في غيابات جُبّ عتمة الجهل والخرافة والجوع، الذي ألهب بطونَ الصغار والكبار، أُوقِد سراجُ الحاج عبدالجواد عصر مُعلنا قدومَ طفلٍ وضيء الوجه، واسع العينين، متناسق الملامح، يُخبِر منظره، بأنه سيكون ذا شأن في قرية، ترزح تحت نير الفقر والجهل والجوع، والشَّقا من أجل لقمة عيشٍ بلا (غموس).
تلقّفت يدا الأم صغيرها، ولفّته بالحنان والرعاية، وانبرى لسانُها يردد كلّما رأته: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، وعندما يسألها سائل عن سبب تكرار تلك العبارة أمام صغيرها، تضرب صدرها بكفها وتقول: (ما يحسد المال إلا أصحابُه)!
أولى الأب صغيرَه رعاية وتعهدا، صنعا منه رجلا منذ نعومة أظفاره، فدأب يوسّع له في مجلسه، ويأخذ بمشورته، ويُرهف له السمع إذا تكلم؛ ولتحاط الحكمةُ بإهاب العلم، دفع الأب صغيره إلى كتّاب القرية، فأتمَّ حفظ القرآن كاملا، وهو دون السابعة من عمره، ودأب الصغير يُرتل على مسامع والده آناء الليل وأطراف النهار آيات الذكر الحكيم، فتتهلل أسارير الأب، ويُقبل يده (وجها وظهرا)؛ شكرا لربه على نعمة الولد الصالح.
كانت نجابةُ السيد عبد الجواد، دافعا للأب ليُلحقه بالمعهد الأزهري، إذ كان يحدوه أمل أن ينال ابنه شهادة العالمية، ويكون أحد العلماء الكبار. سلك الطفل طريق الدراسة والتفوق دون أن يشغله شاغل، وأوشك الملاح أن يصل إلى برّ الأمان، حتَّى لطمه القدرُ لطمة قاسية، إذ مات أبوه قبل إتمام المرحلة الثانوية، فاضطر إلى ترك الدراسة؛ ليرعى مصالح أمه وأسرته.
آمن الشيخ السيد عبد الجواد عصر - عقب تركه الدراسة - بأنَّ الحياة أفضل جامعة، يتعلم فيها المرء، وأنَّ العلم ليس في الكتب وحسب، بل في تقليب صفحات البشر، وقضاء مصالح الناس، ورسم البسمة على وجوه ذوي الحاجات، فكان بيته - رحمه الله - مقصد المتخاصمين؛ ليصلح الفقيد بينهم؛ بفضل ما حباه الله به من رجاحة عقل، وحلاوة منطق، وحكمة في اتخاذ القرار، تُجبر الكلَّ على الإذعان لرأيه، وقبول حكمه طوعا أو كرها.
أوتي الفقيد مقومات القاضي العادل، فامتاز بجمال الخِلقة والخلق، وزانته أناقةُ الملبس، وطلاقة اللسان، فكانت كلمته سيفا على رقاب الكل، لا يجرؤ أحد على مراجعته في كلمة، أو التعديل عليه في فعل.
لم يجمعني به لقاء، بيد أنَّه مات مبكرا، ولكن حدَّثني أكثرُ من شخص بأنَّ السيد عبدالجواد عصر كان نسيجَ وحده في حسن الخلق، ورجاحة العقل، وقوة الشكيمة، وأناقة الملبس، وهو ما أهله لأن يكون عضوا بالجمعية العامة لمنتجي الأقطان، وعضوا بالاتحاد الاشتراكي، وعضوا بمجلس محلي محافظة القليوبية، وقد ساعده ذلك كله في إنجاز كثير من مصالح القرية مع المحافظة، وفي إنشاء كثير من المؤسسات الخدمية.
امتاز الفقيد بكرم الضيافة، فما إن قدم إلى بيته ضيف إلا وصفَّت من أجله النمارق، وذبحت الذبائح، وجيء له بـ(المحمر والمشمر). كان الفقيد شغوفا بالقراءة، ومطالعَة صحف الأخبار والأهرام والجمهورية، في قرية يُكمل الناس فيها عشاءهم نوما، إلا أنَّ الفقيد كانت الثقافة والاطلاع حاله وديدنه.
ولد الفقيد عام 1933م، وتوفي عام 1996م عن 63 عاما، تاركا إرثا من القيم والمبادئ، تُدرس للأجيال اللاحقة، وتثبت أنَّ كلَّ الناس موتى، وأهل العلم أحياء.
ربّى الفقيد أبناءه على مبادئ أهمها: أنّ للقادم دهشة ووجلا، ويحتاج إلى من يبث في نفسه الطمأنينة، ويدخل إلى قلبه السكينة، واعتاد أن يؤصّل قيم العلم والخلق، وهو ينفث في روع صغار عائلة عبد الجواد عصر بيت أمير الشعراء أحمد شوقي: العلم يبني بيوتا لا عماد لها / والجهل يهدم بيت العز والكرم .
ربطتني بابنه الوحيد د. مدحت طبيب الأطفال، مرشح مجلس الشيوخ السابق صداقة وأخوة واحترام متبادل، وجمعتني به وبابن أخيه مهندس إدريس رحلة إلى مدينة الإسكندرية، كدنا خلالها أن نغرق، ونكون طعاما للسمك؛ لانشغال مشرف الرحلة عنا بفتاة كانت:
هيفاء مُقبلة عجزاء مدبرة لا يُشتكى قصر منها ولا طول!
الشيخ السيد عبد الجواد عصر، سيرةٌ عطرة، سُطرت بأحرف من نور ، ومضت كطيف عابر!
--------------------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام






