بشّرت السلطة في بداية حكمها أنها بصدد بناء الجمهورية الثانية، أو ما أطلقت عليه الجمهورية الجديدة. بدا الشعار أو المصطلح جذابًا ومُبشّرًا ويدعو للتفاؤل، سيّما وأن السلطة في ذاك الوقت كانت تمتلك حضورًا وقبولًا شعبيًا كبيرًا بعدما انحازت للإرادة الشعبية بإزاحة الحركة الإسلامية عن رأس السلطة.
باشرت السلطة عملها، وسعت يومًا بعد يوم إلى إنجاز الجمهورية الجديدة، وسرعان ما ظهر فيما بعد الكثير من الانحيازيات والسياسات العامة التي تستوجب الوقوف للنظر إلى الجمهورية الجديدة.
فشعار الجمهورية الجديدة لم يعد يُسك كشعار جذاب، وإنما لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع. فكلما اقتربنا أكثر بالتدقيق في صفة الجديدة التي توصف بها الجمهورية، فلا نرى فتحًا لأبواب جديدة بقدر غلقها بشكل أكثر نعومة، وفي نفس الوقت أكثر قسوة، وبأدوات حديثة، وكأننا ننزلق نحو شكل آخر من الحياة السياسية، منزوعة من السياسة أصلًا.
هذا الانزلاق يمكن وصفه وتسميته بمشروع الردّة الحداثية؛ ردّة لا تنكر الحداثة واستخدام التقنيات الحديثة وأدوات العصر، ولكنها تستخدمها لنزع قدرة المجتمع على الفعل والاعتراض، وتحويل المجتمع إلى كيانات وكائنات مُنهكة.
فالطرق تكون أكثر تعبيدًا واتساعًا، ولكن الناس يفقدون قدرتهم على التضامن والتآزر، مما يبعدهم أكثر عن بعضهم البعض، وتُبنى مدن لامعة وبأسماء جاذبة، ولكن تفقد المدينة معناها كأرضية للتفاعلات الاجتماعية بين الناس، وتقوى الدولة إلا أن المجتمع يزداد ضعفًا، وتقل قدرته على التنظيم.
تمّ سكّ مصطلح الجمهورية الجديدة تجاوزًا للجمهورية الأولى، وهو أمر كان لا بدّ منه باعتبار أن الجمهورية الأولى شكّلت كل البُنى السلطوية التي نعيش فيها، على الرغم من امتلاكها مشروعًا للحكم أُعلن هزيمته في يونيو 1967، إلا أن ما حدث أن الجمهورية الجديدة مضت في اتجاه آخر، عكس الجمهورية الأولى على عيوبها، فلم يعد لدى المجتمع القدرة على المشاركة في مشروع ما، وإنما كل هدفه هو النجاة اليومية من مصاعب الحياة، وبالشكل الذي أصبحت فيه السياسة محفوفة بالمخاطر ويجب تجنبها، وأصبح المجتمع في مجمله معزولًا عن بعضه البعض، وأفراده متباعدين، كلّ محاصر داخل حساباته الصغيرة اليومية، محاولًا تأجيل انكساراته وهزائمه.
وتقوم الجمهورية الجديدة بكل ذلك ليس بالقمع وحده، رغم حضوره الثقيل، إنما يحدث كذلك بإعادة تشكيل البُنى التي يعيش فيها الناس، وبسرعة كبيرة تحول دون الانتباه أنها تغيّرت، فالمجال العام ينكمش حدّ المصادرة الكلية، كتنفس بطيء لا هواء فيه، فيما يتحول المجتمع المدني بكل صيغه، بالأحزاب والإعلام والجامعات، إلى أشكال بلا روح.
قدّمت الجمهورية الأولى نفسها كأداة فوق المجتمع تسعى إلى تمثيله وتوزيع الرعاية، ثم جاءت الجمهورية الجديدة بالتدخل في الاقتصاد وتخليق وتشكيل السوق أصلًا، وبالشكل الذي أصبح فيه من الصعب التمييز بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي، وما هو عام وما هو خاص. فالجمهورية الجديدة تقدم نفسها كجهاز إدارة ضخم يعيد تنظيم الحياة وفقًا لمعيار الانضباط، لا وفقًا لتمثيل المجتمع ومصالحه، وبالشكل الذي يُعاد فيه تحويل المواطنين إلى سكان تمثل وحدات قابلة للحساب إنتاجًا واستهلاكًا وعبئًا يجب احتواؤه.
