في عام 2025، حلَّ الدكتور هاني نسيرة - المفكر المصري الشاب - ضيفا على بغداد للمرة الأولى، مشاركا في مؤتمر كراسي اليونسكو بجامعتها العريقة. كان هذا اللقاء الأول مشحونا بالرموز، إذ واجه وعيه المتوقد مدينة أصبحت مختبرا حيا لاسئلة التنوع الفكري والثقافي المأزوم في منطقتنا.
وفي أول ليلة له بين درابين العاصمة، وتمردا على رتابة القاعات الأكاديمية وصخب الفنادق الفاخرة، قررتُ أن أهبط به إلى عمق الحقيقة البغدادية، فاستضفته في مطعم شعبي تفوح منه رائحة المسكوف والشواء. هناك، وعلى تلك المائدة العفوية، قادنا الحديث الى أن صراع الهويات قد يبدأ من الطبق! حيث تجلت أمامنا فروق طبقية ومعرفية بين المطبخين العراقي والمصري، فالأكل العراقي بهيبته الطاغية، ووفرة لحومه الدسمة، يلوح بنزعة البداوة والسيادة والاحتفاء الأسطوري بالضيف، في حين يتجلى الأكل المصري ببساطته الآسرة وتركيزه الذكي على البقول والأرض، كصورة وفية للفلاح المتجذر في طمي النيل الممتد عبر آلاف السنين. هكذا تحولت مائدتنا الشعبية، إلى أول فضاء للمقارنة والتحليل السوسيولوجي العفوي بين مزاجي بيئتين وعاصمتين.
وفي غمرة ذلك التمازج الساحر بين نكهات بغداد وأنفاس القاهرة، مدّدتُ يدي وأهديته كتابي (ديناميات الهوية)، فاشتعل بيننا نقاش فكري ممتد لم يهدأ حتى اللحظة، بحيث تحول الى اشتباك حي مع تشظيات الواقع الراهن. وهو الحوار الذي نجد أصداءه وتشريحاته العميقة اليوم في كتابه الأحدث والأبرز الصادر هذا العام (ألغام الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي)، ليكون هذا العمل بمثابة الثمرة الناضجة لصداقة معرفية تجذرت في هموم الهوية العربية المشتركة.
بيد أن هذا الاشتباك الحار في بغداد عام 2025 لم يكن وليد صدفة عابرة، بل كان ذروةً لخطوط فكرية متقاطعة بدأت هندستها قبل ذلك بأكثر من عقد من الزمان، وتحديدا في العاصمة الأردنية عَمّان عام 2013، حين التقيته أول مرة في ندوة مؤسسة (مؤمنون بلا حدود). كانت تلك الندوة منصة استثنائية جمعت عدد من المفكرين العرب من أمثال السيد ولد أباه، وعبد الجبار الرفاعي، والراحل هاني فحص، وعبد الحميد الأنصاري، وزكي الميلاد، إبراهيم غرايبه، وهناك، وسط تلك الأمواج المتلاطمة من التثاقف، ولدت بيننا مساحة رحبة من الحوار الفكري المشترك الذي أخذ يتسع مع الأيام.
وما شدّني لفتح قنوات النقاش مع نسيرة في ذلك اللقاء المبكر، كان كتابه الرائد (المتحولون دينياً ومذهبياً) الصادر عام 2009. ومردّ الشغف بهذا العمل أنه مثّل -على حد علمي- الدراسة العربية الأولى التي تجرأت على مقاربة ظاهرة التحول من ديانة إلى أخرى، أو من مذهب لآخر، بمنهجية علمية بعيدا عن الاختزال في أحكام جاهزة أو الوقوع في فخ المقاربات الإقصائية التي تعج بها الذاكرة العربية المأزومة بمثل هذه القضايا الحساسة.
هذا الطرح الشجاع لم يبقَ بالنسبة لي معزولا في دائرة النظرية الباردة، بل وجدته يتداخل بعنف مع تفاصيل عايشتها بنفسي في الواقع العراقي، حيث يتحول الاختلاف الديني أو المذهبي أحيانا من ثراء طبيعي إلى مصدر تهديد وجودي واجتماعي يطحن الأفراد والمكونات. ففي مرحلة ما بعد عام 2014، على سبيل المثال، كشفت مأساة الإيزيديين المروعة عن الكلفة الباهظة لخطابات الإقصاء والتكفير حين تُترجم على الأرض إلى عنف مسلح ومنظم، تماما مثلما عكست موجات تهجير المسيحيين من الموصل وبغداد والبصرة هشاشة بيئة الاعتراف بالتنوع عندما يتراجع خطاب المواطنة الجامعة لصالح الهويات المنغلقة.
وفي ضوء هذه الوقائع الحارقة، بدا لي كتابه ذاك بمثابة عتبة معرفية لا غنى عنها لفهم المجتمعات التعددية، إذ يبرهن الواقع مرارا على أن الاعتراف النظري بالاختلاف لا يكفي أبدا ما لم يُحصَّن ويُحمى اجتماعيا وقانونيا وثقافيا. وهو ما جعل حواري المستمر مع نسيرة امتدادا طبيعيا لأسئلة الواقع بقدر ما هو تلبية لأسئلة البحث الأكاديمي الصرف.
تعمَّق التواصل الفكري أكثر وتطوَّر مع اهتمامي بصدور كتابه الشجاع (متاهة الحاكمية: أخطاء الجهاديين في فهم ابن تيمية) عام 2025، والذي مثّل بالنسبة لي نقطة انعطاف جوهرية في طريقة قراءتي لكثير من الأسئلة الشائكة المرتبطة بالدين والسياسة والعنف في فضاء المنطقة المحتقن. لم أتعامل مع هذا العمل بوصفه سجالا فقهيا باردا، بل كمدخل يكشف كيف يمكن للمفاهيم الدينية، حين تُنتزع عنوةً من سياقاتها التاريخية واللغوية، أن تتحول إلى أدوات إقصاء حادة وصراع دامي، بدلا من أن تكون أدوات فهم وتوازن واستيعاب.
ما أثّر فيّ بشكل خاص في هذا الكتاب، هو أنه فتح نافذة مشرعة على هشاشة التأويل، وعلى تلك الخطورة البالغة الكامنة في قفزة الجماعات الأيديولوجية من الفكرة المغلقة أو القراءة الانتقائية للنصوص إلى الممارسة التدميرية على الأرض. هذا الفهم التشريحي لم يبقَ حبيسا في إطار صفحات الكتاب، بل عاد بي فورا إلى فضاء الواقع العراقي الذي عايشته بكل جراحه، حيث تجلّى أمامي بوضوح كيف تملك خطابات التكفير والإقصاء قدرة مرعبة على تخليق بيئات اجتماعية قابلة للانفجار ومشرعنة للعنف، تماماً كما تُرجمت تلك الأفكار عملياً في مأساة الإيزيديين، وفي المناخ السام الذي دفع بموجات تهجير الأقليات الدينية من الموصل وسهل نينوى، وما رافق ذلك كله من تآكل مأساوي في فكرة العيش المشترك.
من هنا، أصبح كتاب (متاهة الحاكمية) تجربة ذهنية قاسية أعادت ترتيب أسئلتي حول العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع، وبين النص وتأويله المنفلت. جعلتني أطروحته أكثر حساسية تجاه تلك اللحظات الحرجة والخطيرة في تاريخ المجتمعات، والتي تتوقف فيها الأفكار عن كونها مجرد حبر على ورق، وتتحول فجأة إلى مصائر بشر تُسحق تحت مقصلة التأويل الأحادي.
لم تكن تلك الحساسية المفرطة تجاه تحول الأفكار الأحادية إلى مصائر بشرية مجرد استنتاج قُرئ بأثر رجعي، بل كانت وعيا حيا حرّك سلوك نسيرة في ذروة الكارثة، إذ كان من أهم الخطوات العملية الشجاعة التي بادر إليها، إبان ترؤسه لمعهد العربية للدراسات في قناة العربية، هو طلبه مني كتابة دراسة توثيقية عاجلة عن الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون. فقد كان يدرك بحسّ الباحث الاستراتيجي أهمية التوثيق المبكر، وتثبيت الحقيقة في لحظة حرجة كان فيها الحدث المأساوي ما يزال يتشكّل تحت وطأة الصدمة والذهول البشري.
ففي السادس من آب 2014، وبعد يومين فقط من وقوع كارثة سنجار، صدرت دراستي كأول استجابة فكرية تحاول التقاط المأساة في لحظتها الأولى، وتقديم قراءة أنثروبولوجية وسياسية معمقة لها، في وقت كان يهيمن فيه جهلٌ عربي واسع وعميق بطبيعة التنوع الديني والإثني وتاريخ المكونات الأصيلة في العراق.
