26 - 05 - 2026

متخصصون يناقشون "الإسلام وأصول الحكم" بمناسبة إطلاق طبعته المحققة الأولى

متخصصون يناقشون

شهدت قاعة "علي مبارك" بمقر الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، فعاليات الندوة العلمية "الشيخ علي عبد الرازق وكتاب الإسلام وأصول الحكم"، بمناسبة إطلاق الطبعة الأولى المحققة من الكتاب الصادرة عن دار الكتب والوثائق القومية بمناسبة مرور مائة عام على صدوره، والتي قام بتحقيقها ودراستها الدكتور حسام عبد الظاهر، الباحث بمركز تحقيق التراث بالدار والخبير بمجمع اللغة العربية.

وأكدت الكلمات الافتتاحية للمتحدثين تباعاً؛ على الأهمية التاريخية والفكرية لإعادة قراءة هذا الأثر الفكري في سياقه الزمني. وشهدت الندوة طرحاً علمياً غزيراً عبر جلستين متتاليتين، بدأت الأولى برئاسة الدكتور أشرف مؤنس وتحدث فيها الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق، والدكتورة هند محمد عبد الرحمن، والباحث مصطفى مهران، ثم تلتها الجلسة الثانية برئاسة الدكتورة إلهام ذهني، وتحدث فيها الدكتور شريف إمام، والدكتور أحمد صلاح الملا، والدكتور حسام عبد الظاهر.

وفي إطار أعمال الجلسة الأولى، قدم الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة عين شمس، أطروحة مركزية غاية في الأهمية بعنوان "السياسة المصرية وأزمة كتاب الإسلام وأصول الحكم". واستهل الدكتور الشلق كلمته بالتأكيد على أن المخاض الفكري والاجتماعي العنيف الذي شهدته مصر منتصف عشرينيات القرن الماضي بلغ ذروته مع صدور كتاب الشيخ علي عبد الرازق في أبريل 1925م، موضحاً أن الأزمة لم تكن وليدة الصدفة بل نتاجاً لتطور اتجاه فكري تجديدي رافض لروح التوفيق التقليدية متأثراً بالتجربة الكمالية في تركيا، وبيّن أن الكتاب طرح قضية العلمانية لأول مرة من داخل الإطار الديني الإسلامي نفسه لتقويض القداسة عن منظومة الحكم التاريخية. وأضاف أن هذا الطرح الفقهي تحول سريعاً إلى زلزال سياسي تداخلت فيه مصالح الأحزاب ومخططات القصر؛ إذ تزامنت أطروحة الكتاب مع أطماع الملك فؤاد الأول لإحياء مشروع الخلافة وتنصيب نفسه خليفة بعد إلغائها في تركيا عام 1924م، وحين وجد الملك أن الكتاب يضرب مشروعه في مقتل، أوعز بمحاكمة الشيخ وفصله، مما فجّر أزمة وزارية حادة وضعت حزب "الأحرار الدستوريين" في بؤرة الصراع لدفاعه عن الشيخ وعن حرية الرأي التي كفلها دستور 1923م في معركة قادها رموز كبار مثل د. محمد حسين هيكل، ود. منصور فهمي، وإسماعيل مظهر، وانتهت باستقالة عدد من الوزراء الدستوريين وإعادة تشكيل الخارطة السياسية والتحالفات الحزبية في مصر.


المشاركون في الندوة

الموقف البريطاني

وفي الجلسة ذاتها، قدمت الدكتورة هند محمد عبد الرحمن، أستاذ تاريخ مصر الحديث بكلية السياحة والفنادق جامعة المنيا، ورقتها البحثية بعنوان "الرؤية البريطانية لقضية كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وأوضحت الدكتورة هند أن الموقف البريطاني لم يكن محايداً، بل انسجم طرح عبد الرازق مع مصالح بريطانيا الاستعمارية التي عارضت إحياء الخلافة العثمانية ودعمت فصل الدين عن السياسة لتعزيز نموذج الدولة الحديثة، غير أن هذا الاهتمام البريطاني كان ظرفياً وتراجع سريعاً أمام حساباتهم الاستراتيجية الأوسع وتشكيل توازن قوى جديد يضمن استقرار مصالحهم بمصر، مشددة على أن دراسة هذه الرؤية تكشف التداخل المعقد بين الفكر الإصلاحي والسياسات الاستعمارية في تلك الحقبة. 

