل لعبت دوراً مهماً في التواصل الثقافي والفكري بين الشعوب الإسلامية ، وأسهمت في انتقال العلوم والفنون والعادات والتقاليد بين مصر ومختلف أنحاء العالم الإسلامي، مما خلق حالة من التفاعل الحضاري عبر طرق الحج المختلفة ، ومن هنا ظهر تأثير الحج في الفنون والتراث الشعبي المصري، بما افرزته الشخصية المصرية من آداب وفنون وأناشيد وأغاني تراثية فى وداع واستقبال الحجيج ، كما كانت هناك فنون الإنشاد الصوفي والمدائح النبوية ، وإقامة ليالي الذكر والمديح لتوديع الحجاج واستقبالهم بالأغاني التراثية الشهيرة ، وظهرت كذلك تقاليد عريقة مثل فن "الرسم على الجدران" ( رسم الكعبة المشرفة والمسجد النبوي ووسائل السفر المختلفة وهى عادات منتشرة في الريف وصعيد مصر) التي يزين بها العائدون من الحج منازلهم تخليداً للرحلة ، وتمثل سجلاً يوثق رحلة الحج بإضافة أسماء الحجاج وتواريخ الرحلات على تلك الجدران، مما يعد جزءً أصيلاً من التراث الثقافي غير المادي في مصر.
وفي عصرنا الحاضر، تطورت رحلة الحج بشكل جذري وأصبحت أسرع وأكثر تنظيماً، وأصبح الحجاج المصريون يعتمدون على الطيران المصرى والسعودى، وأصبح هناك تنسيقاً مع الجهات الرسمية عبر بوابة الحج المصرية التي تديرها وزارة الداخلية المصرية .
---------------------------------
بقلم: د. مصطفى يونس أحمد