هذه المبادرة لم تقف عند حدود السبق البحثي، بل تحوّلت لاحقاً إلى مرجع رئيس ومصدر أساس استندت إليه عشرات التقارير، والتحقيقات، والتغطيات في وسائل الإعلام العربية والعالمية، وأسهمت في سدّ فراغٍ معرفي كاد أن يبتلع الضحايا، مؤكدةً -وبالملموس-أن الكلمة الموثّقة والشجاعة في زمن المأساة والدم لا تكتفي بـمراقبة الحدث، بل تتحول إلى فعل مقاومة حقيقي ضد النسيان، وبناء لحفظ الذاكرة الجمعية من التشويه.

هاني نسيرة وغلاف كتابه ألغام الهويات
لم يكن ذلك التوثيق المعرفي المبكر إلا عتبة أولى مهدت للاشتباك الأوسع والأكثر شمولية مع البنية التكوينية لمآزقنا الراهنة، وهو ما تجلى بنضوجه الأقصى في إصداره الأحدث الذي أشرتُ إليه في مستهل المقال (كتاب: ألغام الهويات) ففي هذا العمل التشريحي، لم يعد نسيرة يكتفي بمساءلة الأصوليات الدينية المتطرفة، بل غاص عميقا ليفكك مفهوم الهوية ذاته، بوصفه صيرورة حركية وطاقة حية كامنة تشعلها الأزمات وتصقلها المرايا المتقابلة مع الآخرين. لقد حذر من معضلة حبس الهوية في قوالب ماضوية منغلقة أو ماهيات مجردة تفعل في الواقع دون أن تعقل مآلاتها، مؤسسا في المقابل لمفهوم الهوية المركبة التي تتجاوز البعد الواحد، ومبيّنا كيف يمكن لغياب أطر المواطنة وحماية التنوع أن يحوّل دوائر الانتماء الطبيعية والبريئة إلى متفجرات اجتماعية موقوتة، كفيلة بنسف فكرة الدولة والعيش المشترك من أساسها.
هذا الطرح المفاهيمي لألغام الهوية، أعاد ترتيب مشاهداتي في الجغرافيا الإقليمية، فالنزوع نحو الأحادية والاستعلاء المتخيل هو بمثابة الجرافة السردية والتمهيد الأيديولوجي الذي يسبق دائما لغة العنف المسلح وعمليات الإبادة، والتدمير، والتجويع التي دفع ضريبتها الإنسان في منطقتنا.
إن تتبع المؤلف الدقيق لمنهج تاريخ الأفكار والنقد الثقافي للكشف عن الأنساق المضمرة، جعلني ألمس باليد كيف يتحول احتقان الهوية -عند انتهاك الحقوق والاعتراف- إلى استنفار دفاعي عنيف، وكيف أن مواجهة خطابات الكراهية المتجذرة تستقيم بالانتقال الجسور من لاهوت المفاصلة نحو أنسنة الفهم الديني، والتمكين للهوية الإنسانية المشتركة بوصفها أولى الأبعاد الوجودية بَدَهيّة ويقيناً.
من هنا، ندرك أن نزع ألغام الهويات المتفجرة في منطقتنا العربية يبدأ من شجاعة النزول إلى الطمي والأرض، وإعادة اكتشاف المشترك الإنساني في تفاصيلنا اليومية العفوية. وإذا كان حواري المعرفي مع نسيرة قد انطلقت شرارته من مائدة بغدادية شعبية دسمة، التقى فيها كبرياء دجلة ببساط النيل، فإن العزاء الحقيقي في زمن التشظي يكمن في بقاء مثل هذه الجسور الفكرية العابرة للجغرافيات القلقة، جسورٌ تبرهن أن العواصم التي أنهكتها صراعات الأحادية، كبغداد والقاهرة، لا تزال تملك في مطبخها الثقافي والروحي ترياقا لأنسنة الوجود، وأن العيش المشترك ليس مجرد أمنية سياسية مرجأة، بل هو الخيار الوجودي الأوحد الذي به وحده… نَعقِل خطانا لكي لا تنفجر تحتنا، وتحت مستقبلنا، أوهام الهويات المغلقة.
-----------------------------------------
بقلم: سعد سلوم
* كاتب ومفكر عراقي والمقال ينشر بالتزامن مع صحيفة المدى العراقية






