28 - 05 - 2026

الحج والعمرة.. نفحات ربانية تشفي القلوب (2/2) | حين جاءتني الدعوة من السماء

الحج والعمرة.. نفحات ربانية تشفي القلوب (2/2) | حين جاءتني الدعوة من السماء

الحج ليس رحلة تُقاس بعدد الأيام، ولا بعدد المناسك التي يؤديها الإنسان، بل هو لحظة اصطفاء خفية، يشعر فيها القلب أن الله يربّت عليه بعد تعبٍ طويل، وكأن الرحلة كلها رسالة رحمة وتطييب خاطر تأتي في توقيت لا يعلمه إلا الله.

في عام 2016، كان قلبي مثقلاً بما يفوق احتماله ، أستطيع أن أقول، دون مبالغة، إن ذلك العام كان من أصعب أعوام عمري، حتى خُيّل إليّ أنني أعيش ما يشبه “عام الحزن” الخاص بي، حيث تجمعت فيه نوائب الأيام وضغوطها دفعة واحدة.

بدأ العام بقلقٍ كبير على ابنتي الكبرى، التي كانت تدرس في لبنان، حين اكتشفنا إصابتها بورم حميد في الغدة الدرقية، استدعى إجراء جراحة دقيقة لاستئصال أحد فصوص الغدة ، ولم يكن الألم في المرض وحده، بل في وطأة المسافات أيضاً؛ كنت أعمل في الكويت وهي بعيدة عني، ولا شيء أقسى على قلب الأم من أن يمرض جزء من روحها وهي عاجزة عن احتضانه.

عدنا معاً إلى القاهرة لإجراء العملية، وعشنا أياماً ثقيلة بين القلق والدعاء والخوف الصامت ، والحمد لله مرت الجراحة بسلام، لكن آثار ذلك القلق بقيت عالقة في الروح ، ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأت الضغوط تتراكم فوق احتمالي؛ ضغوط قاسية، ومشاعر مريرة من الظلم والخذلان، وإرهاق نفسي استنزفني حتى انعكس على صحتي ونال من جسدي.

وفي يومٍ لن أنساه ما حييت، وجدت نفسي في قسم الطوارئ إثر ارتفاع حاد في ضغط الدم وتسارع ضربات القلب، ليطلب الطبيب إدخالي فوراً إلى العناية المركزة تحت الملاحظة ، كان المشهد قاسياً بكل تفاصيله ومحاطاً بغربة موحشة.

سألني طبيب الطوارئ بهدوء:

— «من جاء معكِ؟»

فأجبته بصوتٍ يملؤه الإنهاك:

— «أنا وحدي… ليس معي إلا الله».

ثم عاد يسأل:

— «وإذا حدث أي تطور في الحالة، نُبلغ مَن؟»

في تلك اللحظة فقط شعرت بوطأة الغربة كاملة. سالت دموعي وأنا أجيبه بأنني هنا بمفردي، ولا يوجد أحد يمكن الاتصال به. كيف لي أن أبلغ أبي وأمي وأبنائي أنني على باب العناية المركزة، وبينهم وبيني بلاد وبحور؟ وكيف أحمّلهم قلقاً لن يستطيعوا معه فعل شيء؟

مكثت ساعات تحت الملاحظة، والدموع لا تتوقف، محاطة بحزنٍ عميق وشعورٍ قاسٍ بالوحدة. لكن رحمة الله كانت أوسع من خوفي؛ هدأت ضربات القلب، واستقر الضغط، وعدت إلى منزلي مثقلة بما مررت به، لكنني كنت أعلم يقيناً أن الله نجّاني بلطفه.

وسط هذا الركام من الحزن والخذلان، جاءت البشرى الإلهية بطريقة لم أتوقعها أبداً. كنت أحضر أحد المؤتمرات الصحفية، ودار الحديث مع السفير السعودي عن الحج واستعدادات المملكة للموسم، وبادر بعض الزملاء بالحديث عن أمنيتهم في أداء الفريضة.

التفت إليّ السفير - وكان من الشخصيات الراقية والمثقفة - وسألني:

— «هل أديتِ فريضة الحج؟»

أجبته بأسف:

— «للأسف لا».

فقال:

— «هل ترغبين في أدائها؟»

ابتسمت وقلت:

— «بالطبع… إنها أمنية غالية أتمنى أن تتحقق».

فعرض عليّ، بكل كرم، أن أكتب طلباً لوزير الحج السعودي ليزكيه، وأكون ضمن ضيوف الوزارة. شكرته بصدق، لكن جملة خرجت من أعماقي قبل أن أفكر، فقلت وأنا أرفع بصري إلى السماء:

— «لن أطلبها من البشر… أنا أطلبها من الله، ويقيني أنه سيقبل رجائي».

ومرت الأيام، وانشغلت بالحياة، ونسيت الموقف تماماً. وبعد عودتي إلى الكويت من زيارة قصيرة للقاهرة، مررت خلالها بظروف قاسية، وكان ذلك قبل الحج بأسابيع، فوجئت باتصال من السفير السعودي يسألني:

— «هل ما زلتِ راغبة في أداء الحج؟»

أجبته بلهفة:

— «نعم».

فقال مبتسماً:

— «أبشري».

وبالفعل، تواصل معي مسؤول إحدى حملات الحج في الكويت لترتيب الرحلة، ومنحني السفير تأشيرة الحج هديةً كريمة، جزاه الله عني خير الجزاء. ودون أي تخطيط مسبق، وقبل الحج بأيام قليلة، وجدت نفسي أستعد للسفر إلى بيت الله الحرام.

ومنذ أن وضعت قدمي داخل الطائرة، انطلق لساني بالتلبية دون توقف، وظل هذا النداء يرافقني من الكويت حتى الوصول إلى جدة، وكأن القلب كان يعرف الطريق قبل الجسد، وكأن التلبية كانت تخرج معها شكواي إلى ربي مما يحمله قلبي.

وعلى قدر ما كنت أحمله من حزنٍ وانكسار، على قدر ما رزقني الله رحلة ميسّرة تغمرها السكينة. كنت أتعجب: أين مشقة الحج التي كنت أسمع عنها؟ فلم أجد إلا الراحة والصحبة الطيبة التي هونت عليّ الكثير. وهناك جمعتني الأيام بأختٍ وصديقةٍ صادقة، هي طبيبة الحملة، التي لم نفترق طوال الرحلة، وامتدت بيننا المودة حتى اليوم، وما زلت أراها إحدى أجمل هدايا الله لي من تلك الرحلة المباركة.

وطوال أيام الحج، كانت دموعي تنساب بلا توقف، لكنها لم تكن دموع حزن هذه المرة، بل دموع تطهير وطمأنينة؛ كأنها تغسل عن قلبي كل ما تراكم فيه من وجعٍ وخذلان ، كنت أترك مع كل دمعة شيئاً من أثقال الروح، وأفوّض أمري كله لله، وأدعوه في كل مشعر أن يرفع عني الهم ويبدلني خيراً عن كل ما فقدت.

وأكرمني الله بفضلٍ لا أستطيع أن أوفيه شكره ما حييت؛ إذ يسّر لي الطواف حول الكعبة في طواف القدوم والإفاضة والوداع بسهولة عجيبة، حتى إنني كثيراً ما كنت أتشبث بأستار الكعبة وأنا أبكي في خشوعٍ وأمان ، كما رزقني الصلاة في حجر إسماعيل أكثر من مرة، رغم الزحام الشديد، وكأن الله منحني هذه المنة؛ لعلمه سبحانه بمقدار احتياجي إلى تلك اللحظات التي تداوي القلب.

هناك فقط أدركت أن الحج ليس مجرد انتقال إلى مكان مقدس، بل انتقال من حالٍ إلى حال، ومن ضيق الروح إلى سعتها ، لقد غسلت تلك الرحلة المباركة عني الهموم والأحزان، وعدت منها براحة وهدوء نفسي أعادا إليّ توازني وقدرتي على مواصلة الحياة. وعرفت يقيناً أن منن الله تأتي دائماً على قدر انكسارنا واحتياجنا، وأنه سبحانه أحنّ علينا من أنفسنا ومن الناس أجمعين ، فكم من محنة جاءت متنكرة في هيئة تعب، وكم من جبرٍ إلهي وصل في اللحظة التي ظننا فيها أننا أوشكنا على الانهيار.

أسأل الله سبحانه أن يكون قد تقبل مني سعيي، وأن يرزقني - وكل مشتاق - زيارة بيته الحرام ومسجد رسوله الكريم، صلى الله عليه وسلم، مرات ومرات، وأن يتقبل سعي كل حجاج بيته الحرام لهذا العام، ويمنّ عليهم بالرحمة والمغفرة؛ فمن ذاق حلاوة القرب، وعاش طُهر الجبر، لا يرتوي أبداً.
------------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي


مقالات اخرى للكاتب

الحج والعمرة.. نفحات ربانية تشفي القلوب (2/2) | حين جاءتني الدعوة من السماء