واختتم الباحث مصطفى مهران، باحث الدكتوراه بجامعة هايدلبرغ بألمانيا، أعمال الجلسة الأولى بورقة بحثية معمقة وحيوية حملت عنوان "الكتاب الذي أطاح بكرسي الخلافة: الملك فؤاد والخلافة الإسلامية". وتناول مهران في دراسته تفكيك تلك اللحظة الحرجة التي تداخل فيها الفقهي بالسياسي، مستعرضاً كيف قدم الشيخ عبد الرازق رؤية ثورية جادل فيها بأن الإسلام رسالة روحية محضة لا علاقة لها بنظام الحكم الدنيوي، نافياً بذلك القداسة عن منظومة الخلافة التاريخية، وأكد الباحث أن الأهمية البالغة للكتاب تنبثق من توقيت صدوره الذي مثّل اشتباكاً قاتلاً مع مشروع السلطة؛ إذ تزامن نشره مع مساعي الملك فؤاد الأول الحثيثة (1924 - 1926م) لتنصيب نفسه خليفة للمسلمين، بهدف التحلل من قيود الحياة الدستورية الوليدة وقمع المعارضة الوطنية وتثبيت أركان حكمه المطلق في مواجهة شعبية حزب الوفد وزعيمه سعد زغلول،وأوضح مهران أن الكتاب تحول بذلك إلى وثيقة سياسية نجحت في تقويض الأساس الديني الذي كان يتربص به الملك، وبددت حلمه الفكري في المهد والتكامل مع تراجع الائتلاف الحكومي واشتعال صراع انقسمت فيه النخبة بين المدافعين عن حرية الرأي والمعسكر التقليدي.

أما أعمال الجلسة الثانية، فأدارها الاستاذ الدكتور أحمد الشربيني، وقد استهلت بالورقة البحثية المقارنة والثرية التي قدمها الدكتور شريف إمام، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد بكلية الآداب جامعة عين شمس، وعنوانها "فقه الخلافة بين الشيخ علي عبد الرازق وعبد الرزاق السنهوري"، وعالج الدكتور شريف إمام في طرحه مسألة الخلافة في الفكر الإسلامي الحديث من خلال دراسة مقارنة بين رؤيتين متمايزتين ومتقابلتين صيغتا في أعقاب إلغاء الخلافة العثمانية سنة 1924م، وحلل الباحث أطروحة الشيخ علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" (1925م) وتوصله لنفي الأساس الشرعي الإلزامي لنظام الخلافة، عادّاً إياها تجربة سياسية تاريخية خاضعة للاجتهاد البشري المحض وليست أصلاً دينياً، وفي المقابل، فكك الدكتور شريف تصور القانوني والفقيه الكبير عبد الرزاق السنهوري المنشور في أطروحته للدكتوراه بجامعة ليون سنة 1926م تحت عنوان "الخلافة: تطورها نحو عصبة أمم شرقية"، مبيناً كيف سعى السنهوري لإعادة بناء مفهوم الخلافة بالجمع بين التراث الفقهي ومبادئ القانون الدستوري الحديث ومتطلبات الدولة المعاصرة، حيث رأى إمكانية تطوير الخلافة كـ "نظام تعاوني أو اتحادي" يعبر عن وحدة العالم الإسلامي دون قيود الصيغة التقليدية، وركز الدكتور شريف إمام في كلمته على تحليل منطلقات المفكرين وأدواتهما المنهجية فيما يتصل بمصدر الشرعية، والعلاقة بين الدين والدولة، وحدود السلطة، مبرزاً أوجه الاتفاق والاخلاف وكيف ساهم الصنيعان في بلورة اتجاهات الفكر السياسي الإسلامي المعاصر ونقاشاته الحالية.

مواقف الخصوم

تلتها الكلمة البحثية للدكتور أحمد صلاح الملا، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد بكلية الآداب جامعة دمياط، والتي حظيت باهتمام كبير؛ حيث ألقى الضوء على ورقة بحثية معمقة بعنوان "الإسلام وأصول الحكم تحت مطرقة خصومه: السيد محمد رشيد رضا ‏نموذجاً"، واستعرض الدكتور الملا الموقف العنيف والصارم الذي اتخاذه المصلح السلفي السيد محمد رشيد رضا عبر مجلة "المنار" فور صدور الكتاب في ربيع عام 1925م، وأوضح الباحث أن حدة رد الفعل هذا، والذي وصل إلى حد التكفير الصريح، لا يمكن فصلها عن الأجواء التاريخية العاصفة التي تلت إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924م، مما دفع برشيد رضا لتبني خط دفاعي شرس عن التصورات التقليدية أمام طوفان المد العَلماني الليبرالي، كما فكك الدكتور أحمد صلاح الملا الأبعاد المحلية والأجواء المصرية الخاصة التي غذت هذا الصراع، مشيراً إلى طموح الملك فؤاد في وراثة الخلافة وسعيه لتنظيم "مؤتمر الخلافة"، الذي غدا فيه رشيد رضا الداعية والمنظر الأول له، والضغط الذي انتهى بإصدار هيئة كبار العلماء حكمها التاريخي بإخراج الشيخ علي عبد الرازق من زمرة علماء الأزهر الشريف.

واُختتمت الجلسة الثانية والأخيرة بالكلمة الهامة التي ألقاها محقق الطبعة الجديدة الصادرة عن الدار، الدكتور حسام أحمد عبد الظاهر، الباحث بمركز تحقيق التراث بالهيئة والخبير بمجمع اللغة العربية، والتي جاءت بعنوان "نحو أعمال كاملة للشيخ علي عبد الرازق". افتتح الدكتور عبد الظاهر كلمته بالإشارة إلى أنه على الرغم من أن مناط شهرة علي عبد الرازق التاريخية ارتبط بكتابه المثير للجدل "الإسلام وأصول الحكم"، إلا أن هذا لم يكن عمله الكتابي الوحيد. واستعرض الباحث الفوائد العلمية والثقافية الجمة الكامنة وراء مشروع إتاحة "الأعمال الكاملة" للشيخ، وفي مقدمتها رصد التطور الفكري لعلي عبد الرازق حول الخلافة ونظام الحكم، مما يسهم إيجاباً في الرد الضمني على الشكوك والمراجعات المروجة دون سند حول تراجعه عن أفكاره، فضلاً عن إعادة اكتشاف قيمته كمفكر وناقد تلمس أبعاداً معرفية متنوعة شملت اللغة، والأدب، والرحلة، والتاريخ، والفلسفة، والمنطق، والإصلاح؛ لإخراجه من الزاوية الفكرية الضيقة التي حُصر فيها تاريخياً. وفكك الدكتور حسام عبد الظاهر في أطروحته أربعة محاور أساسية ركّز أولها على تتبع اتجاهات الشيخ الكتابية المتنوعة بين عامي (1912 - 1966م) من بحوث، ومقالات، ورسائل، وحوارات صحفية، وانتقل في المحور الثاني لاستعراض ما توافر من مذكرات الشيخ المخطوطة، ليناقش في المحور الثالث الصعوبات والمعوقات التي تواجه إنجاز هذا العمل الضخم. 

واختتم الباحث كلمته بتقديم تصور مقترح وخارطة طريق علمية وممنهجة لتنفيذ مشروع جمع وتحرير ودراسة الأعمال الكاملة للشيخ علي عبد الرازق، مقسماً إياها إلى ست مراحل دقيقة ومترابطة، وهي: (الجمع، الكتابة والتحرير، التصنيف، التعليق، الدراسة، وأخيراً التكشيف). 

...