أعلنت الجامعة الأمريكية بالقاهرة إطلاق مبادرة جديدة تحت عنوان “الثلاثاء في التحرير”، في خطوة تستهدف إعادة إحياء حرم الجامعة التاريخي بميدان التحرير وتحويله إلى مساحة تعليمية ميدانية نشطة لطلاب مرحلة البكالوريوس، بما يعكس رؤية الجامعة القائمة على مفهوم “جامعة واحدة.. حرمان جامعيان”.
وتهدف المبادرة إلى دمج حرم التحرير بشكل أعمق في التجربة الأكاديمية للطلاب وأعضاء هيئة التدريس، عبر الاستفادة من القيمة التاريخية والمعمارية للقصر العريق الذي يعود تاريخه إلى نحو 150 عاماً، وتحويله إلى بيئة تعليمية تجريبية تستضيف مقررات متنوعة تشمل الكتابة الإبداعية، وبحوث العلوم السياسية، والفنون، والمسرح، بما يمنح الطلاب فرصة لاستكشاف أقدم مباني الجامعة من زوايا معرفية وثقافية متعددة.
وأكد الدكتور أحمد دلّال أن المبادرة تأتي في إطار رؤية مؤسسية ووطنية أشمل، مشيراً إلى أن الجامعة لعبت دوراً محورياً في الحياة الفكرية والمدنية في مصر لأكثر من قرن، من خلال استضافة فعاليات كبرى ومحاضرات ومبادرات أثرت المشهد الثقافي والفكري في البلاد.
وقال دلّال إن القاهرة التاريخية تشهد حراكاً ثقافياً متسارعاً، مضيفاً أن الجامعة تسعى، من موقعها بقلب العاصمة، إلى إعادة إحياء حرم التحرير بما يعزز مساهمته في خدمة الطموحات والرؤى الوطنية بصورة أكثر تأثيراً وفاعلية.
وفي إطار المبادرة، تقدم الدكتورة رباب المهدي تجربة بحثية تطبيقية ضمن مقرر “مقدمة في التنمية”، حيث يشارك الطلاب في تدريب عملي داخل مركز حلول السياسات البديلة لمدة خمسة أسابيع، يتعاونون خلالها مع باحثين متخصصين لإعداد بحوث سياسات عامة تتناول ملفات حيوية، من بينها مبادلة الديون والمتحف المصري الكبير.
وأكدت المهدي أن حرم الجامعة بميدان التحرير كان دائماً جزءاً من التحولات التاريخية في مصر، مشيرة إلى أن الدراسة داخل هذا الفضاء تمنح الطلاب تجربة مختلفة عن قاعات المحاضرات التقليدية، حيث يطبقون المفاهيم الأكاديمية على قضايا واقعية ويتفاعلون بشكل مباشر مع مؤسسات الدولة والباحثين المتخصصين.
ومن جانبهم، وصف الطلاب المشاركون في البرنامج التدريبي التجربة بأنها تعزز لديهم الشعور بالمسؤولية المهنية. وقال عمر فهيم، طالب العلوم السياسية، إن العمل داخل مؤسسة تقدم المشورة لصناع القرار يمنح ما يقومون به أهمية حقيقية، مؤكداً أن إدراك وصول نتائج العمل إلى المسؤولين الحكوميين يدفعه لبذل أقصى جهده.
فيما أشارت الطالبة ليلى ممدوح إلى أن بيئة العمل داخل الحرم المطل على ميدان التحرير تمنح الطلاب إحساساً أكبر بالتركيز والمسؤولية، معتبرة أن التجربة تتجاوز حدود المقرر الدراسي إلى ممارسة حقيقية للعمل المهني.
وفي السياق ذاته، تقدم الدكتورة نينا إليس مقرر الكتابة الإبداعية داخل القاعة الشرقية بالحرم الجامعي، حيث يستلهم الطلاب أعمالهم من الطابع التاريخي والمعماري للمكان، من خلال الكتابة من شرفات القصر المطلة على وسط القاهرة، وفي أجواء تحمل إرثاً يمتد لأكثر من قرن ونصف.
وأكدت إليس أن القاعة الشرقية لا تزال تؤدي دوراً حيوياً في خدمة المجتمع القاهري، مشددة على أهمية ارتباط الطلاب بتاريخ جامعتهم وهويتهم الأكاديمية من خلال العودة إلى هذا الحرم العريق.
كما تستخدم جيليان كامبانا حرم التحرير بشكل منتظم في تدريس مقرراتها، مشيرة إلى أن الطابع التاريخي للمكان يترك أثراً عميقاً في نفوس الطلاب، خاصة عند تنقلهم داخل قاعات عريقة مثل قاعة إيوارت التذكارية والقاعة الشرقية، بما يمنحهم شعوراً بامتداد الأجيال الأكاديمية التي سبقتهم ودعمها لمسيرتهم التعليمية.
ويُعد حرم الجامعة الأمريكية بالقاهرة بميدان التحرير من أبرز المواقع الجامعية التاريخية في العالم العربي، إذ بدأ كمقر للجامعة عام 1920 داخل قصر خيري باشا الذي شُيّد في ستينيات القرن التاسع عشر، واستقبل أول دفعة طلابية ضمت 142 طالباً.
وعلى مدار العقود التالية، توسع الحرم ليضم عدداً من المعالم المعمارية البارزة، من بينها قاعة إيوارت التذكارية والقاعة الشرقية المصممتان على الطراز المملوكي الحديث، كما شهد الحرم استقبال أول طالبة عام 1928، قبل سنوات طويلة من اعتماد التعليم المختلط في العديد من الجامعات الغربية.
وظل الحرم الجامعي عبر تاريخه مركزاً للحياة الفكرية والثقافية في مصر، ومدافعاً عن قيم الحرية الأكاديمية، كما استضاف شخصيات بارزة من بينها أم كلثوم وطه حسين وهيلين كيلر ومارتن لوثر كينغ جونيور وإدوارد سعيد.
ومن خلال مبادرة “الثلاثاء في التحرير”، تسعى الجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى تقديم نموذج حديث لدمج البيئات الحضرية والمواقع التاريخية في العملية التعليمية، بما يعزز مفهوم التعلم التفاعلي ويربط الدراسة الأكاديمية بالواقع الثقافي والمجتمعي.









