28 - 05 - 2026

ضوء | الرجولة والأنوثة (3)

ضوء | الرجولة والأنوثة (3)

أرى الكثير من الذكور والإناث من الشباب ممن تتعدى أعمارهم الثلاثين وهم مضربين عن الزواج، وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة متعمقة، لكن أعتقد من ضمن الأسباب؛ وجود التباس في مفهومي الأنوثة والرجولة عند الكثير من الناس.

ولقد تناولنا مفهوم الأنوثة في مقال سابق، ونتناول حاليًا مفهوم الرجولة الشائع عند الغالبية، والذي غالبًا ينحصر: إما في القوة والعنف تجاه المرأة، والمقولة المشهورة: "لا تضرب المرأة حتى ولو بوردة" صحيحة جدًا، بل إن الرجل الذي يرفع يده على المرأة ضعيف الشخصية ومريض نفسيًا، أما المرأة المتحكمة والعصبية، التي تمد يدها وتضرب زوجها، أو سليطة اللسان، فالأفضل الابتعاد عنها كليًا.

بعض النساء يبحثن عن الزوج المقتدر مادياً وكل همهن الذهاب إلى المطاعم برفقته، والتفاخر بالمقتنيات الثمينة، ويرون الزواج شيكا على بياض.

وبعض الرجال يفهمون الرجولة في العناد والاعتداد بالنفس المُبالغ فيه، وعدم الاستسلام لرغبات الزوجة، ويشعرون بأن ذلك ينتقص من كرامتهم ورجولتهم، ونحن لسنا مع أن يكون الرجل منقادًا بلا عقل لزوجته، فمثلما تنقاد المرأة لرغبات الرجل، حبًا واحترامًا له، لماذا لا يلبي الرجل رغبات زوجته؟ فلن ينقص له قدم ولا ساق، خاصة إذا كانت تلك الرغبات لا تؤثر في وضعه المادي والاجتماعي، وتضفي السعادة على الحياة الزوجية، فحتمًا ينعكس ذلك الشعور على المرأة لتعطي أكثر مما تأخذ، فيتحول البيت كله إلى سعادة تغمر أفراد الأسرة جميعًا، فالمرأة من طبعها العطاء.

غالبية النساء يرغبن في سماع الكلمات الحلوة لكي يشعرن أنهن مرغوبات دوماً، فلماذا يبخل الرجل بهذه الكلمات؟ والرجل الساذج يعتقد أن ذلك يقلل من رجولته.

وللأسف غالبية الرجال يَرَوْن إن أهم ما يثبت الرجولة، هو حق الفراش في العلاقة الزوجية، وبالطبع هذا حق لكلا الطرفين، وهو من الأعمدة الأساسية في الحياة الزوجية، لكن الرجولة لا تكمن فقط في ذلك الأمر الغريزي والطبيعي.

وبعض الرجال يرى المرأة ندًا له، ويريد منها أن تفعل بالضبط مثلما يفعل، لكن المرأة شريك ومكمل له، فالقوة العضلية لدى الرجل يقابلها القوة العاطفية والنفسية عند المرأة، وكلاهما يكمل الآخر، والآية الكريمة تقول: "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن".

ونعم الآية الكريمة تقول: "الرجال قوامون على النساء"، لكن أجمع الفقهاء على أن مفهوم القوامة هو في الإنفاق المادي، خاصة إذا كانت المرأة محتاجة، مع أنه من المعروف أن الزوجين يتعاونان ماديًا لتلبية متطلبات الحياة المعيشية.

لكن تغيرت المفاهيم حالياً، فالزوجة تريد أن يصرف عليها الرجل حتى لو كانت تعمل ولديها راتب شهري! ومثل هذا التحول في المفاهيم يحتاج إلى دراسة أيضاً.

ونعتقد إن المفاهيم السائدة للرجولة، ناتجة عن تاريخ طويل من التخلف الاجتماعي.

الرجولة الحقة تظهر في الموقف والسلوك، وتكمن في: الحنان والحكمة والمرونة والتروي، وسنضرب بعض الأمثلة:

- الرجل يثبت رجولته عندما يهبّ لمساعدة المرأة وهي تقوم بأي عمل، داخل أو خارج المنزل، لا أن يقف موقف المتفرج واللا مبالي، وخاصة إذا لم يكن مشغولًا بمهمات أخرى.

- الرجولة أن يُغدق الرجل على زوجته كل الحب والحنان، وينطق بالكلمات الجميلة، ويوقد مشاعرها دومًا باللمسة الحانية، والبسمة اللطيفة، والكلمة الحلوة، لا أن يكون جامدًا كالحجر وجافًا كالصحراء.

- الرجولة أن يُحسس الرجل زوجته بالأمان، وبأنه لا يمكن أن يستغني عنها لحظة.

- الرجولة هي أن يكون الرجل صادقًا دومًا مع زوجته، وأن يفي بوعوده لها.

- الرجولة أن يفعل كل ما تحب زوجته، ويبتعد عن التصرفات التي يشعر أنها تغيظها وتضايقها، وأن يحاول إسعادها، ولا يفكر في متعته ولذته فقط، فلا تكتمل سعادته إلا بسعادتها، والعكس صحيح.

- الرجولة في تحمّل المسؤولية، والتحكم في الغضب، والصبر، والحُلم، وحلّ المشكلات بهدوء وروية.

ختاماً نتمنى أن يعمّ مفهوم الرجولة الصحيحة، والأنوثة الحقيقية، لكي تصبح حياة كل الناس خير وسعادة ومحبة.

وكل عام وأنتم بخير وسلام.
-----------------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام


مقالات اخرى للكاتب

ضوء | الرجولة والأنوثة (3)