تُحدّثنا وتُمنّينا الجمهورية الجديدة بالمستقبل، ولكنه مستقبل لا يظهر فيه المواطنون، بل يتوارون حدّ الاختفاء، فكل شيء يُقدَّم كإنجاز كبير، ولكنه يعمل على إضعاف المجتمع وإفقاره أكثر فأكثر، وبالشكل الذي تُنجز فيه الجمهورية الجديدة حداثة في اتجاه عكسي، حداثة تعمل لتعميق استغلال وإضعاف المواطنين، مما يحدّ من حريتهم، ومما يجعل الجمهورية الجديدة لا تضيف إلى منطق الجمهورية، لأنها تبتعد عنها وتتركها كفكرة فقدت وظيفتها.
فالجمهورية، سواء كانت قديمة أو جديدة، في أبسط معانيها، فهي ليست مرادفًا للقوة، إنما هي وعد؛ وعد بالمواطنة والحرية والتنمية والكرامة والرفاه. وما أن يتحول الشعب إلى سكان، والمجتمع إلى مسألة يجب إدارتها، والسياسة إلى مسألة أمنية، فهنا تتجاوز الجمهورية فكرة وجودها ومنطق تشكّلها من الأساس.
تكوَّن مفهوم الشعب بالمعنى التاريخي في مصر أثناء ثورة 1919، وعلى مدار القرن السابق كانت الدولة بكل تناقضاتها ترتكز إلى فكرة ما عن الأمة/الشعب، فكرة كانت متناقضة ومتوترة، وفي أحيان كثيرة قمعية، إلا أنه كان هناك مجتمع سياسي تخاطبه الدولة، أو شعب تتبنى الدولة طموحاته وتوزع الرعاية عليه في إطار مشروع وطني.
لكن في الجمهورية الجديدة فنحن أمام تراجع عن هذا التصور تجاه شكل متداخل، فلم تعد الجمهورية الجديدة وسيطًا بين الطبقات الاجتماعية، إنما تحولت إلى جهاز يُدار بمنطق الشركة/الدولة، بحيث استُعيض بشرعية الإنجاز عن الشرعية السياسية القائمة على التمثيل والتوافق الوطني، وفي الوقت ذاته يدير هذا الجهاز المجتمع بحيث يمنع احتمالات الاضطراب والتمرد قبل تحولها لفعل سياسي، لأن الاستقرار أصبح هدفًا أعلى من السياسة كوسيلة للتفاوض وتمثيل أصحاب المصالح.
الدولة في الجمهورية الجديدة يُمكن النظر إليها وفهمها كدولة ما بعد وطنية، فهي لا تستمد معنى وجودها من الشعب كجماعة سياسية، إنما من قدرتها على الإنجاز وإدارة المجال العام، وبالشكل الذي يصبح فيه الوطن مساحة لتشغيل وإدارة ضخمة للمجتمع، بحيث تعيد إنتاجه من اعتباره فاعلًا تاريخيًا إلى اعتباره مادة للضبط وإعادة التشكيل.
هنا أصبحت الجمهورية الجديدة تُنجز مشروعًا للردّة الحداثية، تتجاوز فيه طموحات ونضالات الحركة الوطنية المصرية على مدار 150 عامًا، بحيث تخرج الدولة من الوطنية إلى عقلانية الإدارة الشاملة، فتستبدل السياسة بالتشغيل، والشرعية بالإنجاز، والمجتمع بأقنان وأدوات لمشروع ما، وبالشكل الذي تتحول فيه الدولة الوطنية إلى الدولة/الجهاز، التي لا يتغير فيها شكل الحكم فقط، إنما يُعاد تشكيل المجتمع بالكامل، وبالشكل الذي يستدعي طرحًا لسؤال: أيّ جمهورية هذه التي يُراد لها أن تكون جديدة؟!
----------------------------------
بقلم: محمد الخولي
* أمين التثقيف في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي






