لم أَتمالك نفسي فقمْتُ بالكتابةِ فورًا حين قرأتُ الكتاب الفريد للدكتورة سارة حواس أسرار الكتابةِ؛ كما يرويها كُتّاب العالمِ، وإذا كنتَ سريع المللِ، لا طاقَةَ لكَ بالقراءةِ المطوَّلة فأنصحكَ، بدايةً، بأن تسرعَ إلى قراءة هذا الكتابِ حتَّى إِذا لم تكن كاتبًا ولا قارئًا، ولكنَّكَ إنسانٌ، وتحبُّ أنْ تحيا حياةً إنسانيَّةً، وأن تضيفَ إلى وعيكَ، وتعمّق فلسفتكَ بالوجودِ، وتحفِّزَ مشاعركَ لتسموَ بإنسانيتكَ، وتُحسِّن مزاجكَ العامّ لتشعر بأنَّ الحياةَ تستحقُّ أن تعاشَ...!
أَنصحكَ صادقًا محبًّا، واللهِ، أن تقرَأَ هذا الكتابَ النَّادرَ، الذي لن تجدَ لهُ مثيلًا في الجمالِ والتَّدفُّق والرُّقيّ، والعُمق السَّهل الحميم.

يُخجلكَ من البداية تواضُع الرّهبان الذي لا تفتعلُهُ المترجمةُ والشَّاعرة والأكاديميَّة سارة حوَّاس حين تكتبُ على عتبة غِلافهِ أَنَّهُ مجرَّد إعداد وتقديمِ، كما يكتب، بالتَّواضُع ذاتهِ، الشَّاعر والأَديب أَحمد الشَّهاوي واصفًا جهدَهُ بأنَّهُ مجرَّد تحرير وتقديم من بابِ اللُّطف والقُربِ والتَّواضع السَّامي...!
ولكنَّ رُوح سارة حوَّاس الشَّاعرة والأديبة تظلُّ حاضرةً تحيطك من كلّ جانبٍ بأنفاسِ القدّيسينَ من خلالِ سردها السَّاحر لتجربةِ سبعَ عشرةَ عبقريةً من عباقرةِ الكتابةِ حولَ العالم؛ منهم ماركيز، ويوسا، وباموق، وإرنو، وعبدالرازق قرنح، وبول أوستر، وإيزابيل اللّيندي، وإدواردو جاليانو، وتوني موريسون، وساراماجو، وكَأَنَّها تكتبُ رواية سيريَّةً، أو سيرةً إبداعيَّة لشخصيَّات ابتدعتْها من خيالها ليصيرُوا أبطالًا خالدينَ؛ كأبطالِ الملاحمِ اليونانيَّة والإغريقيَّة بما يمتلكونه من أسرارٍ وتراجيديا عن الكتابةِ التي تكافئ لديهم الحياةَ بأهوالها وأشرارِها وشُرورها، و قدراتهِم الخارقةِ في الانتصارِ عليها!...

يبدَأُ الكتابُ بتجربَةِ الكاتبِ والرّوائي الأمريكيّ ويليام فوكنر (1897-1962م) الحاصل على جائزة نوبل ١٩٤٩م؛ فيحكي لك بعفويَّة وصدقٍ كيف بدأت رحلته مع الكتابة، وعلاقته بأستاذه الأوّل وأساتذته، وآباء الكتابة الرّوحيّين لجيله، ويمزج ذلك كله بتجربته الحياتيَّة، وعلاقته بالمال والسّلطة، والنّساء، والطّعام، وعلاقاته الأسريَّة، وربط ذلك كله بقيم الكتابة من ناحية وقيم الحياة الإنسانيَّة من ناحيةٍ أخرى.
وأنت حين تتوقَّف أمام تجربة فوكنر الثريَّة، ليس بوصفه روائيًّا استثنائيًّا، بل بوصفهِ صديقًا يعيش معك في آلامك وأوجاعك ومشاغلك، ويشعرك أن لا يوجد شخص استثنائيّ، والاستثناء الذي يصنعك حين تفارق هذه الأفكار وتفتّش في ذاتك عن العبقريّ السّاكن فيك؛ فيمكنكَ حينها أن تكتبَ أنتَ؛ لذا تنصتُ في محبَّة وثقة إلى نصائحهِ، وتستثار كلّ حواسك لتتبّع أَسرارهِ عن الكتابَةِ؛ لكونها تجاربَ حياةٍ إنسانيَّةٍ، تُغريك أَن تكتبها فوقَ حائطِ غرفتكَ، أو في لوحة مستقلَّةٍ أمام مكتبك، وإذا كنت ممن يخافون (الحكومة!) أو يتحفَّظون بطبيعتِهم، أن تكتبها على يدكَ، لجاذبيَّة هذه النّصائح؛ إذ تكمن عظمتها في قدرتها على الاستحواذ على عقلك ومشاعركَ بحميميّتها وصدقها وإنسانيّتها، وعمقها البعيد عن التّقعّر أو التّفلسف والافتعال؛ ومنها:
- لا تكنْ كاتبًا، بل اكتبْ.
- لا عملَ صادقَا يكونُ سهلًا.
- واجبُ الكاتبِ الوحيدِ تُجاه القارئِ هو أنْ ينجِزَ العملَ بأفضلَ ممَّا يستطيعُ.
- لا وقتَ مبكّرًا أكثرَ من اللَّازم لتبدأَ الكتابةَ... ابدأ منذُ أن تتعلَّم القراءةَ.
- القاعدةُ الوحيدةُ التي ألتزمُ بها هي أن أتوقَّفَ عن العملِ في حين لا تزالُ الحماسةُ مشتعلةً.
- على الكاتبِ أن يعلِّمَ نفْسَهُ أنَّ أَحقرَ ما في الوجودِ هو الخوفُ.
- لا يمكنُ تلخيصُ أيَّة روايةٍ في فِقرةٍ واحدةٍ؛ فذلكَ يعني أنَّها لا تستحقُّ أن تُكتبَ.
- يحتاجُ الكاتبُ إلى ثلاثَةِ أشياءَ؛ هي: التَّجربَةُ، والملاحظَةُ، والخيَالُ.
- اقرَأْ واقرَأْ كثيرًا.. اِقرَأْ وستشربُ الحرفةَ دونَ أن تَشعرَ.
- يجبُ أن يفرّقَ الكاتبُ بين الحبِّ والشَّهوةِ؛ لأنَّ مَنْ يكتبُ عن الحُبِّ يكتبُ عن الشَّرف والرَّحمةِ والتَّضحية.
- كلُّنا فشلنا في الوصُولِ إلى حبِّ الكمالِ؛ لذلك أقيسُ قيمَتَنا بمدَى هذا الفَشلِ النَّبيلِ في محاولةِ بلوغِ المستحيلِ.
ولعلَّ السّحر والعبقريَّة في كلّ هذه النَّصائج التي لا يستغني عنها بشرٌ أنَّهُ يمكنُ أن تستبدلَ بكلمة "كاتب" كلمة" إنسان"، وتستقيم النّصائح، بل تستقيم لكَ الحياةُ...!
إنَّ نصائح فوكنر وغيره من العباقرة الآخرين الذين يحيطونك بأسرار الكتابة والسّعادة تذكّرنا بما يؤكّده علماء البلاغة المعرفيَّة بأنَّنا كلّنا شعراء وأُدباء بالفِطرةِ؛ فأنت حين تقرأ نصائحهم ستجد نفسك قارئًا كاتبًا، وأنَّ بداخلك مناجم وكنوزًا لا تحتاج منك سوى أن تمدَّ يدك إلى حبرك لكي تعبّر عنها، وأن تُزيل الأتربة العالقة على نظارتك، والغبار من حولك لترى وتسمع وتشمّ وتُحِسّ وتكتب وتستمتع بتجاربك أنت وبحياتك أنتَ...!

وحين نتجاوز نصائح فوكنر، وأسراره في الكتابة والحياة إلى الروائية البريطانية المذهلة دوريس ليسنج (1919-2013م) الحائزة على جائزة نوبل سنة 2007م؛ فإنَّك تحبُّ هذه السّيّدة لكونها تجاسرت وغامرت وصمَّمت أن تواجه الفشل مرات ومرّات وتصمّم على النّجاح بقوة إيمانها بموهبتها، وأنَّ بداخلها قصصًا، يجب أن تحكيها، وتعيد حكايتها بأشكال مدهشة لتعوّض افتقاد الحياة إلى هذه الدّهشة وجنوحها إلى الرّتابة، والاعتياد والسّكون الممل...!
وتنتقل بنا نصائح ليسنج من محبَّة الحياة ومعرفتها إلى تجميلها وخلق حيواتٍ أفضل تستحقُّ أنْ نعيشَها، ونستمتع فيها بالدّهشة والمعرفة والحبّ؛ من هذه النّصائح التي تسوقها هدية لك لتغدو مفاتيح السَّعادة والنَّجاح:
- يجب أن تكتبَ أوَّلًا، وقبل كلّ شيء من أجل نفسكَ.
- الخيالُ هو الوسيلة الأذكى لقولِ الحقيقَةِ.
- أَكتبُ بشكلٍ أفضل عندما أَكونُ في حَالةِ تدفُّقٍ.
- مهمَّة الكاتبِ هي إثارة الأسئلةِ...سواءٌ حقَّق نتائج، أم لم يُحقّقْ.
- مُدهشٌ أن تكتبَ بضمير المتكلّم عن شخصٍ لا تعرفه تمامًا.
إنَّ قراءة مثل هذا الكتاب ضرورة ملحَّةٌ في هذا السّياق الخانق الذي نحتاج فيه إلى كتاب فارقٍ يغيّر نظرتنا لا للقراءة والكتابة والثّقافة والتّعليم والمثاقفات والصُّورولوجيا التي يضعنا الكتابُ فيها ببراءةٍ وتلقائيَّةٍ وتدفُّق عزَّ نظائرها، ولكنّه يضع أيدينا على كيفيَّة الإحساسِ بلحظاتِ الصِّدقِ في الحياةِ، وكيف نتعامل مع الكلمةِ، والزّوجة، والمرأة، والوظيفةِ، والمالِ، وأحلام الثَّروةِ والسُّلطةِ، وكيف نطرح أوجاع الماضي، ونستثمر فُرصَ الحاضرِ، وننتصر على مخاوفِ المستقبلِ، وقبل ذلك وبعده كيف نقرأ الكتب وكأنّنا نقرأ أنفسنا، وكيف نكتب أنفسنا وكأنّنا نكتبُ الآخرينَ...!
قد يتلقَّى القارئ هذا المقالَ على أنّهُ نوعٌ من الحماس الجارف للقراءة الأولى لهذا الكتابِ؛ أي إنّها مجرّد جذبة صوفيَّةٍ، ولكنّني أعدك انّك ستشاركني هذه الجذبة، وربّما تخطفك إلى عوالمه الرّوحانيَّة والمعرفيَّة والإدراكيَّة بحيث لا تعودُ إلى سابق ذنبك، أو عهدك قبله؛ فالأمر – كما ينقل الكتاب عن فوكنر: يجب أن يكتب الكاتبُ، ويقرأ القارئ كما " يقرأ الواعظ المعمدانيّ الأُمّي العهد القديم بإيمانٍ كاملٍ"...!
لقد كان دافعي الأوَّل للكتابة هو محبَّة القارئ والواثق فيما أكتبهُ، ويليه تحية لمن كتبت (لتحيينا) د. سارة حواس هذه المترجمة الشّاعرة الأديبة المثابرة التي غزلت هذه الشّذرات من موارد شتّى وضفّرتها بأسلوبٍ سرديّ آسرٍ في محبَّة لمن كتبت عنهم، ولمن كتبت لهم؛ لتجدّد حياتهم، وحياتها، وحياتنا...!
--------------------------------------
بقلم: د.محمد سيد علي عبدالعال (د. محمد عمر)
- أستاذ الأدب والنقد ووكيل كلية الآداب للدّراسات العليا بآداب العريش.






